لطالما شكّلت الثقافة جزءاً من القوى الناعمة كونها أحد أبرز الأسس التي تدعم توجهات التطوير البشري، ومد جسور التعاون والتفاهم والترويج والحوار والتواصل بين الدول والشعوب من أجل حاضر مزدهر ومستقبل أفضل للأجيال القادمة، ومن هذا المنطلق فقد اهتمت المملكة بتطوير قطاع الثقافة وعملت على النهوض به كقوة حضارية غابت لسنوات من قبل، فجعلتها حاضرة في رؤية 2030 بوصفها ركيزة رئيسة من ركائز بناء الدولة التي نحلم بها وصناعة مهمة تلبي احتياجات المجتمع الثقافية من خلال بث كافة جوانب التراث الثقافي في أوصال الحياة اليومية لكافة أفراده مما يجعلهم ينعمون بحياة عامرة وصحية. ومنذ إطلاق الرؤية الطموحة في العام 2016 بدأت المملكة تشهد حراكاً ثقافياً كبيراً توّجته في العام 2018 بإنشاء وزارة للثقافة ينتظرها إرث ثقيل امتد لعقود طويلة بعد أن كان هذا القطاع يترنح قبل هذا التاريخ بين عدد من الجهات الحكومية بدءاً من وزارة المعارف إلى الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ثم وزارة الثقافة والإعلام، حيث أخذت الوزارة على عاتقها منذ إنشائها أن تكون نمطاً لحياة الإنسان السعودي، وهدفاً للحفاظ على تراثه التاريخي مع السعي لبناء مستقبل ثقافي غنيّ تزدهر فيه مختلف أنواع الثقافة والفنون بما يعكس حقيقة ماضينا العريق، ويساهم في سعينا نحو بناء مستقبل يعتز بالتراث ويفتح للعالم منافذ جديدة ومختلفة للإبداع والتعبير الثقافي. وعلى رغم عمرها الزمني القصير، إلا أن وزارة الثقافة الشابة حرصت منذ تأسيسها على إبراز المشهد الثقافي في المملكة للعالم أجمع. فشمَّرت عن ساعدها، وبدأت في تقديم خطط وبرامج ومبادرات وفعاليات نوعية تمهد الطريق أمام قطاع ثقافي فاعل ومؤثر، فنجحت ولله الحمد خلال الأعوام الثلاثة الماضية في تقديم إنجازات كبيرة وتطورات عظيمة سرعان ما بدأت ملامحها تنعكس بشكل إيجابي بعد أن فتحت مفاهيم الثقافة على مصراعيها، وبدأت تنحو سريعاً باتجاه الفعل الفكري بكافة تفريعاته المتعددة تراثياً وحضارياً وفنياً وإبداعياً وأدبياً وجمالياً.
ومن أبرز مبادرات الوزارة التي أثارت انتباهي مؤخراً النهج الذي انتهجته منذ العام الماضي بإصدارها لتقرير دوري كل عام يتضمن وصفاً تحليلياً وتقييماً لواقع القطاع الثقافي ورصد تحوّلاته وتطوراته، استناداً إلى إحصائيات ومعلومات وأرقام، وهو بلا شك من الإنجازات التي تحسب للوزارة وتدعم جهود التطوير الكبيرة التي تبذلها وهيئاتها الثقافية، بالإضافة إلى جهود الأفراد والمؤسسات والجهات الفاعلة في صناعة الثقافة السعودية.
وقد عايشنا في الأيام الماضية صدور النسخة الثانية من هذا التقرير الذي جاء تحت عنوان (تقرير الحالة الثقافية في المملكة 2020م: رقمنة الثقافة)، متضمناً رصداً لأبرز القرارات والتطورات التي حدثت في كل القطاعات الثقافية، ووصفاً للمقوّمات التي يمتلكها كل قطاع، والتحديّات التي تواجهه، إضافة إلى سرد إنجازات المثقفين والفنانين السعوديين، ورصد مستوى مشاركة المواطنين والمقيمين وتفاعلهم مع الأنشطة الثقافية سواء افتراضياً أو حضورياً لبعض الأنشطة المحدودة التي أقيمت على أرض الواقع.
ولعل الوزارة قد أحسنت صنعاً هذا العام باختيارها ثيمة رقمنة الثقافة، وذلك عطفاً على وباء كورونا الذي تفشى وأثر على كل نواحي الحياة، وجعل الرقمنة ركناً أساسياً من أركان الحياة اليومية، بعدما تسبب في نقل النشاط الثقافي في المملكة والعالم أجمع من أرض الواقع الملموس إلى العالم الافتراضي، فقد كان واضحاً لجوء الكيانات والمؤسسات الثقافية العامة والخاصة إلى تحويل أغلب أنشطتها القابلة للتحول إلى التطبيقات الافتراضية، وقد حقق لها هذا التحول مكاسب كبيرة مكّنتها من تجاوز أزمة العزلة التي فرضها الوباء من حيث انفتاحها على جماهير أكبر، وتسهيل استضافة مختصين أكثر من بقاع بعيدة، وتخفيف تكاليف العمل المباشر، وهو ما يستدعي منا العمل على توسيع استفادة الثقافة من العصر الرقمي ومن كافة الأدوات الرقمية.
لا شك أن كل ما جاء في هذا التقرير يؤشر على أن الثقافة في السعودية لم تعد فعلاً هامشياً، ولكنها باتت نشاطاً له دورته الاقتصادية، وفعالياته الاجتماعية، وفاعلوه الذين يمارسون من خلاله حريتهم في التفكير والقول والإبداع، وفي الأخير لا يسعني إلا أن أهنئ نفسي وأهنئكم وأبارك مثل هذه المبادرات الثقافية التي تسعى من خلالها هذه الوزارة الفتية إلى تقديم رسم دقيق للمشهد الثقافي السعودي، يساعدنا في فهم الحالة الثقافية والانطلاق نحو بناء قطاع ثقافي حيوي على أسس معرفية واضحة ودقيقة.