مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

أولية الليل على النهار.. غلبة القمر على الشمس

مررتُ في قراءاتي ببيت من الشعر في قصيدة طويلة لشاعر العرب الكبير، والخالد لجهة آثاره البديعة والماتعة، أبي الطيب المتنبي الكندي الكوفي (915 - 965م) الذي قيل فيه إنه (شغل الناس وأتعب الزمان)، وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان، فها نحن نعرض لأشعاره، نتأملها ونتفكّر بها ونتداولها، كما لو أنه حاضرٌ بيننا لم يغب منذ ألف عام ونيّف. يقول المتنبي في هذا البيت الشعري من قصيدة له عنوانها (نَرى عِظماً بالبين والصّدُّ أعظَمُ):
(فلم أرَ بدراً ضاحكاً قبل وجهها / ولم ترَ قبلي ميتاً يتكلمُ)
وبعيداً عن القراءة الانطباعية النقدية العامة، لهذه الصورة الشعرية من حيث جماليتها، ودقة الوصف، وعمق إحالاتها، ومكانها في بنائية القصيدة؛ تساءلت: ما قصة تشبيه كل جميل عند الشعراء بالقمر، خصوصاً الوجه؟ لماذا يشبهونه بالقمر وليس الشمس؟ فذاك له نوره وهذه لها ضياؤها. ما الذي يؤهل وجه القمر ليحاكي وجه الحبيبة أو نوره ببهاءِ سيمائها؟ وما الذي يجعل وجه الشمس وضياءها مستبعدين مهملين؟ وما الذي يجعل القمر أرفع مقاماً من الشمس، لدى الشعراء والأدباء وكثير من البشر، وهي التي -الشمس- تمنح القمر نوره؟ ولولاها لكان مُطفأً كالثقوب السوداء في الفضاء، لا تراه عين ولا يستدل عليه أحد؟ أليست الشمس بهذا المعنى هي الأصل والقمر هو الفرع، أو أنها هي الأصل والقمر هو الصورة؟ كونه يدين بظهوره لانعكاس ضوئها وشعاعها. ثم كيف يكون الأصل أقل مكانة من الفرع أو الصورة؟ وأخيراً: هل ثمة صراع بين النهار والليل وما طبيعته؟ هل لهما -النهار والليل- علاقة ما في أولية القمر على الشمس؟ هل هنالك صراع؟ وكيف كانت الغلبة لليل؟ ما جعل القمر كوكباً فخوراً مختالاً في فلكه؟
أسئلة حملتها معي في رحلة قصيرة إلى التراث الإنساني، ماضيه البعيد وقريبه الحديث، بحثاً عمّا يمكن الوقوف عنده إجلاءً لجانب من سيرة القمر التي طغت على سيرة الشمس، لدى الأدباء، والشعراء منهم خاصة، لتغدو سيرته من مألوف الناس وسائدهم، كأنها حقيقة ماثلة مسلّم بها، يصعبُ على أحدٍ الاقتراب منها إن نقاشاً أو اعتراضاً.
لكن قبل أن نبدأ الرحلة، هل قمر المتنبي هو نفسه لدى الشعراء الكبار السابقين أو المجايلين أو اللاحقين؟ وحظي بالوصف ذاته أو الصورة عينها؟ وبالتالي فإن كل ما نقرؤه ما هو إلّا تكراراً ليس إلاَّ؟ أم أن القمر وذكره موجودان لكن ورودهما في سياقات مختلفة يأخذ صوراً وصياغات متباينة؟ دعونا نلقي نظرة سريعة على قمرٍ لدى شاعر أقدم من المتنبي هو قيس بن الملوّح، مجنون ليلى العامرية 645-688م، يقول:
بَيْضَاءُ باكَرَهَا النَّعِيمُ كَأنَّهَا
    قَمَرٌ تَوَسَّطَ جُنْحُ لَيْلٍ أسْوَدِ
مَوسومةٌ بالحٌسنِ ذات حواسدٍ
    إنَّ الحِسانَ مظنّة للحَسدِ
لا ذكر لتشبيه وجه الحبيبة بالقمر في بيت ابن الملوّح، كما عند المتنبي، بل جاء تشبيهه لبياضها بنور القمر في ليل صاف، من دون تحديد، رامزاً فيه إلى النعيم المُبكر لحبيبته ورفاهية عيشها.
