مذ قرأت (عشت لأروي) مذكرات غابرييل غارسيا ماركيز عند صدورها مترجمة للغة العربية قبل أربع سنوات، وأنا متشوق لقراءة شيء من رواياته العديدة، والتي لا تخلو مكتبتي المتواضعة من شيء منها، شجعني على ذلك مواقفه المشرفة من القضايا العربية وبالذات قضيتي فلسطين والعراق وانحيازه غير المحدود للمستضعفين والمهمشين في المجتمعات الدولية. وزاد من محبتي له انحيازه التام وتضامنه مع المقاومة في فلسطين واستنكاره الشديد لمنح رئيس وزراء إسرائيل السابق (شارون) جائزة نوبل، وقال إنه يستحق جائزة (نوبل في القتل) بعد حصار الجيش الإسرائيلي لمدينة جنين عام 2002م وقال: (سامحوني إذا قلت أيضاً إنني أخجل من ارتباط اسمي بجائزة نوبل).
ونجد ماركيز يقول في مذكراته (عشت لأروي) عن بداياته مع التعليم والكتابة.
وقبل ذلك انطلق يروي ذكرياته معيداً القارئ إلى طفولته وفترة مراهقته، فمما قاله: إنه كان يحب اللعب في الشارع كأي طفل آخر، ولكن جدته تلح عليه لتنظيف أسنانه، وكان يراها وهي تخرج طاقم أسنانها وتنظفه وتعيد تركيبه، فكان يتمنى لو كان له مثلها لتتولى تنظيف أسنانه دون أن يقطع لعبه في الشارع.
وقال: إنه تكلف مشقة كبيرة في تعلم القراءة.. وأخيراً عندما وصل إلى المدرسة النظامية (مونيتسوري) لم تعلمه المعلمة أسماء الحروف، وإنما منطوقها، وهكذا استطاع أن يقرأ أول كتاب وجده في خزانة معفرة في مستودع البيت، ويقول عنه: إنه كان مفككاً وغير مكتمل، ولكنه اجتذبني بشدة، حتى أن خطيب سارا أطلق لدى مروره إنذاراً رهيباً (يا للعنة، هذا الطفل سيصير كاتباً).
وقد مرت عدة سنوات قبل أن أعرف أن ذلك الكتاب هو (ألف ليلة وليلة)، وأكثر قصة أعجبتني فيه إحدى أقصر القصص التي قرأتها وأبسطها، وستبقى تبدو لي الأفضل طوال ما تبقى من حياتي، مع أنني غير متأكد الآن مما إذا كنت قد قرأتها هناك، ولم يستطع أحد أن يوضح لي ذلك، والقصة هي التالية: (صياد يعد جارته بأن يهدي إليها أول سمكة يصطادها إذا ما قدمت له قطعة رصاص، من أجل الشبكة، وعندما تشق المرأة السمكة لكي تقليها، تجد في داخلها ماسة بحجم حبة اللوز).
ويعود لـ(ألف ليلة وليلة) مرة أخرى عندما ذهب مع مجموعة من الشباب ليلتحقوا بمدرسة (مونيتسوري)، ليجري لهم اختبار القبول.. وعندما أجرى أحد المدرسين الفحص وسأله ما هي الكتب التي قرأتها: ذكر من بين ما قرأ (ألف ليلة وليلة) و(الكيخوتة) و(كنز الشباب). ولهذا فقد سجل في الصف الرابع الابتدائي، وقال: (وكان يسمح لي بأخذ الكتب من المكتبة المدرسية لأقرأها في البيت، وقد كان اثنان من تلك الكتب جزيرة الكنز والكونت ديمونت كريستو، هما المخدر السعيد في سنوات الأعاجيب تلك، كنت التهمها حرفاً حرفاً، متلهفاً لمعرفة ما الذي سيحدث في السطر التالي، ومتلهفاً في الوقت نفسه إلى عدم معرفة ذلك، حتى لا أكسر السحر، وفد تعلمت منهما مثلما تعلمت من ألف ليلة وليلة ما لن أسناه أبداً، بأنه يجب أن نقرأ فقط الكتب التي تجبرنا على أن نعيد قراءتها)، وقال إنه يتساءل أحياناً كيف تلد المرأة؟ ومن أين يأتي المولود؟
فقال: (كنا نعتقد أو يقال لنا كأطفال إن طائر اللقلق هو الذي يأتي بالأطفال من باريس) وقال إن عمره بلغ واحداً وعشرين عاماً ولم يكن يصدق أو يتوصل إلى أن يربط الولادة بالجنس.
وعندما أنهى –ماركيز- سنة الحقوق الثانية بدأ يكتب بتوقيع وبدون توقيع وأحياناً بأسماء مستعارة مثل (سيبتيموس) وقال: (إن الرقابة قد فرضت على الصحف عندما اختل النظام وصار في كل صحيفة رقيب يقبع وراء منضدة في قسم التحرير، كما لو أنه في بيته، منذ السادسة مساء، ويتمتع بالإرادة والسلطة في عدم السماح بنشر أي حرف يمكن له أن يمس الأمن العام).
