التعرف على حياة الطيور عن قرب متعة لا يعرفها إلا من عايشها وتعرف على عالم الطيور وأسراره، وتعتبر هواية مراقبة الطيور وصيدها (الصقارة) من الهوايات الملكية التي كانت تنتشر بين طبقة الملوك والأمراء في أوروبا وفي مصر والعالم العربي أيضاً. بدأت تلك الهواية في أواخر القرن التاسع عشر في بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية، وانتقلت إلى مصر حيث مارسها ملوك مصر وأحفاد محمد علي باشا، وكان الملك فاروق من أشهر أفراد الأسرة العلوية المهتمين بالصيد، وكان يخرج في رحلات صيد الطيور في بحيرة مريوط بالإسكندرية أو بحيرة قارون بالفيوم، ومؤخراً انتشرت تلك الهواية في العديد من الدول الأوروبية خصوصاً في دول إسكندنافيا وهولندا وألمانيا والنمسا وسويسرا، حتى أصبح موسم هجرة الطيور وتتبع أسرابها المهاجرة موسماً سياحياً في المناطق التي تحط فيها الطيور رحالها. وأصبحت الشركات السياحية تنظم برامج سياحية متكاملة لعشاق الطيور.
وهناك من عشاق الطيور من يفضل مراقبة الطيور البحرية أو مراقبة الطيور الجارحة بعد ترويضها وتدريبها، ولكل منهم وجهات سفر تلبي رغباتهم وهواياتهم. كما أصبحت تلك الوجهات السياحية تحيي الاحتفال الدولي باليوم العالمي للطيور المهاجرة والذي يوافق 10 مايو من كل عام. وتقوم المدن الجاذبة لهذا النشاط بتجهيز محمياتها والمقاصد المعروفة بأبراج المراقبة وبالخنادق المجهزة بالمزاغل التي تسمح بمراقبة الطيور وتصويرها دون إزعاج وبمراكز الزوار الشاملة من مطبوعات وخرائط وكتب تحتوي على كامل المعلومات الخاصة بطيور الموقع وكامل الخدمات الأساسية الداعمة لهذا النشاط من مطاعم ومنتجعات. وهنا نستعرض أهم الوجهات العالمية لمراقبة الطيور:
قلعة لاندسكرون بالنمسا
ليس لأنها تعود بك لأجواء القرون الوسطى الساحرة، أو لأنها تمنحك شعوراً بأنك أحد فرسان ذاك العصر، بل لأنك ستشاهد عروضاً حية للصقور والطيور الجارحة التي تم تدريبها باحترافية فتجوب وتحلق وتحط في نقاط محددة.
تعتبر منطقة قلعة لاندسكرون من أروع الوجهات للاستمتاع بعروض الطيور الجارحة، فهي تطل على بقعة ساحرة في إقليم (كارينثيا) بجنوب النمسا تحيطها الجبال ومنحدرات التلال وتطل على بحيرة وتتمتع بمناخٍ متوسطي، وهي واحدة من الوجهات السياحيّة ذات الشعبية الكبيرة لقضاء العطلات في فصل الصيف. تشتهرُ المنطقة بالمناسبات العديدة التي تجري حول البحيرة، وخصوصاً في فصل الصيف، بالإضافة لحياة الليل النابضة بالحياة. قلب المنطقة الذي يضمُّ في الحقيقة خمس بحيراتٍ هي بحيرة (ورثير سي) نفسها والتي يبلغُ طولها 17 كم ودرجة حرارة مياهها 27 درجة مئوية في فصل الصيف.
جزيرة قبرص
وجهة مفضلة للطيور المهاجرة، وهو ما يجعلها جنة لمحبي مراقبة الطيور، كما تتمتع هذه الجزيرة بأهمية خاصة على مستوى محميات كل من دول البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.
وتعتبر قبلة لعشاق مراقبة الطيور المهاجرة من أوروبا وآسيا وأفريقيا، كونها نقطة أساسية في مسار الطيور، يأوي إليها نحو 250 ميلون طائر خلال فصلي الخريف والربيع، ومن هذه الطيور الفلامنجو الوردي البراق بأعداده الضخمة والطيور البرية التي تتردد على البحيرات المالحة في لارنكا وأكروتيري (ليماسول)، كما تحلق الطيور الجارحة والنوارس والعنادل والغربان والقرقف والصقور المفترسة.. وغيرها عبر أنحاء الجزيرة لتتباهى بقدرتها على الطيران.