لكن كيف هو القمر لدى شاعر لاحق، ظهر بعد المتنبي، الملقب بأبي تمّام، واسمه حبيب بن الحارث الطائي 803-845 م، نقرأ:
قَمَرٌ تَبسَّمَ عَنْ جُمَانٍ نابتِ
    فَظَللْتُ أَرمُقُه بِعَينِ البَاهِتِ
ما زال يقصرُ كل حُسنٍ دونه
    حتَّى تفاوَتَ عَن صِفاتِ النَّاعِتِ
عاد بنا أبو تمام إلى منطقة الوجه ثانية، ليصف لنا ما كشفت عنه ابتسامة الثغرِ من جُمان = حبات اللؤلؤ.
حسناً، لكن هل اقتصر القمر وذكره على الشعر العربي الفصيح، أم أن شعراء العامية عرضوا له واستخدموه في أشعارهم بصور تضاهي تلك التي لدى شعراء الفصحى؟
لا بأس من أن نقرأ لبعض شعراء العاميّة -لا على التعيين- علّنا نعثر لديهم على قمرٍ مختلفٍ في شكلهِ وتأثير نوره، أقلهُ لجهة الوصف ووظيفة الصورة في بناء القصيدة النبطية.
هنالك من شعراء العاميّة من ترك القمر لحاله، وذهب إلى نوره، كما لدى الشاعر الأمير خالد الفيصل الذي يقول في إحدى قصائده:
حدر القمر صوّت لخلهِ وناداه
    ثلاث مرات وبالرابعة ونّ
حدر القمر يا ما همس له وناجاه
    وعيونهم يا ما بنوره تلاقنّ
الشاعر فهد عافت، القمر لديه مجرد شُعاع لا يلبث أن ينطفئ، ويبدو أنه لا يحب المنطفئين، بل ينحاز إلى من نورهم دائم الاستمرار في الزمن لا ينطفئ. وفهد عافت أحد شعراء العاميّة المحدّثة، في قصائده اقتراب ما يشبه قصيدة التفعيلة لدى المحدثين من شعراء الفصحى (وتلك قصة أخرى). نسمعُ الشاعر في إحدى قصائده:
واسميك القُمر، زلة لسان، ومالقا به غير
    شعاع ينطفي، وانت اول انوارك بلا تالي
***
لضرورات النشر، يستوجب الاختصار، ما يعني الاستغناء في هذا المقام، عن الاستشهادات الشعرية، الفصحى والنبطية، باستخدام القمر ونوره وصورته، ما كان ليعزز هذه المبحث أكثر. على أي حال، نستأنف رحلتنا في الموروث الثقافي والإنساني القديم، على قدر ما تسعفنا أدواتنا والمساحة المخصصة، في الوصول إلى ما يضيء على الفكرة المبسُوطة أسئلتها في الاستهلال.
***
منذ أن خلق الله الإنسان على الأرض، اتجه بعقله إلى ملاحظة الظواهر الطبيعية التي كانت في محيطه البدائي البكر، وقد كانت تلك الظواهر تشكل له مصدر خوف وقلق كبيرين، لأنه لم يكن يمتلك لها تفسيراً، فيقف عاجزاً أمامها لا يلوي على شيء، لتبدأ وتنتهي دون أن يكون له دور في حِلِّها المُنذر وترحالها المُبدِّد، ولعله من يومها لازمه شعور الضعف حيالها، ضعف يتجدّد كلما لاحت له تباشيرها من بعيد أو قريب، حيث لا مهرب من استسلامه في مواجهتها، طال بقاؤها أم قصر، فحتى الهروب في تلك المواجهة اتقاءً لشرها، يعزَّ عليه أحياناً فعله، لإحساسه أن في الابتعاد لمسافة بعيدة عن مأواه الكهفي، تكمن مخاطر جمّة تهدّد، هي الأخرى، حياته، أقلهُ أن يضلَّ عن طريق العودة فيضيع ويهلك.
