مدينة خفية ظهرت بين الجبال الصخرية الشاهقة والممرات العميقة الضيقة، أسماها الرومان بالبتراء أي الصخرة. هي تلك الحضارة الصلبة التي شيدت في الصحراء القاحلة لتجعل من الجفاف واحة وحضارة مخلوطة بالتساؤلات والقصص الغامضة.
البتراء المحفورة في الصخر، المخبأة خلف حواجز من الجبال المنيعة، يعجز الغريب أن يعرف دروبها، وحتى أشعة الشمس من اختراق جبالها المتلاحمة.
تحكي الجبال أن قبائل عربية تخلت عن حياة الهجرة وبدأت تستقر تدريجياً في مناطق مختلفة خارج الجزيرة العربية مكونة مملكة سميت بالأنباط نسبة إلى قبيلة نبط العربية متخذةً مدينة البتراء الواقعة في الأردن الحالية عاصمة لها، تمركزت هذه الحضارة شمال الجزيرة العربية، وفي جنوب الأردن، وصحراء النقب في فلسطين لتبني مستوطناتها محفورة في الطبيعة الجبلية.
كانت البتراء مدينة ثرية حيث كانت مركز التجارة بين الشرق الأوسط والإمبراطورية الرومانية، التقاء الثقافات خلق أسلوب الفن النبطي الفريد الذي أدرج بعضاً من أعظم عناصر العمارة القديمة، وترك علامة لا لبس فيها في المشهد الصحراوي القاحل. كانت ذروة الحضارة النبطية بين القرن الرابع قبل الميلاد والثاني الميلادي عندما سيطروا على طرق القوافل التي كانت تعبر شبه الجزيرة العربية من موانئ الخليج العربي شرقاً والبحر الأحمر غرباً حاملة معها البخور والتوابل والزيوت والعطور. الهيمنة على طرق القوافل جعلت مملكة الأنباط غنية جداً وقوية. هذا الازدهار الاقتصادي جذب الكثير من الناس للاستقرار وبناء المستوطنات بدلاً من حياة الهجرة.
عرف الأنباط بالفطنة الهندسية فاستغلوا جبال الحجر الرملية المتراصة المحيطة بالمدينة لتكون قلاعاً لمملكتهم. بدأ البناء النبطي بسيطاً ولكن التجارة جعلت البتراء مفترق طرق تجارياً ثرياً بين الثقافات العربية والآشورية والمصرية واليونانية والرومانية. فالتجارة بين الصين والهند والشرق الأقصى ومصر وسوريا واليونان وروما حملت معها الكثير من الأفكار والاتجاهات الفنية المحملة بالسلع والمواد كالحرير من الصين والعاج والجلود من أفريقيا والتوابل والبخور من الهند والفخار والخزف النبطي من البتراء إلى المناطق شرقاً وغرباً. هذا الالتقاء الثقافي انعكس على فن المملكة النبطية في منحوتاتها وزخارفها وكتاباتها التي تميزت عن غيرها من الحضارات بتقنية نحتها لجبال الحجر الرملية مكونةً مقابر ومساحات منحوتة بشكل متقن.
تتميزالأنباط عن غيرها من الحضارات بالقدرة الفنية والابتكارات التقنية المتفوقة لتشكل عمارة من القوى الطبيعية مبنية من الحجر الرملي والحجر الجيري الفريد. وقد تميز الأنباط بحفر الواجهات من الأعلى إلى الأسفل مستخدمين الأدوات المعدنية البسيطة لتتجاوز المنحوتات أكثر من 50 متراً في الارتفاع.
اتبع الأنباط أسلوب الحفر في الصخر الطبيعي لتشكيل الواجهات الصخرية في البتراء وستجد مدينتي الحجر ومدائن صالح تتبعها في نفس أسلوب البناء.
أسلوب البناء البسيط الذي اعتمد على المواد المتوفرة في المنطقة، مثل الطوب الطيني والحجارة البازلتية والحجر الكلسي والحجر الرملي فكانوا يستخدون تلك الحجارة الضخمة لإنشاء أبنيتهم.
