تكمن روعة الفن في قدرته اللامتناهية على مد تجربتنا الحياتية بتجارب إنسانية أخرى ما كان لنا أن نلامسها ولا أن نتعرف عليها، إنها تسافر بنا وفينا نحو عالم خيالي مشترك، وما كان للسينما أن تتبوأ هذه المكانة الرفيعة، وتحقق هذا الإمتاع الإقناعي لولا مراهنتها على سحر الصورة وإيحاءاتها. غير أن تأشيرة هذا الترحال الوجودي ليست بالثمن اليسير، إنها مقرونة بمخاطر شتى قد تجعلنا فريسة سهلة بين أنياب التعبئة الأيديولوجية التي تكشر عنها بعض الثيمات السينمائية.
لقد وجدنا أنفسنا طوال عقود خلت أهدافاً لهجوم شرس، تشارك فيه وسائط إعلامية مختلفة تتراوح بين المكتوب والمرئي والمسموع، مشكلة حلقة وثيقة تحكم الحصار من حولنا باعتبارها قنوات ضخمة لتمرير المعلومة، وإذا كانت وسائل الاتصال هذه، قد تعددت وتطورت إلى حد كبير، فإن السينما تحظى بمكانة متميزة بينها، فهي تختزل مجموعة من الوسائل في الآن نفسه، حيث تجند الحوار (الكلام) والصورة والقصة والفن والعلم...، ما يجعلها تتفوق على باقي الوسائل الأخرى، فقد قطع التعبيربواسطة الصورة أشواطاً كبيرة من التقدم، حيث قفزت خطوات هائلة خالقة مسافة شكلية ومضمونية مع المنجز السابق، جعل السينما تعتلي هرم الفنون، و تسلب المتلقى إرادته وتشكل منافساً حقيقياً يفرض نفسه في بعض الحالات بديلاً للمسرح منازعاً إياه في أبوته للفنون، وإذا أردنا أن نضع مقارنة بسيطة بين عدد قراء الكتب وعشاق المسرح، وبين رواد السينما لوجدنا البون شاسعاً، فالسينما هي المنبع الوحيد الذي تستمد منه مجموعة كبيرة من الشباب ثقافتهم في سنوات حياتهم الطويلة، التي لا تنقطع بانقطاعهم عن الدراسة، فهي لا تضع شروطاً أو حواجز لولوج عوالمها، كما يفعل المسرح الذي يرتاده المثقف والمتعلم...، إنها تتحول في أحايين كثيرة إلى غزو على المستويين الثقافي والأخلاقي، ونحن هنا لا نعمم أحكامنا على كل وسائل الاتصال كما لا نجعل من السينما فقط وسيلة اتصال سلبية وهو ما سيتضح في أوانه.إن السينما بتعبير المخرج الإسباني كارلوس ساورا: « هي العالم الذي يتحول من خلاله المخرج إلى مستوى الآلهة، يخلق من يشاء ويقضي على من يشاء، يصنع السعادة، ويدمر الحياة، ويخلق الصراعات، بانتصاراتها وإحباطاتها»، وما يهمنا من هذا الكلام هو هذه السلطة التي يتمتع بها المخرج داخل عالمه (الفيلم)، التي تبدأ باختياره للموضوع و الشخصيات و القصة...أثناء صنعه أو إبداعه للفيلم، فإنها ستتحول إلى عصا سحرية بعد عملية الإنتاج هذه، من خلال الثأثير الذي سيمارسه الفيلم على المتلقي، واستجابته لمضمونه، وقد سرد «بريان بيتس b.bates» في كتابه «طريق الممثل 1986» بعض الحكايات التي تجعل السينما والسحر وجهان للعملة نفسها، حيث يعتبر ما يقوم به المخرج من إبداع ما هو إلا شكل من أشكال السحر. إن هذا التأثير قد يتراوح بين السلب والإيجاب حسب قدرة المتلقي على حل رموز الفيلم البادية والخفية، هذا إذا افترضنا أنه يقوم بالنقد أصلاً، لأن واقع الحال يؤكد عكس ذلك.