من بين تلك الظواهر التي شغف الإنسان بمراقبتها في عصر ما قبل الإسلام، الشمس والقمر، فبعد أن تأملهما الإنسان طويلاً، اختار أن يذهب إلى القمر من دون الشمس، كونه وجد أن صفاته أرحم من صفات الشمس عملياً، فهو أولاً كان يخاف من ظلمة الليل التي تركت في نفسه أثراً مخيفاً، فجاء القمر ليبدد بنوره الظلمة ويذهب عنه خوفه، ويمنحه طمأنينة يستشعرها في نفسه أكثر كلما تصعّد القمر في منازله وصولاً إلى ذروته، بدراً مكتملاً، ثم عودته في المدار ذاته ليعود هلالاً (كالعرجون القديم). وقالت الكتب القديمة: (ظل الإنسان القديم على هذه الحال من التوجس إلى أن اكتشف لاحقاً النار، ليطرد بها الظلمة ويضيء محيطه ويرى ما فيه من جمادات وأشياء تتحرك في نطاق البصر). لذلك فإنه اعتبر من يومها أن القمر سيدُ الليل، فتقرّب منه بشيء من القداسة كما لو كان إلهاً يستحق العبادة.
أما السبب الثاني في تفضيله القمر على الشمس، فإنه ألِفَ نفسه مرتاحة لليل الذي يقضي جزءاً كبيراً منه في سُبات حتى شروق الشمس، معتبراً أن الليل هو الأصل أما النهار فهو الفرع. الليل هو الأزلي والنهار هو الطارئ، فكانت أولية الليل على النهار عنده هي التي استوجبت أولية القمر على الشمس.
ولعل هذا ما جعل الديانات القمرية القديمة -كما ذكرت كتب الأساطير القديمة في الحضارتين البابلية والسومرية- تحظى بالأسبقية على الديانات الشمسية، كما لوحظ أن في (معظم الثقافات الإنسانية كانت الميثولوجيا القمريّة سابقة على الميثولوجيا الشمسيّة).
هنالك فروقات لاحظها الإنسان القديم في مقارنته بين القمر والشمس، ففي الوقت الذي تختلف فيه أطوار القمر صعوداً حتى يصبح بدراً في منتصف الشهر، ثم نزولاً إلى أن يصبح هلالاً ويختفي في نهاية الشهر، تظل الشمس ثابتة في حجمها منذ شروقها في فجر النهار حتى وقت الغروب، ليس لها أطوار- منازل متدرجة كالقمر، ثم شروقها وغروبها دائماً ما يكون في مكان واحد تقريباً، بخلاف القمر الذي قد يجده في الليل والنهار أحياناً. ثم أن الشمس في النهار تلفحه بحرارتها الساخنة التي ترتفع صيفاً لتصبح لاهبة لا يحتملها في بحثه الدؤوب عن الطعام، لكن عندما يأتي الليل يكون ندياً فيخفف حرارة النهار الذي انقضى، ويمنحه شيئاً من الرطوبة، فيما تنشر له السماء بساط نجومها لتشكل هالة للقمر المُطل، متسيداً المشهد بنوره الهادئ الخالي من السخونة اللافحة الناتجة عن وهج الشمس، كل هذه مجتمعة، تجعله قادراً على التنقل ليلاً ورسم دربه بوضوح وقيادة دوابه.
في مشهدية بهيّة كهذه انطبعت بمرور العقود في مخيلة الإنسان القديم، لا يمكنه معها إلا أن ينحاز إلى القمر المخفور بهالة نجميّة، سيداً للّيل. وفي الوقت ذاته، ينفر من النهار لشمسه اللافحة.