بدأ الفن النبطي عناصره بالطراز العربي الذي استمد أصوله من الجزيرة العربية وهو الطراز الذي يعتمد على الأنصاب المستطيلة، وهذه الأنصاب موجودة بكثرة في الجزيرة العربية، تبنت أشكالها مدائن صالح لتستخدمها على واجهات مدافن وقبور الأثرياء النبطيين. ثم مع التوسعات بدأت الأنباط تستمد الأشكال والعناصر المعمارية من الحضارات المجاورة وبعد توسع الإمبراطورية الرومانية انعكست الحضارة الهلنستية في المنطقة باستخدام الأعمدة والزخارف الرومانية على واجهات المباني. فلقد شاع الطراز الهلنستي بعد سقوط مملكة الأنباط واحتلال الرومان للبتراء، وهو مزيج من الطرازاليوناني والروماني يظهر بشكل واضح على منحوتات واجهة الخزنة التي تعد من أشهر الأمثلة المعروفة بهذا الطراز.
تعد الخزانة من أشهر المباني الأثرية في البتراء وهي مبنى محفور بالكامل على صخرة البتراء الصلبة الحمراء. مبنى حجري صلب صمد تجاه الزلازل والحصار والعواصف والرياح. ويعتقد أن جرة على رأس سقف الخزانة قد احتفظت بكنوز لا حصر لها من الذهب والمجوهرات الثمينة.
لتصل إلى الخزانة يلزمك المرور عبر ممر ضيق محاط بجدران جبلية بارتفاع 100 متر. بالإضافة إلى الغرف المقطوعة بالصخور.
كما توجد قناة مائية تتأرجح على طول الطرق الملتوية. ففي عصر الأنباط تحولت الصحراء إلى واحة وهذا ماجعل الكثير من القبائل العربية تستقر في الأراضي التابعة للمملكة النبطية. كانت إمدادات المياه متوفرة على مدار العام بسبب العديد من الأنظمة والقنوات التي صممت لتزويد السكان بالمياه، وقد شيد سكان البتراء العديد من السدود والحواجز وحتى القنوات لنقل المياه من الينابيع الواقعة على بعد أميال إلى وسط المدينة.
إن ازدهار البتراء شكل تهديداً للإمبراطورية الرومانية المتنامية. فبعد توسع الرومان الجغرافي ضمت روما المملكة النبطية المسالمة إلى إحدى المقاطعات الرومانية التابعة لها في عام 106 م. مما جعلهم لا يشملون البتراء ضمن طرق التجارة الرومانية، فسرعان ما سقطت الأنباط في ظل التدهور الاقتصادي.
بقيت البتراء صامدة دون تغيير حتى وقوع زلزال كبير دمرمعظم المعالم الأثرية في المدينة سنة 363 م. هذا الزلزال الذي أحدث انخفاضاً في المدينة المهيبة وخسارة كبيرة للقطع الأثرية التي تم اكتشافها لاحقاً، فوجدت منحوتات للنسور مدفونة ومزهريات رومانية مع مقابض على شكل فهود، ومجموعة من الحلي والأفاريز الزخرفية.
استخدم الأنباط أحد خطوط الخط الآرامي لكتاباتهم وطوروه لتتّصل الأحرف مع بعضها البعض، ثم تطور لاحقاً ليتطور منه الخط العربي.
اعتنق الأنباط الديانة المسيحية في نهاية القرن الرابع، وأصبحت البتراء مقراً للأبرشية المسيحية. ولكن مع مرور الوقت، بدأت المدينة تفقد أهميتها، وهجرها معظم أهلها خاصة بعد زلزال عام 551م.
كانت الأنباط المملكة الأكثر قوة وازدهاراً حتى سيطر الرومان على وجودها السياسي والاقتصادي ولكنها مع ذلك بقيت تاريخاً مزدهراً لارتباط حضارتها بصلابة الجبال.
تحدى النبطي البيئة وواجه حرارة الصحراء ببناء أنظمة الري لتحسين الأرض، وتحدى الجبال بجعلها بيوتاً وقلاعاً لمملكته، هذا التحدي جعل من حضارة النبطي بيئة صامدة كتبت لنا جبالها المشيدة على الأرض تاريخاً مجيداً محفوراً في الصخر يروي لنا قصص صلابة العروبة.