بما أن الثقافة تعد مصدراً مهماً لـ(القوة الناعمة) فإن خدمة اللغة العربية أداة مهمة من أدواتها أيضاً، ومعروف أن (القوة الناعمة) هي الجاذبية التي تحصل بواسطتها دولة ما على نتائج إيجابية حين يكون الآخرون معجبين بقيمها اعتماداً على مدى الجاذبية التي من خلالها يمكن تقديم الثقافة إلى الآخر بصورة إيجابية وبشكل جذاب، هنا تأتي أهمية أن تكون جاذبيتنا الثقافية أكثر فاعلية قياساً على ما نملكه من مخزون ثقافي كبير باعتبار أن المملكة مهد وملتقى الحضارات والثقافات منذ الأزل، كما أن أرضها مترامية الأطراف هي الحاضن الرئيس لثقافة العرب ولغتهم، وهي مهبط الوحي الذي جاء بلسان عربي مبين، وهذا يعني أن اللغة هي إحدى أهم الأسس في تكوين ثقافتنا العربية بمفهومها الشامل والواسع، ومن هنا يفترض أن نبحث عن الجوانب الجاذبة في هذه الثقافة لنقدمها إلى العالم في صورة مناسبة. يأتي تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية انعكاساً للاهتمام الثقافي الذي عُرف عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، كما يأتي انعكاساً لمرحلة الازدهار التي تشهدها المملكة حالياً على المستوى الثقافي والاجتماعي، لتسهم المرحلة الراهنة في نهضة اللغة العربية وتعزيزها وإبراز مكانتها على المستوى الإقليمي والدولي.
وبما أن هذا المجمع يحمل اسم خادم الحرمين الشريفين فإن الدور المنتظر منه ريادي وكبير، فهو إحدى ثمار مبادرات الإستراتيجية الوطنية لوزارة الثقافة، وسيكون له شأن كبير بين المجامع اللغوية العربية، وتجب الإشارة هنا إلى ارتباط المملكة العربية السعودية الوثيق باللغة العربية كونها مهد العروبة ومهبط الوحي، واللغة العربية هي اللغة الرسمية المستخدمة في المؤسسات الحكومية والمكاتبات ووسائل الإعلام في المملكة، حيث نصّت المادة الأولى من النظام الأساسي للحكم بأن المملكة دولة عربية إسلامية لغتها هي اللغة العربية، وغني عن القول إن المملكة استقبلت آلاف الطلاب غير العرب الذين وفدوا لدراسة اللغة العربية وعلومها وآدابها، وتخرج منهم على مدى أكثر من نصف قرن مضى آلاف الطلاب المجيدين للغة العربية وأصبح منهم الرؤساء والوزراء والسفراء والعلماء في بلدانهم ويدينون بالفضل والمحبة للمملكة التي احتوتهم وعلمتهم، وقد تكرس هذا النهج التاريخي الذي انتهجته المملكة في خدمة اللغة العربية منذ عهد الملك المؤسس-طيب الله ثراه- حتى اليوم.
إن تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية جاء في الوقت المناسب ليعزز المكانة الثقافية للغة العربية وليكون أيضاً وسيلة جاذبة للراغبين في الاقتراب من ثقافتنا من جهة أخرى، فمن خلاله نستطيع جذب انتباه العالم بشكل أكبر لا سيما إذا ما وسعت أنشطته، حيث إن اللغة العربية تزخر بالعديد من العناصر الجاذبة، وسوف تحقق مبادرة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية أهدافها في إبراز مكانة اللغة العربية وتفعيل دورها إقليمياً وعالمياً، وتعزيز قيمتها المعبرة عن العمق اللغوي للثقافة العربية والإسلامية، وأن يكون المجمع مرجعاً للمهتمين بالعلوم اللغوية بما يوجده من أنشطة إبداعية فعالة تنعكس إيجاباً على اللغة العربية وآدابها وفنونها.
ولتحقيق التميز والجاذبية كان سعي المجمع موفقاً في ربط اللغة العربية بعدة أمور مهمة منها (الذكاء الاصطناعي في اللغة العربية) وهذا ما تحتاجه الثقافة والمجتمعات العربية حالياً في ظل التأخر الكبير الذي أصاب العالم العربي في المجال العلمي والتقني، أما في مجال الحملات الإعلامية لتعزيز قيمة اللغة العربية ودعم إثراء المحتوى العربي، فإن ذلك من أهم الأمور التي تسهم في إعادة الأجيال العربية إلى أصالتها وخاصة فيما نراه حالياً من ضعف المحتوى العربي نتيجة الابتعاد عن استخدام اللغة العربية في المجالات العلمية والتقنية، أما مراكز تعلّم اللغة العربية فأهميتها كبيرة في اجتذاب الناطقين بغيرها، وهنا تأتي أهمية افتتاح هذه المراكز في مختلف الدول، لأن تعلّم اللغات يقلّص الاختلاف والفوارق بين الثقافات ويزيد من الحوار والتفاهم والفهم، ونأمل أن يكون لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية دور كبير في ذلك ليكون منارة يشار إليها بالبنان في هذا الصدد.