وتعد بحيرة فوروكليني الواقعة في لارنكا منطقة حماية خاصة تخضع لتوجيهات الاتحاد الأوروبي، وتم رصد نحو 190 نوعاً من الطيور، لذا تنفرد المدينة بمناظر نادرة عند البحيرة والتي لا تستمر سوى أيام قليلة في طريق هجرتها إلى أفريقيا. ويستمتع عشاق مراقبة الطيور عبر أنحاء الجزيرة بمشاهدة أكثر من 350 نوعاً من الطيور المستوطنة والأصلية بالإضافة إلى الأنواع المهاجرة، كما يستمتع الزائرون بتسجيل مشاهداتهم وتبادلها مع بعضهم البعض.
مصر
في مصر والعالم العربي تعتبر مراقبة الصقور والطيور الجارحة نوعاً من أنواع السياحة، لكن بهدف مراقبتها وصيدها إما لتربيتها أو الاستعانة بها في رحلات الصيد، أو لبيعها في دول الخليج العربي حيث يعتمد عليها الكثير من هواة الصيد في رحلات الصيد البري.
يوجد في مصر 28 بقعة يمكن أن تستمتع فيها بمشاهدة ومراقبة الطيور بجميع أنواعها وتتبع مساراتها، لكن سوف نستعرض أبرزها:
- العلمين:
تعتبر العلمين التي تقع في صحراء مصر الغربية نقطة متميزة في مسار الطيور المهاجرة من أوروبا، وهي وجهة مفضلة لعشاق تتبع مسار الطيور أو لعشاق الصيد. يقول المرشد السياحي منعم رؤوف الذي ينتمي لإحدى قبائل العلمين، والمشرف على المقابر الألمانية بالعلمين لـ(المجلة العربية): «يبدأ موسم الطيور المهاجرة شهر سبتمبر (أيلول) ويمتد حتى شهر ديسمبر (كانون الأول)، واعتدنا تنظيم رحلات تخييم وصيد خلال هذه الفترة حيث تعتبر هواية الصيد وصيد الصقور تحديداً هواية متوارثة عن الأجداد لدى القبائل البدوية والعربية، كذلك تربية الصقور خصوصاً لدى أبناء محافظة مرسى مطروح والتي تعتبر إرثاً ثقافياً متوارثاً».
ويكشف رؤوف أن «التخييم قد يستغرق مدة تصل إلى أكثر من شهر بهدف اصطياد أنواع معينة من الصقور، ويتم صيدها عبر طرق معينة». ويضيف: «أحياناً نعثر على طيور مربوط في أقدامها خواتم من الفضة مسجل عليها اسم أحد المتاحف الأوروبية وعليها رمز المتحف ورقم محدد للطير، ونتواصل معهم لإعادة الطيور التي ضلت طريق العودة».
ويشير إلى أن العاملين بهذه المتاحف في أوروبا يتواصلون معهم بغرض زيارة المناطق التي مرت بها الطيور، فيأتون إلى العلمين ويتتبعون مسار الطيور لأغراض البحث العلمي.
ويوضح: «جميع السائحين أو هواة مراقبة الطيور يكوّنون ما يشبه دائرة تعارف كبيرة، حيث يتبادلون المعلومات حول الطيور معاً، وتقوم نوادي الصيد المصرية بتنظيم رحلات تخييم لصيد الطيور نرشدهم خلالها». ويكشف أن «هذا النوع من السياحة كان رائجاً قبل خمس سنوات قبل تجريم صيد الجوارح قانونياً وتجريم بيع الصقور، حيث كانت تباع لدول الخليج بأرقام خيالية تتعدى المليون جنيه، وبخاصة الصقور النادرة».
