مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الورد البلدي المغربي تاريخ عريق وثقافة غنية

قليلون من يقدرون قيمة الورد، ويفهمون ما يرمز إليه كل نوع من أنواعه، وما يعنيه كل لون من ألوانه، لكن لا أحد يملّ من النظر إلى جمال الوردة الساحر أو شم عبقها الفواح. فالوردة تمتاز رائحتها بالعذوبة، وتوحي بالثّقة والكبرياء، وتزرع الأمل والسكينة، لما لها من دلالات ترمز للعاطفة والحب الصافي، ولما تحمله للنفس من نُبل المشاعر وعمق التأمل والانسجام. وهي تضج بالجمال، وتعبق بالعطر لتزهو وتختال به دون سائر الكائنات، فتجعل من نفسها سيدة الموقف العاطفي الإنساني الصادق، حين تتحول إلى رسالة حب أو كلمة شكر. ولذلك احتلت الورود بصورها المتعددة وألوانها المختلفة مكانة رفيعة في حياة الإنسان منذ بدء التاريخ، فقد عرفت زراعتها منذ القدم في الصين ومصر وبلاد العرب.
 غير أن البعض يعتقد أن اهتمام العرب بالورود، وشغفهم بها، ظل محدوداً حتى اختلط بهم الأوروبيون الذين حملوا إليهم تقاليد الاحتفاء بالورود ورمزيتها في التواصل والتعبير عن العواطف. والحق أن مثل هذا الرأي لا يخلو من تعسف ومجانبة الصواب؛ فالعرب عشقوا الورد منذ قديم العصور، فتغنى بجماله شعراؤهم، واعتنى بزراعته مُزارعوهم، وأبدع في تقطيره صنّاعهم، واهتدى إلى أسراره العلاجية أمهر أطبائهم. ويكفي أن ملك الورود الذي ساد على أقرانه، وسما بينهم بجمال ألوانه وعبق روائحه؛ حمل اسم مدينة عربية عريقة، لها السبق الحضاري والثقافي، فَوُسِم بالورد الدمشقي الذي بالرغم من انتشاره في مناطق كثيرة من العالم إلا أنه ما زال محتفظاً باسمه في العديد من اللغات العالمية. 
الوردة الدمشقية.. تاريخ وتقاليد
تعد هذه الوردة أنبل وأعظم زهرة أوجدها الله في الطبيعة، فهي الأكثر جمالاً بين قريناتها، وهي الرمز الأسطوري للحب، والصفاء، والكمال، منذ آلاف السنين. وهي الأقدم وفقاً لشهادة مختلف الحفريات التي تقدر حضورها على كوكب الأرض منذ الزمن الجيولوجي الثالث، أي قبل أكثر من أربعين مليون سنة.
 ومع أن أنواعاً كثيرة من النباتات تمارس سطوة على روح الإنسان، وتوقظ في دواخله عالماً مسكوناً بالعواطف والذكريات، فإن هذه النبتة العطرية حظيت بأهمية ثقافية ودينية فريدة منذ فجر التاريخ الإنساني، فلونها الأخاذ ورائحتها الزكية تدعو الإنسان للنفاذ إلى أعماق روحه، والسفر بها نحو الجنة التي غادرها، والتي لن يكتمل جمالها وبهاؤها إلا بعودته إليها، تلك الجنة التي تملؤها روائح الورد والمسك والقرنفل. 
 يسجل التاريخ أن ثقافة الورود سادت لدى شعوب الصين منذ خمسة آلاف سنة قبل عصرنا. وظلت زراعتها تتسع حتى وصلت حداً جعلت أحد أباطرة سلالة هان يصدر أمراً إمبراطوريا بتقييد زراعتها، لأنها انتشرت فوق الأراضي الخصبة بشكل هدّد الإنتاج الغذائي.
 وفي مصر استعملت الورود منذ آلاف السنين لتزيين قصور الفراعنة، وتحنيط جثثهم. واكتشف المصريون طريقة تقطيرها واستعمال مائها في تركيب العقاقير ومستحضرات التجميل. ويذكر المؤرخون أن كليوباترا كانت شديدة التعلق بهذه النبتة العطرية، وفي ليلة لقائها مع مارك أنطوان، غطت أرضية غرفتها بطبقة سميكة من بتلات الورود، ذات الروائح الشذية، كي تستحوذ على قلبه.
