مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الألعاب الشعبية في الأحساء قديماً

 
ظاهرة المرح أو اللعب بشكل عام عند الإنسان عامة سواء الطفل أو البالغ، ذكراً كان أو أنثى، تستحق الوقوف عندها وتدوينها ودراستها ومعرفة أثرها من الناحية التربوية والنفسية على الشخص نفسه والمجتمع الذي يعيش في وسطه.
ومحافظة الأحساء كواحة زراعية تقع في شرق الجزيرة العربية يمكن أن نرسم عن مجتمعها القديم صورة اجتماعية من خلال اللعب، أو الترويح عن النفس سواء للأطفال المعروفين بالنشاط والحركة طوال اليوم أو الكبار، ذكوراً وإناثاً، أثناء الراحة وبعد الفراغ من أداء واجباتهم وأعملهم اليومية أو عند اجتماع أفراد الأسرة الصغيرة مع بعضها للمرح والألفة وبث العطف والرحمة بينهم.
لأن الألعاب الشعبية تتميز بامتيازات عن غيرها من الألعاب الحديثة؛ إذ إن معظم تراثها له مساس متين بتقاليد ذلك المجتمع الذي يرتبط بروابط الأسرة الواحدة فيسهل التقاء الشباب مع بعضهم وكذلك الفتيات.
 وفي عصر التقدم التكنولوجي السريع، وهو عالم الاتصالات، أصبحت هذه الألعاب -القديمة الشعبية- نسياً منسياً أمام الألعاب الإلكترونية، ولم تجد العناية الكافية من ذوي الاهتمام بشؤون التراث بدراستها وتوثيقها، وبالتالي تأخذ مكانها الطبيعي ضمن تراث المنطقة المحفوظ.
 أما لمّ كل ذلك الاهتمام بالألعاب الشعبية... فهو أن الألعاب في الماضي تتميز بامتيازات تربوية جيدة ساهمت في الحفاظ على المجتمع متماسكاً، حيث كانت تعتمد في أصل اللعب على الشرف والأمانة وحسن النية، وقضاء وقت الفراغ بالترويح عن النفس، بالإضافة إلى أن هذه الألعاب لم تخترق عادات وتقاليد المجتمع بل حافظت عليها، فلا يختلط الأولاد في اللعب مع البنات، بل كل جنس ينصهر في بوتقة واحدة إطارها المحبة والصدق، وبكثرة الألعاب كسر الأطفال حاجز الملل لوجود البديل، وراعى كل جنس قدراته في نوع اللعبة التي سيلعبها كلٌ حسب عمره وقدراته وطاقته..
فالكبار أو الشباب مثلاً يلعبون الورقة التي تسمى لعبة (الزنجفة) وهي لعبة (أبو ستة) وقد اشتهرت وعرفت ومازال البعض يلعب الورقة وإن تطورت أساليبها وقوانينها، وعندهم أيضاً ألعاب تختص بالسباحة لوفرة الماء ولوجود العيون العذبة، وتحدي كسر البيض.
أمَّا الفتيات فلهن ألعاب خاصة يُراعى فيها تكوينهن الجسدي واحتياجاتهن مثل ألعاب الدمى، والقفز بالحب، وترديد الأناشيد والأهازيج بينهن، ومن ضمن ألعابهن لعبة تسمى (الحجل) وهي من الألعاب الجماعية التي تجذبهن، وفكرتها أن تخط خطوط على الأرض بطريقة معروفة ويتم توزيع اللعب بينهن ويبدأن اللعب برجل واحدة فقط ولذا عرفت بهذا الاسم.
وألعاب الأطفال أكثر بكثير من ألعاب الكبار فلهم في كل وقت لعبة، فألعاب الصيف تختلف عن ألعاب الشتاء، وأيام العيد تختلف ألعابه عن موسم زرع الأرز الأحسائي، ومن ألعابهم: طاق طاقية، عمل طائرات بالورق، عمل الفرارة أو المروحة، لعبة النباطة والنبالة، وهدوا سليسل، والتيل، ومنها لعبة الضميمة، وفيها: يجلس مجموعة من الأطفال على الأرض، ويتقدمهم شخص وهو واقف ولا يراهم (يدير ظهره لهم) والجالسون عندهم شيء يخبئونه عند أحدهم، ومن ثم يلتفت إليهم الشخص الواقف ويخمن من مخبأ عنده.. فإذا كان تخمينه صحيحاً يقف من خرجت عنده، وإلا تعاد اللعبة من جديد.
 بقي أن نقول إن للوالدين دوراً كبيراً وحضوراً بارزاً بين أفراد الأسرة وأطفالهم أثناء اللعب، فاللعب يكون في ساحة المنزل أو قريباً من نظرهم وأيضاً الأم تلاعب طفل المهد وتنشد له أناشيد تبث روح المرح على قلبه أو تقص القصص على أطفالها أثناء جمعتهم، فهي أم ومربية ومعلمة. أما مستلزمات اللعب فغالباً ما تكون بسيطة جداً، وتجلب من البيئة الأحسائية ذاتها، فالواحة زراعية بطبيعتها والأطفال استثمروا مواد الزراعة وعملوا ألعابهم منها، فبالليف المستخرج من النخلة عملت الدمية للفتيات، وركب الأطفال السعف كأنهم يركبون الخيل، والنبالة والزنبور (البلبل) عُمِلا من شجر الأثل، بل لا تجد شيئاً يشترى من أجل اللعب إلا نادراً.
 
ذو صلة