على الرغم من هجمة العولمة وتعدد الموضات الدخيلة والانفتاح الكبير على خيوط الموضة الحديثة وما تنتجه دور الأزياء العالمية، إلا أن المواطن السعودي مازال متمسكاً بعاداته وتقاليده التراثية التي ورثها عن أسلافه والمستوحاة من التراث الشعبي الذي يحكي عراقة الماضي الموغل في القدم ويعبّر من خلالها عن ذاته ومورثاته وأنماط حياة آبائه وأجداده، وجعلها تعكس صورة جلية للقاصي والداني من خلال ظهورها في المناسبات الاجتماعية والثقافية، ولكل مناسبة عادة وتقليد، إلا أن كثيراً منها شكلت قاسماً مشتركاً في عدد من مناطق المملكة.
الأزياء الرجالية
في هذا السياق نود الوقوف على أحد اﻷزياء التراثية التقليدية، ومن أبرز الأزياء الاجتماعية الأصيلة والشخصية السعودية العريقة يتصف بالبساطة والتكيف مع البيئة المحيطة يميز شخصية الإنسان في منطقة الباحة بطبيعته المجتمعية التقليدية المسالمة وأحد أهم سمات الأناقة والبساطة في آن واحد وهو: (ارتداء الجنبية) أو ما يعرف في اللهجة الدارجة بـ(لبس الجنابي) كعلامة فارقة من علامات الرجولة والشجاعة حيث كان يحافظ على ارتدائها الرجال في مختلف المناسبات الاجتماعية والوطنية، مثل الأعياد، ومناسبات الأعراس، وحفلات الاستقبال، وغيرها من المناسبات، ويتباهون بجودة وأصالة ما يملكون من (جنابي) حتى عصرنا الحديث.
وهذه العادة ماتزال موروثاً شائعاً يتناقله الآباء عن الأجداد، وتحديداً في محافظة المخواة وأوديتها ومنها (وادي ممنا) حيث يتحدث أحد أبناؤه (سعيد معيض العُمري) وهو في العقد الرابع من العمر فضلاً عن كونه عاشقاً للتراث، ويعد أحد المتمسكين بتراث الآباء والأجداد الأصيل المستوحى من واقع بيئته المحلية، يقتني سعيد (جنبية من نوع النافعي) توارثتها عائلته منذ ما يقارب قرنين ونصف القرن.
سعيد العُمري يتحدث عنها بإيجاز فيقول:
تعد (الجنبية) من أقدم الأسلحة الصغيرة السهلة الحمل والاستخدام، استخدمها الإنسان عبر العصور القديمة، في الدفاع عن النفس في العصور الغابرة، وتلبية بعض من احتياجاته المعيشية، وكان الأهالي قديماً يحرصون على لبسها كونها تعتبر سلاح الرجل ولا تكاد تفارقه في عمله وفي زياراته ومجالسه وكافة مناسباته الاجتماعية، ولا يمكنه التفريط بها، ولا يمكن أن يُجزَ بها حتى في الديات والرهان، وأكد العُمري أنهُ لايزال يتمنطق بـ(جنبيته) في المناسبات السعيدة، وعندما يحل عليه الضيوف، مبيناً بالإضافة إلى كونها سلاحاً شخصياً فهي لازمة من لوازم الزينة التقليدية للرجل الجنوبي في العديد من المناطق الجنوبية يتمنطق بها في جميع المناسبات والأفراح، وذلك إظهاراً لرمز الأناقة التقليدية للزي الجنوبي الذكوري، وإحياءً لتقليد قديم ظلّ يمثل إحدى سمات الشخصية الجنوبية، كما هو أيضاً رمز من الرموز التراثية، وإلى جانب الجنبية، تبرز العمامة والعقال والغرزة فوق الرأس، حيث بها تتوسط الجزء الأمامي من الجسد ملفوفة بحزام أنيق فوق الثوب، موضحاً يتم سحبها من داخل غمدها عندما يراد أن يلوح بها.