 أما في أوروبا، فتعد لوحة جدارية في قصر كنوسوس بجزيرة كريت يعود تاريخها إلى 2000 قبل الميلاد؛ أقدم دليل على آثار الوردة الدمشقية بهذه القارة. وكان من عادة الناس في روما أن يعلقوا أكاليل الزهور، حيث كانت الورود هي الأكثر شعبية في المناسبات والولائم. وكان من واجب المضيف أن يحيط الضيوف بأكاليل الورود والزهور، ويمطرهم بعشرات الكيلوغرامات من بتلات هذه الزهرة المقدسة. غير أن هذه النبتة اندثرت بعد ذلك، ولم تتم إعادة اكتشافها إلا خلال الحروب الصليبية، حيث أُخِذ الصليبي روبرت دي بري بجمالها الساحر وعطرها المسكر، فجلب، أثناء حملته عام 1254م، بعض العينات التي زرعت في مناطق مختلفة من القارة. وتعتبر اليوم الوردة الدمشقية في بلغاريا من أجود أنواع الورود في العالم بفضل إنتاجها لزيوت عالية الجودة. 
 يبدو إذن أنه أتى على الورد حين من الدهر لم يعد يحظى بالأهمية التي نالها في العصور القديمة، وبخاصة في المناطق التي عاشت نكوصاً حضارياً. وفي المقابل حظي الورد بعناية خاصة في المنطقة العربية بفضل التدفق الحضاري والازدهار الثقافي للمنطقة خلال العصور الوسطى. لقد اعتبر العرب الورد سلطان الزهور، ونصبوه ملكاً بلا منازع عليها. وتغنى شعراؤهم بجماله، واكتشف أطباؤهم أسراره العلاجية، ونقلوا زراعته إلى المناطق التي وصلوا إليها عن طريق الفتح أو التجارة. وكانت الحدائق الملكية من بغداد إلى قرطبة تتزين بألوان الورود وعبقها. ومن قلب العالم العربي انتقلت (الوردة الدمشقية) إلى أصقاع بعيدة من العالم، من ألاسكا وسيبريا، إلى أفريقيا الشمالية والهند. 
 الورد رمز مليء بالتاريخ والذاكرة في الثقافة العربية. وهو يحيل إلى معاني متنوعة ويسمح لعوالم مختلفة بالتواصل فيما بينها. فإضافة إلى تفاعلاته مع السلوك العاطفي للإنسان التي تتكشف مع اقترانه بالحب والشباب والصفاء والكمال، واعتباره مادة تجارية مربحة؛ نال الورد أهمية ثقافية ودينية حين اعتبر ماؤه العطرَ المفضل لغسل الكعبة وتعطيرها، إضافة إلى استعمالاته العلاجية في عدد غير يسير من الأمراض. ولهذا فاز بتقدير وإعجاب كل الفئات من فقهاء وشعراء وتجار وأطباء.
 ومع أن الإنسان استطاع، في الوقت الحاضر، إنتاج أصناف متعددة من الورود عن طريق التزاوج بين أنواع مختلفة، أو عن طريق التهجين، حيث يعتقد أن هناك أكثر من 250 صنفاً من الورود في جميع أنحاء العالم، (30 نوعاً منها فقط هي ورود عطرية، وثلاثة فقط يمكن تقطيرها)؛ فإن الورد الدمشقي لا زال يتربع على عرش مملكة الورود العالمية.