وكما هو معلوم فإن للمخرجين من وراء أفلامهم أهدافاً وطموحات، مداعبين «شبابيك التذاكر box office»، أو باحثين عن الشهرة والمجد والجوائز، وآخرون لهم أهداف ونوايا يستغلون الصورة من أجل تحقيقها، وهناك من يجمع بين بعض هذه الغايات أو أكثرها، دون أن ننسى فئة أخرى من المخرجين تنتج السينما من أجل الإنسان والفن، إن هذا الاختلاف في الأهداف ينتج عنه اختلاف في مواضيع الأفلام وطرائق صنعها وتوجيهها، فالباحث عن الجوائز سيوجه منتوجه بما يلائم أهواء لجان التحكيم، أما من يريد المداخيل فقط فأمامه طرق ووسائل لا تتوافر لغيره، فهو إما أن يبدع في موضوع لم يسبقه إليه أحد، وهو ماجعلنا أمام سيل كبير من الأفلام متعددة المواضيع، كأفلام «الحركة action» التي فرضت سيطرتها منذ التسعينيات من القرن الماضي ومازالت تداعب أهواء البعض، لتحل محلها أفلام الرعب التي تربعت على عرش شبابيك التذاكر الأمريكية، مؤثرة في نظيرتها العربية، وغير هذه الأصناف كثير، وهناك من المخرجين من يعيد إحياء فكرة قديمة بأسلوب عصري وتقنيات متطورة تبهر المشاهد وتجعله في حالة من التصديق لأحداث الفيلم، وهذا النموذج ينطبق على «جيمس كامرون James Cameron» الذي رفع شعار التقنية سبيل التفوق في فيلمه الأخير «أفاتر Avatar» كما في باقي أفلامه السابقة فهو دائماً ما يطرق أبواباً من الإبداع لا يصلها غيره، ولعل روائعه «TerminatorII - True LiesI - TitanicII» تشهد على نجاحاته غير المسبوقة، فهو دائما يكافأ بكرم لأنه عادة ما يستطيع أن يتخذ لنفسه مكاناً وسطاً بين مطالب الجماهير وشهية شبابيك التذاكر المفتوحة دائما، ففيلمه «أفاتر» الظاهرة التي أجمع الكل على اعتبارها فتحاً جديداً في عالم التصور السينمائي، قد تجاوز حاجز الملياري دولار متخطياً إنجازه السابق بفيلم «تيتانيك Titanic» الذي حقق أكثر من 750 مليون دولار، ولكي نبقى مرتبطين بتصنيفنا لنوايا المخرجين فإننا سنتحدث عن النوع الذي يشاطر جيمس كامرون الرغبة في تحقيق المداخيل الضخمة، ويخالفه في الطرق المؤدية إليها، هذا النوع الذي ينتج سينما بئيسة تحط من قيم الإنسان عن طريق إنتاج أفلام تدور مواضيعها حول المرأة و الجنس، وهذا النمط من السينما هو الباب الذي يطرقه مجموعة من المخرجين العرب الذين جعلوا من عام 2009م موسماً استثنائياً في إنتاجهم الذي تغيب عن أغلبه صفة السينما والفن، بدأ هذا الموسم بفيلم «بدون رقابة» إخراج هاني فوزي وانتهى بعرض فيلم «بالألوان الطبيعية» لشقيقه الأصغر أسامة فوزي (ومن شابه أخاه فما ظلم) وبينهما أكثر من ثلاثين فيلما، تناوبت على صنع سينما كانت في أغلبها مكرورة منسوخة، تقدم صورة منحطة للجسد، تنافست في حشد القبلات وعدد المشاهد المخلة فقط، واستجلاب طينة خاصة من الممثلين المستعدين
لآداء هذه الأدوار مقابل أجور ضخمة، أو جيل من الشباب الطامح، والغريب أن تجد هذه الأفلام من يدافع عنها بدءاً بالمشاركين في التمثيل، في ظل انهزام الرقابة أو (تواطئها). ولعل السبب في هذا التوجه هو الرغبة في دخول عالم السينما بقوة من خلال الضجة التي تحدثها هذه الأفلام مسببة مداخيل مغرية.