الفيوم
تعتبر منطقة بحيرة قارون واحدة من أروع المناطق لمشاهدة الطيور المهاجرة، وتتبع مسار أكثر من 100 نوع من الطيور، منها الجارحة والمغردة وطيور الزينة القادمة من أوروبا، ويقام بالبحيرة احتفال عالمي باليوم العالمي للطيور المهاجرة الموافق 10 مايو من كل عام. بل كانت الفيوم قبلة للملك فاروق رحمه الله، حيث كانت تقام أيضاً بطولة سنوية هي بطولة العالم للصيد، ويأتي إليها الأمراء والنبلاء والملوك من أنحاء العالم. ويقول المرشد السياحي أحمد فلالي لـ(المجلة العربية): «يتم تنظيم رحلات للمصريين والأجانب لمراقبة الطيور، إلا أن السياح الأجانب يفضلون المكوث أكثر من يوم للاستمتاع بأسراب الطيور المهاجرة، وتعتبر سياحة غير مكلفة ورخيصة». ويشير إلى أنه «يمكن للسائح مشاهدة أكثر من 30 ألف طائر مهاجر، أشهرها: الصقور، مثل: صقر شاهين والصقر الحر، وكذلك: البط، والبط الغواص، والفرخة السلطاني، والغر، والحمراوي، والخضراوي، والبلاشون الرمادي والأبيض، والبكاشين، ونكات، والكيش، والشرشير، والشتوي، والبشاروش، والنورس، والقرقطي، والمطوق، وأبوالرؤوس، والقطقاط». ويوضح أن «غالبة السائحين في أول رحلة لا يكونون على دراية أو معرفة بأنواع الطيور إلا أنه مع تكرار الرحلات يصبحون ماهرين في التعرف عليها من خلال تدوين الملاحظات والأسماء والتقاط الصور».
جزيرة سعود بالشرقية
تشتهر جزيرة سعود بمحافظة الشرقية المصرية بصيد الصقور النادرة في العالم، وتعتبر محطة مهمة في مسارات الصقور من نوع (شاهين) و(الحر) الباهظة الثمن والتي يصل ثمنها إلى مليون جنيه. وتخضع الصقور لعمليات تدريب مكثفة لاستخدامها في الصيد.
الأردن
منطقة الجفر بالأردن ومحمية ضانا وعجلون والأزرق من أهم المناطق لمراقبة الطيور وصيدها، حيث تصل إليها آلاف الطيور المهاجرة من أوروبا بحثاً عن الجو الدافئ، ومنها طيور اللقلق الأبيض والصقور والنسور والعقاب الذهبي، إلى جانب طائر الهدهد وبعض أنواع الحمام المرقط، وطيور الحبرجل أو الشهرمان.
الكويت
على ساحل الصليبيخات، يقوم المئات بمراقبة الطيور المهاجرة خصوصاً في منطقة (جون الكويت) حيث تعبرها سنوياً آلاف من طيور الفلامنغو واللوهة والبلشون الرمادي وبلشون الصخور والبلشون الأبيض الكبير والنوارس بأنواعها وطائر الحنكور (زقزاق السرطان).
دبي
تعتبر دبي وجهة مفضلة أيضاً لعشاق الطيور، حيث يمكنك مراقبة نحو 400 نوع ساحر من الطيور وهي تهاجر عابرةً آسيا وأفريقيا. ومن أبرز المناطق التي تقع في مسارات الطيور محمية رأس الخور للحياة البرية، والتي تعتبر قبلة لعشاق مشاهدة الطيور الجارحة وبخاصة النسور، وطيور الدريجة عريضة المنقار وطيور مالك الحزين التي تمرّ من هنا في كل شتاء. يمكنك أيضاً زيارة نادي الإمارات للجولف ومشاهدة طيور الشنقب رفيعة الذيل، وطيور القطقاط أحمر اللغد وطيور صرد محمر الذنب بكل مهابتها.
أهم متطلبات سياحة مراقبة الطيور
يجب اقتناء نظارة شمسية جيدة، وأيضاً نظارة مكبرة لرؤية الطيور عن بعد، وكاميرا ذات عدسات ممتازة لتتمكن من التقاط صور للطيور النادرة. وإذا كانت وجهتك نقطة في الصحراء يجب أن تصطحب ملابس خفيفة وأخرى ثقيلة للمساء وقبعة للحماية من أشعة الشمس، وكميات وفيرة من المشروبات والمياه. ويفضل أن تصطحب معك خرائط للمنطقة التي ستقوم بالتخييم فيها، ويجب أن تتعرف على قواعد وقوانين حماية البيئة في المنطقة التي ستزورها حتى لا ترتكب ما يخالف تلك القوانين، خصوصاً المناطق التي تم منع صيد الطيور المهاجرة أو الجارحة فيها. ويفضل للرحلات البرية التنسيق مع مرشد سياحي معتمد للاستعانة به دليلاً بين الأودية والجبال.