ورغم ذلك استمر الإنسان القديم في الحركة، مضطراً أحياناً، للبحث عن الغذاء أثناء النهار -الذي ينفر منه- وجزءاً من الليل (الليالي المقمرة)، إذ لم يكن يمتلك وقتذاك خياراً آخر غير ذلك، حتى جاء عصر اكتشاف النار(حددته المصادر التاريخية في العصر النحاسي، قبل مليون ونصف المليون سنة).
لكن كيف حدث اكتشاف النار؟ هنالك من قال: حدث عن طريق مراقبة البراكين والصواعق التي كانت تضرب الشجر فتشعل النار فيها، لكن ما هو شبه مؤكد أن اكتشاف النار وقع بطريق الصدفة البحتة، عندما وقع احتكاك -غير متعمد- بين الجمادات كالأحجار بعضها ببعض فتولّدت شراره تنبه لها باهتمام، ثم حاول محاكاة ما حدث سعياً للتوصل إلى النتيجة ذاتها، ويبدو أنه نجح.
***
يعتبر البابليون هم أول من انعكست لديهم علاقة القمر بالخصب في رسوماتهم -وأعمالهم التشكيلية (عام 1750 ق.م) التي عُثر عليها لاحقاً- وكانت عبارة عن رسوم مختلفة الأشكال مع الشجر، رمز الخصب والنمو، وذلك في اندماج تشكيلي جمالي، كما ربطوا الإخصاب عند الثور بقوة القمر، حيث ارتبطت منازله المختلفة والمتغيرة بطقوس الزراعة والخصب.
ومن الروايات الطريفة التي نقلتها المصادر التاريخية في هذا السياق، أن البابليين رؤوا في قرنيّ القمر حينما يكون هلالاً، شبهاً لقرنيّ الثور إشارة لقوةٍ في الإخصاب. ولعلهم هم أول من ربطوا حياتهم بظروفها المختلفة، خيرها وشرها وحزنها وبهجتها بمجموعة الآلهة الفلكية.
كما أن ظاهرتي الكسوف والخسوف كانتا من أكثر الظواهر الطبيعية التي استرعت اهتمامهم. وكم كانوا يرغبون كثيراً -وفقاً لأدبياتهم- في أن تحمل تلك الظواهر بشائر الخير والسعادة لهم ولمدينتهم، بل كان هاجسهم الدائم والمستمر ألا تنذر تلك الظواهر بخلاف ذلك كـ(قرب تعرض مدينتهم لغزو الأعداء، أو لموجة جفاف، أو لمجاعة، أو لاجتياح وباء). وحينما كانت تقع ظاهرة خسوف القمر، كانوا يقدمون القرابين إلى أن يظهر عليهم بنوره مرة أخرى (بعد أن يقهر الشياطين والموت ويتغلب عليهما). ولهم في مثل هذه المقامات والأحداث صلواتهم الملكية التي يرفعونها إلى السماء حيث (الإله سين) كما كانوا يطلقون عليه، ليبعد عنهم الشقاء. هنا إحدى المقطوعات من تلك النجاوى والصلوات الملكية:
(آي.. سين، ذا النور الوهّاج، سين المتجدّد باستمرار، أنت الذي تنير الليلَ وتمنح الضياء للبشر العائشين تحت الغيوم، وتمنح نورك الساطع لذوي الرؤوس السوداء، يسجد لك الآلهة الكبار، وفي البؤس الذي يدل عليه الخسوف في أي يوم وشهر قد حدث، وفي الشقاء الذي تنبئ به العلامات الصالحة والرديئة تلك، العلامات التي تظهر في قصري وفي بلادي، فالآلهة تسألك حتى تجيب، إنهم عند قدميك يتبادلون الرأي. وها أنا راكعٌ أتطلّع إليك، فاسكب عليّ بركة صالحة، فهل يمكنني أن أعرف عقوبتي وأتطهّر منها؟ هكذا سأسبّحُ باسمكَ إلى الأبد).
ذو صلة