بعد جائحة فيروس كورونا، يمكن أن تثور أزمات مماثلة عاجلاً لا آجلاً. فهل نطيق حقاً الاستمرار في اتباع النهج ذاته، من الناحية الاقتصادية وغيرها؟
استقبلنا بالفعل الأنباء السارة الواردة من قطاع الأدوية، الذي طور لقاحات لفيروس كورونا في طريقها إلى الإنتاج واسع النطاق. وهذا يبشر ببدء ما قد يتبيّن أنه أعظم مشروع تطعيم باللقاحات في تاريخ العالم، فسيتم حول العالم تطعيم الملايين كل يوم ضد فيروس كورونا، وبعد ذلك ستنتهي الجائحة تماماً، وتحديداً في صيف 2021 أو خريف العام نفسه على أقصى تقدير.
أو هكذا نظن. السياسيون وأصحاب دور العرض السينمائي والمسارح ورجال الأعمال والفنانون وأصحاب المطاعم كلهم يعلقون آمالهم على اللقاح. لكنه قد يكون أملاً كاذباً، وليس هذا لأن اللقاحات ستكون عديمة الفعالية.
المشكلة، بالأحرى، أن الجائحة الراهنة قد تكون الأولى في سلسلة طويلة من الجوائح والكوارث الطبيعية الأخرى. ولهذا السبب فقد حان الوقت لأن نسأل أنفسنا كيف نريد أن نعيش في هذا العالم الجديد، بدلاً من الانغلاق وانتظار العلم -في صبر وأناة- كي يستعيد أوضاعنا الطبيعية السابقة.
في عام 2014، لم يكن أحد يعرف اسم الفيروس الذي سيُشعل أزمة عالمية، لكننا كنا نعلم أننا مقبلون على أزمة. في ديسمبر من ذلك العام، ألقى الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما كلمة حذر فيها من أن الزيادة المطردة في السفر الشخصي ونقل البضائع، مقرونة بتغير المناخ، ستفضي إلى جوائح أشد خطورة من الإيبولا أو إنفلونزا الخنازير. وتبرهن الجائحة الحالية على صحة قوله.
لا يوجد بالطبع سبب يدعو لافتراض أن القضاء على هذه الجائحة سيقضي أيضاً على الأسباب المفضية إلى المزيد من الجوائح. قد يكون الانخفاض في أسفار الأعمال انخفاضاً طويل الأجل، بعد أن رأينا إمكانية إجراء المفاوضات وتنفيذ العروض التقديمية وعقد المؤتمرات عبر مكالمات الفيديو. لكن السياحة ستعود إلى مستوياتها فيما قبل كوفيد-19، وسيعود الناس إلى مقار عملهم، مما سيعني أن المكابح لن تُضغط إلا بشكل مؤقت.
الأزمة المقبلة
حتى من دون جائحة جديدة، فلدينا بالفعل فيروسات الإنفلونزا الموسمية، التي يمكنها أن تكون خطيرة بمعنى الكلمة. لذا ينبغي أن نتساءل، في ضوء استجابتنا لأزمة كوفيد-19، عن طبيعة رد فعل مجتمعنا في المرة المقبلة التي نواجه فيها إنفلونزا شبيهة.
وماذا لو أصبحت الجوائح، كالجائحة الحالية، أمراً شائعاً كالإنفلونزا؟ سيتعين علينا أن نسأل أنفسنا: هل نريد إغلاق الاقتصاد وحياة الناس الاجتماعية والقطاعات الثقافية والرياضية، كما فعلنا هذا العام، أم لا؟ وكيف سيكون مجتمعنا؟
إحدى المشكلات أنه حتى الاقتصادات القوية لا يمكنها تحمل الاستثمار في تحسين الرعاية الصحية وإعادة هيكلة التعليم والتدريب في الوقت نفسه لو اقتضى الوباء ذلك. لكن دعونا ننحّي جانباً للحظة، الاعتبارات الاقتصادية والسياسية التي تهم الدول.
وهيا ننظر بدلاً من ذلك إلى النتائج المترتبة على القطاع الثقافي، بمعناه الأوسع، بداية من المؤسسات الثقافية كدور السينما والمتاحف والمسارح وقاعات الحفلات الموسيقية ومنظمي الفعاليات، مروراً بعالم الرياضة (على المستويات كافة) والاحتفالات العامة تخليداً للأحداث التاريخية، والاحتفاء بالأحداث الحياتية من التعميد إلى الامتحانات المدرسية، ومن حفلات الزفاف إلى الجنازات، وانتهاءً بأنشطة الحياة اليومية كقضاء الوقت مع الزملاء والأصدقاء.
كل هذه الأشياء تشكل النسيج الثقافي لمجتمعنا، ولو حدثت جائحة، ستتعرض كلها للتقييد أو الخنق أو الإيقاف التام. فهي أشياء يُنظر إليها كأشياء يمكن الاستغناء عنها، وأقل أهميةً من خطر الإصابة، وهذا موقف تعود جذوره إلى ما قبل هذا العام بزمن طويل.
القواعد واللوائح التنظيمية
من المهم أن نلاحظ أننا نقبل بسهولة حجة القائلين إن أي ثمن، مهما كان، يستحق دفعه لتقليل عدد الوفيات أو الحالات الشديدة، وكل ما عدا ذلك يجب أن يُفسح المجال لهذا. هذا الاستعداد لقبول جميع القيود ما دامت تقلل من المخاطر الصحية هو نتاج اتجاه طويل الأمد قوامه استحداث القواعد والمبادئ التوجيهية والحظر والتكنولوجيا التي تجعل حياتنا أكثر أماناً وأوفر صحة، للوهلة الأولى على الأقل.