كل هذا وماركيز كالمتشرد يحمل حقيبته وينام أحياناً في الجريدة وأحياناً في فندق متواضع (لانثي) وكل ما لديه صندل تاريخي وغياران من الملابس يغسلهما تحت الدش عند الاستحمام، وحقيبة جلد سرقها من صالة الشاي الفخمة في بوغوتا، عندما اجتاحها الشغب.
ويقول: (إنه عندما التحق بدار المعلمين العليا في بوغوتا بكولومبيا في عام 1942م وتغير المدير الجاف المنعزل والمعتزل للحياة الاجتماعية بالمعهد -أليخاندرو راموس- إلى المدير الجديد -كارلوس ماتيني- بدأت مرحلة جديدة وهزت المعهد رياح التغيير، وسمح للمذياع، وبدأت حلقات النقاش الأدبية، وتأسس المركز الأدبي وتضاعف النشاط الثقافي، وتم نشر صحيفة أدبية باسم -الجريدة الأدبية- وبدأ ينشر إسهاماته -شعراً ونثراً- باسم مستعار هو -خابيير غارتيس) وقال: (لم أكن أستخدمه في الواقع للتميز وإنما لأختبئ خلفه، لأن مشاركاتي الشعرية -سونيتات- كانت مجرد تمارين حرفية دون إلهام ودون تطلعات، ولا يمكن أن تعزى إليها أي قيمة شعرية. وبمجرد صدور العدد وهو بالحجم المتوسط -تابلويد- بثماني صفحات صودر العدد بدعوى أنه لم يمر على الرقابة. وعزل مدير المعهد المحبوب دون إعلان مسبق).
وقال: إن الكتاب الذي حدد مساراً جديداً في حياته هو (المسخ) لفرانز كافكا عند دخوله كلية الحقوق بداية عام 1947م.
وكما لدينا تُصغّر الأسماء للتلميح مثل محمد يدعى (محيميد) وعبدالله (عبيد) وعبدالكريم (كريّم)، وهكذا أصبح يدعى منذ صغره بـ(غابيتو) وهو تصغير لاسم غابرييل.
وعندما ذهب إلى رئيس القسم الأدبي في جريدة (الاسبيكتادور) ليسلمه القصة الثانية، وسمح له البواب بالصعود إلى الطابق الثاني لتسليم الرسالة إلى (ثلاميا) نفسه بجسده وروحه، فنجده يقول: (ولكن الفكرة بحد ذاتها، أصابتني بالشلل، فتركت المغلف على منضدة البواب، ومضيت هارباً)
وهكذا نشرت القصة في مقدمة العدد التالي. ونعود لماركيز وهو يصف شعوره عندما نشرت له القصة التالية (الاستسلام الثالث) وعنوانها على كامل عرض الجريدة.
فذهب يبحث عمن يقرضه خمسة سنتات لشراء العدد.. ذهب للمقاهي المجاورة فلم يجد أحداً من معارفه فذهب إلى صاحبة النزل والذي كان مديناً لها بخمسة سنتات مكررة ستمائة وعشرين مرة مقابل أجرة السرير والخدمة لشهرين، ولكنه عاد مكسوراً ليقابله شخص لا يعرفه ينزل من سيارة الأجرة، وكان يحمل الجريدة بيده فطلبها منه من باب الصدقة، فأهداها له.. فذهب مختبئاً بالنزل ليلتهمها دفعة واحدة. بدأ زملاؤه يثنون عليها رغم أن أغلبهم لم يتجاوز السطر الرابع منها، ولكنه كان خائفاً من (خورخي ألفارو أسبينوسا) لأن مبضعه النقدي هو الأشد رهبة.. وهكذا بعد أن قابله بعد أيام.. لم يبدأ بالحديث عن القصة بل قال له: (أظنك مدركاً للوضع الذي أدخلت نفسك فيه، أنت الآن في واجهة الكتّاب المعترف بهم، وعليك بذل جهد كبير لتكون جديراً بذلك. وبعد نقاش لم يطل قال له: هذه القصة صارت من الماضي، والمهم الآن هو القصة القادمة).
وشجعه على القراءة المعمقة والشاملة للكتّاب الإغريق، والتي لا تقتصر على هوميروس وحده.. كما حدثه عن قصة أندريد جيد (مزيفو النقود) وقال: (إنه لم يجد الجرأة ليقول لمحدثه إن تلك المحادثة، ربما هي التي حسمت مسار حياته).
وهكذا يكتب رئيس الملحق الأدبي باسمه المستعار (أوليسيس) في عموده المعتاد ويقول: (ضمن التخيل القصصي، يمكن حدوث كل شيء، إنما بمعرفة كيفية إظهار اللؤلؤة التي يمكن استخراجها منه، بصورة طبيعية، ببساطة، ودون تصنع، وهذا أمر لا يمكن أن يتوصل إليه كل الشبان الذين هم في العشرين من أعمارهم، وبدؤوا للتو علاقاتهم بالأدب.. وينهي عموده بقوله: مع غارسيا ماركيز يولد كاتب جديد وبارز).