الورد في الثقافة المغربية
اشتهرت الوردة الدمشقية في المغرب باسم (الورد البلدي). وتحيل كلمة (البلدي) في الثقافة المغربية إلى معان متعددة، فهي تعني المنسوب للبلد بمعنى المحلي، كما تحمل معنى البرِّي، أي النبات الذي ينمو في البرية. ولا يعرف بالتحديد تعاطي المغاربة لزراعة هذه الورود العطرية، غير أن هذه النبتة الجميلة تشبه إلى حد كبير الورود العطرية التي يتم إنتاجها في دمشق والطائف وإسبارطة التركية، وهي التي تضاهي في جودتها ومنافعها الورود العطرية المنتسبة إلى مناطق جغرافية أخرى في أوروبا وآسيا. والمؤكد أن المغاربة عرفوا الورود في العصور القديمة، فقد استعمل الأمازيغ ماء الورد وبتلاته في الطقوس الدينية والسحرية، كما استعملوه بغرض التجميل وعلاج بعض الأوجاع. وما زالت كثير من التقاليد في الجبال الأمازيغية تحافظ على هذا الموروث.
 ويعتقد البعض أن زراعة الورود بالمغرب توسعت منذ القرن الرابع عشر الميلادي، عندما حملها التجار العرب الذين كانوا يتخذون منطقة جنوب المغرب محطة آمنة في طريق القوافل العابرة نحو (تمبوكتو) في قلب الصحراء، حيث يبادلون السلع الآسيوية والأوروبية بنظيرتها الإفريقية. وهناك خلفوا الورد الدمشقي المشهور في المنطقة (بالورد البلدي).
 ومنذئذ أصبحت منتجات الورد حاضرة في حياة المغاربة، من غرفة الضيوف إلى المطبخ، مروراً بالمعشبات والحمامات. وحظي ماء الورد بأهمية كبيرة في طقوس المغاربة مثل الأعياد والأفراح والولائم، فكانت المرشة المعبأة بماء الورد تتوسط (صينية) الشاي في كل المناسبات، حيث يتم رش الضيوف كعلامة على الترحيب بهم. وكانت الورود ضمن الأغراض الأساسية للعروس ليلة زفافها. أما الحلويات الفاخرة فلا تخلو من ماء الورد الذي يضفي عليها نكهة مذاقية خاصة. وفي السياق نفسه استعملت منتجات الورد من ماء وزيت أساسي وبتلات مجففة في صناعة خلطات التجميل عند النساء، أو وصفات علاجية لكثير من الأسقام.
 ولشدة تعلق المغاربة بالورد الأصيل (البلدي) خصصوا منطقة زراعية واسعة لإنتاج هذا النبات العطري الجميل. وتتركز هذه المنطقة في الجنوب المغربي على طول وادي دادس ومَكُّون، حيث تتوافر الظروف المثالية لنموه. ومنذ أكثر من ثلاث وخمسين سنة أصبحت مدينة قلعة مكونة، إحدى مدن المنطقة، تنظم مهرجاناً سنوياً للاحتفاء بالورد الملكي، وعرض منتجاته العطرية المتنوعة.
قلعة مكونة مدينة مغربية موشاة بالورود
 لقد اعتاد سكان منطقة قلعة مكونة في جبال الأطلس المغربية أن يستقبلوا موسم تفتح الورود في فصل الربيع، باحتفال يضج بالألوان الزاهية والروائح العطرة التي تفوح من ورود المنطقة. ويشكل الاحتفاء بالورد جزءاً من ثقافة سكان المنطقة والمغاربة عموماً، لذا فإن استعراض الثقافة المحلية للمنطقة وموروثاتها الفلكلورية، أهم ما يميز مهرجان الورود بالمدينة الذي يعد ثاني أقدم مهرجان في المغرب بعد مهرجان الكرز بمدينة صفرو. 
 وتقع مدينة (قلعة مكونة) الجبلية الصغيرة على بعد 90 كلم شرق مدينة ورزازات بالجنوب المغربي، على الطريق الرابطة بين مدينتي ورزازات وتينغير. وهي تسمية مركبة من كلمة (قلعة) العربية المعروفة، مضافة إليها كلمة (مكونة)، نسبة لوادي مكون أو جبل مكون القريب من المنطقة، وهي كلمة أمازيغية تعني (الجنين الراقد في بطن أمه). وتتميز المنطقة بمناظرها الخلابة وخضرتها الساحرة التي علقت منذ الأزل بضفتي وادي مكون. ويشد زوارَها منظرُ أشجارها المثمرة المتناثرة وسط الاستغلاليات الزراعية الصغيرة، والتي لا تكل عن العطاء المتجدد طيلة الفصول الأربعة المتعاقبة سنة بعد أخرى.