لا شك في أهمية تفاعل السياسيين بسرعة، واتخاذهم التدابير اللازمة مع اقتراب وحدات العناية المركزة من الحدود القصوى لسعتها الاستيعابية. لكن الشيء الصادم هو مدى سهولة قبول المجتمع للقيود التي ستؤدي إلى جمود الحياة الثقافية، دون أن يثبت أحد فعالية هذه التدابير.
إذن ماذا ستكون العواقب لو أصبح هذا هو وضعنا الطبيعي الجديد في عصر الجوائح؟
أولاً: دعونا ننظر كيف سيؤثر هذا على من يكسبون رزقهم في القطاع الثقافي: الموسيقيين، وأصحاب دور السينما، والممثلين، والمخرجين، وأصحاب المطاعم، والمدربين، والرياضيين، وأصحاب المحال... وفي الوقت الراهن، يعيش هؤلاء اعتماداً على التمويل الحكومي.
ولم نر بعد ما إن كانت هذه الأموال ستكفي أم لا. لكن هناك أيضاً السؤال حول معنى أن تكون عالة على الدولة بدلاً من أن تمارس مهنتك. من الواضح أننا لا نستطيع السماح بأن يصبح هذا قاعدة ترسخ نفسها كل بضع سنوات.
لكن هذا بالضبط هو المستقبل الذي قد نواجه. فمنظمو الفعاليات الكبيرة لا يستطيعون التنبؤ بما لو كان يمكن إقامة هذه الفعاليات أصلاً، وكما هو الحال الآن بالضبط، لا يستطيع أحد أن يعرف ما لو كان الأمر يستحق التمرّن على مسرحية ستُعرض أول مرة، أو التدرّب للمشاركة في مسابقة تقام العام المقبل، أو حتى تخطيط حفل زفاف.
سيعمد المزيد والمزيد من الناس إلى هجر القطاع الثقافي والبحث عن عمل في مكان آخر. والأمر لا يتعلق بالمال فحسب، بل يتعلق بعيش حياة ذات معنى، ولا سبيل إلى ذلك ما لم يتسن لنا أن نجسّد على أرض الواقع ما نخطط له ونُبدعه.
لماذا يفتح أحدنا محلاً تجارياً ما لم يكن على يقين من المدة التي يمكن أن تظل فيها أبوابها مفتوحة؟ ولماذا ينشئ أحدنا مدرسة لتعليم الموسيقى لو كان هناك احتمال أن نُضطر إلى إغلاقها لمدة أسابيع أو شهور في كل مرة؟
على حساب الثقافة
من الجائز أيضاً أن يكون مَنْ اعتادوا زيارة هذه المراكز الثقافية وجدوا طرقاً أخرى لقضاء وقتهم أثناء الإغلاق. وعندما تنتهي الجائحة، سيكون هؤلاء تخلوا عن عادة الذهاب إلى المسرح أو السينما أو دعم فرقهم الموسيقية المفضلة في الحفلات أو فريقهم الكروي المفضل في الإستاد.
وبدلاً من ذلك ربما يمكثون في بيوتهم لمشاهدة التلفزيون، أو الطهي، أو بناء نماذج للسكك الحديدية، أو تصفح الإنترنت، أو ممارسة القليل من أعمال البستنة. وحتى عندما تعيد هذه المؤسسات الثقافية فتح أبوابها، ربما لا نرى زواراً بنفس الأعداد التي كنا نراها من قبل، خصوصاً إذا كانت تقلقهم الجائحة القادمة ويرون أنه واجبهم المدني يحتّم عليهم الحفاظ على صحتهم بأي ثمن.
يمكننا ببساطة هز أكتافنا والقول: (هذه هي الحياة، فالتغير هو الثابت الوحيد، وسنعتاده قريباً). لكن هذا الموقف يتجاهل الثقافة وإلى أي مدى تمثل جزءاً لا يتجزأ من مجتمعنا.
فالمؤسسات الثقافية، من المسرح إلى السينما، ليست مجرد أماكن ترفيه واستجمام، على نفس مستوى الأماكن الأخرى التي تقل فيها مخاطر الإصابة بالعدوى، بل أماكن تسهّل اللقاءات.
فهي الأماكن التي يتعرف فيها الناس على بعضهم البعض ويكوِّنون صداقات ويلتقون شركاء حياتهم. وهي الأماكن التي تدور فيها الأحاديث حول السياسة والمجتمع، التي يشكّل فيها الناس آراءهم من خلال مقابلة الآخرين ممن يتبنون وجهات نظر وأنماط حياة وأهدافاً مختلفة. وهي الأماكن التي نرى فيها تنوع مجتمعنا. شخص يستقل سيارة أجرة إلى دار الأوبرا يرى مشجعي كرة القدم يحتفلون في الشوارع، وشخص عائد إلى البيت من السينما يلتقي روّاد المسرح.
فيما يكتنفنا ضجيج الأصوات في الشوارع في إحدى أمسيات السبت، لا أحد يستطيع إنكار تعقيد مجتمعنا. وفي التجمعات العائلية، نرى مختلف المسارات التي مضت فيها حياة الناس انطلاقاً من نقطة بداية واحدة. نرى الأشياء التي ما زالت مشتركة بيننا وكيف تفرقت بنا السبل. باختصار، ها هنا يعيش المجتمع.
فالمجتمع المستعد للتضحية بكل هذا لتقليل مخاطر العدوى لن يكتفي بالتغير جذريّاً خلال عصر الجوائح، بل سينهار. وهذا شيء لا يمكننا السماح بحدوثه ولا بد أن نجهر بملء عقيرتنا ضده.