ويجمل بنا ونحن بصدد الحديث عن تأثير السينما العربية والغربية، وإساءاتها المتكررة، أن نذكر فيلما آخر كان له بريقه، إنه فيلم «نهاية العالم 2012م» للمخرج «رونالد إيمريتش Ronald Emmerich» وبطولة(جون كوزاك) و(أماندا بيت)، الذي يحكي قصة نهاية العالم، وكعادة أغلب أفلام هوليود تظهر الولايات المتحدة بصورة المنقذ عن طريق إنشاء علمائها سفن الإغاثة أو السفن التي ستحمل 400 ألف شخص وهو العدد الذي يتناسب مع طاقتها الاستيعابية، لذلك سيعمدون إلى انتقاء من سيطأ هذه السفن، ليكون رؤساء الدول والعلماء من كل بقاع العالم في الطليعة، أملاً في إعادة بناء العالم من جديد، ليضع مخرج الفيلم وبطريقة
غير مباشرة مقارنة خبيثة تنال من الشخصية العربية في صميمها حينما جعل السبب في وجود العرب على ظهر السفينة هو المال فقط، لانهم سيحتاجونه في عملية إعادة البناء، أما الطعنة الثانية فكانت محاولة إظهار شخصية (الأمير الثري) في قمة الأنانية عندما يتخلى عن عائلته وينجو بنفسه، في مقابل ذلك تظهر إحدى الشخصيات على استعداد للتضحية من أجل إنقاذ كلبها..!!
فكثيرة ومتشعبة هي طرق رصد تأثيرات السينما وتوجيهها للمتلقين، ولعل صرخة رئيس اتحاد المنتجين السينمائيين «اريك جونسون» 1950م عن مهمة السينما ما يوضح بعضا منها، حيث قال: «إن أملنا الدائم، هو أن تتضافر أفلامنا لتنقل إلى أعين الآخرين، صورة تجعل من أمريكا مجتمعاً خيالياً متألقاً»، لا مراء إذن في التأثير العميق للسينما على المجتمع، إنها تتسرب إلى ما تحت الجلد وفي اللاوعي، إننا نعيش معها وتعيش معنا.
لكن معالجتنا لهذا الموضوع لن تنتهي قطعاً، بمحاكمة صانع الفيلم ومنتجيه، مهما كانت دوافعه ونواياه المكشوفة والمتخفية، بل يجب علينا أن نؤاخذ وبنقد شديد اللهجة الطرف الثاني في عملية التواصل هذه، يتعلق الأمر هنا بالمتلقي، الذي لم يعد شغوفاً بالسينما كفن راقٍ، السينما التي تجعل منه قيمة عليا. ولعل هذه الأمية السينمائية التي يعيشها العالم العربي سبب وجيه يحكم إنتاج السينمائيين، لقد أصبحنا اليوم أمام متلق سلبي لا يملك فهماً عميقاً يساعده على فهم و تمييز أغراض صناع السينما المباشرة وغير المباشرة، وربطها بظروفها السياقية والإنتاجية، وهو ما يجعل هذه الفئة العريضة (المكونة أساساً من الشباب المنبهر بالصورة والجسد وزيفهما في كثير من الأحيان) تحت رحمة صانع الفيلم وفي مرمى سلاحه، هذا المتلقي لا يعي أنه عندما يشاهد فيلماً فهو يشاهد الصورة في طورها النهائي على الشاشة، لكنه لا يعرف طبيعة التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والفنية التي حكمت إنتاجها.
إن بعض الحملات التي نطالعها على «الفايسبوك» ضد بعض الأفلام العربية خصوصاً، ليست كافية، بل يجب سلوك طرائق أخرى، أنجعها تتمثل في مشاهدة مايستحق المشاهدة من هذه الأفلام، ثم ممارسة حوار معها، لتتوج العملية في الأخير بالنقد الذي يعطي للمتلقي هذه الصفة، ويهبه القدرة على البحث عن منافذ سينمائية تسهم في تنمية ذوقه الإستيتيكي، الشأن الذي سيعمق مفهوم السينما بما هي وعي جمالي وفني يمتاز بمعالجة قضايا إنسانية منفتحة على الإمكان المستقبلي للإنسان وقضاياه.