ويورد علي بن طربوش المالكي أحد الباعة المتجولين في المنطقة الجنوبية المهتمين ببيع المقتنيات التراثية عن أنواع (الجنابي) وأجزائها، قائلاً:
من أشهرها النافعي والأشبيل والمرود، والجاوية، والمعيرة، وسميت بهذا الاسم (لأن سلتها لا يوجد بها أي نقوش)، وتابع: تعتمد جودة (الجنابي) على نوع النصلة المصنوعة من الفضة الخالصة وهي الشفرة أو السكين التي يتم تثبيتها على القرن (المقبض) المصنع من قرون بعض الحيوانات كوحيد القرن، والزراف، والجاموس، والغزال وإذا لم تتوافر يتم استبداله من أشجار (الضهيان والضروة، والعتمة)، حيثُ يتم حفر حفرة صغيرة في وسط القرن أو بديله من الأسفل ثم توضع النصلة في تلك الحفرة ويثبت الجزءان بمادة تسمى (اللك) وهي مادة لا تلين إلا عند إحمائها على النار، ويتم تزيينه من الخارج بالذهب والفضة والنحاس، وأغلاها ذات المقبض المصنع من قرن وحيد القرن يليه قرن الزراق حيثُ يصل سعر (الجنبية) إلى 50 ألف ريال وأكثر، والغمد هو موضع إدخال النصلة وهو عبارة عن لبَ خشبي يؤخذ من بعض الأشجار(كالأثاب، وبعض الاشجار الخفيفة)، ويتم إعداده على شكل منحنى، وتحفر بداخله ساقية تنساب خلالها السكين عند ادخالها الى الغمد، ويتم تغطيته بالجلد الطبيعي وبزخارف مختلفة من القماش والأسلاك الفضية ويتصل بسبتة خاصة معه، بالإضافة لنوع آخر يندر وجوده يسمي (المبروق) حيثُ يقول عنه الخبراء يتم استخراج المادة الفضية الذي تصنع منها السلة من أعالي الجبال الشاهقة من بعد اثار ضرب الصواعق الرعدية، ولهذا سمي (المبروق) نظراً لجودة المادة الفضية المستخرجة من تلك الأماكن مما اكسبته بريقاً لامعا ومتانةً، وكثيراً ما يشتهر في صناعتها أهل (اليمن) وما تم تداوله عبر الأساطير عن هذا النوع هو أنه يتم (حدها) أي بردها على الهواء عبر التلويح بها أثناء هبوب الريح، وأضاف المالكي كثيراً من الناس لديهم معلومة يتداولونها عن هذا النوع، بأنهُ يتم إيقاف الجنبية على أي جسم جامد ولا يمكنها أن تسقط، فهذه المعلومة مقصورة على نوع أخر يشتهر بصناعته أهل (جازان) فهذا يعتمد اعتمادا كلياً على عملية الوزن بحيث يوزن.
(من جنبيتك أعرفك!)
المصطلح أعلاه ليس من قبيل المبالغة بل هو حقيقة حيث بإمكان البعض تحديد هوية الشخص الذي يشاهده لأول مرة ودون سابق معرفة بينهما، هذه المعرفة يستمدها المشاهد من طبيعة وشكل مكونات الجنبية التي يلبسها الشخص المعني، فهناك فروق بسيطة لا يلحظها إلا الخبير بالجنابي وأغمادها، خصوصاً أن هذه الفروق لم تعد بارزة كما كانت في الماضي.
فوجود الجلد في عمد الجنبية يميز ابناء غامد وزهران أما النقوش في النصل فتميز بها أبناء شمران والعرضيات وأبناء الجنوب أما الغمد المصنوع من الفضة الخالصة فهو ما يميز أبناء بني مالك من جانب آخر في هذا السياق أبدى عدد من المهتمين... تفاؤلهم بعدم انقراض وغياب الموروثات الشعبية بقولهم: حكومتنا الرشيدة رعاها الله تولي اهتماما بالغاً بالموروثات التاريخية السعودية والمحافظة عليها، والشواهد على أرض الواقع جليه فعلى سبيل المثال لا الحصر خصصت مهرجان الجنادرية الذي يقام سنوياً، ومهرجان عكاظ، ناهيك عن المهرجانات الأخرى والتي ساهمت جميعها في ربط الأجيال بماضيهم الجميل وأصلت في نفوسهم إحياء الموروثات والحفاظ عليها التي تعتبر رموزاً من رموز الأصالة والعراقة والمواطنة، ونقل الصورة للأخر.
ويتفاءل المتابعون لساحة العرضة الجنوبية باستمرار هذا التقليد مستمدين هذا التفاؤل من مشاهداتهم للعرضة الشعبية وهم لا يخشون غياب هذا التقليد لأنه لم يعد منحصراً على كبار السن، بل أصبح يحرص عليه الشباب حيث تجد في مناسبات الزواج على وجه الخصوص الشباب (يتمنطقون بجنابيهم) ويزهون بما يفعلونه، وهذا ملمح جميل يعزز من استمرار حضوره في مشهدنا الحاضر.