 ويعتقد أن نشأة قلعة مكونة، في هذه المنطقة المعروفة على الصعيد العالمي بالقصبات والقلاع المنتشرة على طول ضفتي نهر دادس؛ تعود إلى القرن الخامس عشر، عندما كانت تجارة القوافل الصحراوية لا زالت تشكل شريان الحياة لمناطق جنوب شرق البلاد، فكانت القلعة محطة لاستراحة القوافل في طريقها نحو الصحراء. واستوطنتها ساكنة أمازيغية في غالبيتها باستثناء بعض الأدارسة والعلويين الذين استوطنوا المنطقة، وهم جميعاً معروفون باللطافة وحسن الضيافة وإكرام كل الوافدين إليهم. 
 ومنذ ذلك العهد، اشتهرت (قلعة مكونة) بمنتوجها من الورود ذات الجودة العالية التي تستعمل في إنتاج مواد التجميل وماء الورد. وبفضل مُخطط المغرب الأخضر الذي أولى أهمية كبرى لسلسلة قطاع الورد، أضحت المنطقة، في الوقت الحاضر، تنتج سنوياً أربعة آلاف طن من الورد العطري الذي يلعب دوراً كبيراً في اقتصاد الواحتين دادس ومكون. وتنتج المنطقة وتُصدر منتجات وردية متنوعة مثل ماء الورد والصابون ومستحضرات تصفيف الشعر وترطيب البشرة والزيوت.
 بفضل الورد (البلدي) أصبحت قلعة مكونة أعطر بقعة في المغرب، تصلك نسمات الورد وعطره وأنت تمر بين البساتين الزّاهرة والورود المتفتحة بألوان زاهية تأخذك إلى عالم السحر والجمال. فعلى مشارف مدخل المدينة تتعطر الأجواء بعبق قادم من بعيد وقلائد الورد تزين أعناق الجميع، صغاراً وكباراً، سكاناً محليين وزواراً. وهناك تنتشي حواس الشم بمحض إرادتها، وتبدو المدينة كأنها تستنشق عبق الورود، فلا يستطيع الزائر أن يتجاهل هذا الأريج المشتهى، وهذا اللون الأجوري الذي تنعكس على صفائه ظلال سدرة المنتهى. فبعد أن تتملى عيون الزائر من سحر الطبيعة، حيث يتحول كل جزء من الأرض المحيطة بالمنازل مهما كان حجمه إلى مشتل للورود؛ لا يملك هذا الزائر إلا أن يقصد محلات بيع زجاجات ماء الورد أو المنتجات العطرية لتنظيف الشعر والحفاظ على نضارة الوجه.
 وبفضل قلعة مكونة أصبح المغرب منافساً كبيراً للدول المنتجة للورد الدمشقي كتركيا وبلغاريا. ولحسن حظ المنتوج المغربي أنه ما زال يحافظ على أصالته باعتماد الطرق التقليدية في الإنتاج، أي دون استخدام المبيدات أو المواد الكيماوية. 
 لكن مع فقدان المجتمع المعاصر لسحره وحساسيته وجانبه الروحي المرهف، وهيمنة المنتجات الصناعية والكيميائية؛ أصبح عطر الورد الذي يتم توليفه صناعياً مبتذلاً جداً. فالمنتجات المنزلية، ومزيلات الروائح، وحتى ورق المرحاض؛ أضحت تفوح بعطر الورد. وغدت المصانع تعمل على خفض وابتذال العطر الملكي للورود، وتسعى لتوجيه وعي المستهلكين نحو منتجاتها المزيفة. 
 ورغم ذلك ما زالت الثقافة المغربية الأصيلة وفيّة للورود العطرية، ومنجذبة وجدانياً إلى سحر رائحتها وجمال لونها، فلا تكاد تجد بيتاً مغربياً يخلو من قارورة ماء الورد البلدي أو بتلاته المجففة، ولا تكاد تعثر على امرأة مغربية لا تستعمله في أحد مستحضراتها للحفاظ على جمالها ونضارة وجهها. إنه إكسير الشباب.
pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv
ذو صلة