مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

المسرح الهندي: تنوع وثراء

يعتبر المسرح السنسكريتي أول شكل من أشكال المسرح الهندي القديم, وقد ظهر بعد تطور المسرح الإغريقي والروماني، ولكن قبل تطور المسرح ببقية البلدان الآسيوية, وذلك بين القرنين الثاني والأول قبل الميلاد, ثم شهد تطوراً بين القرنين الأول والعاشر بعد الميلاد. وهي فترة تميزت باستتباب السلم والأمن في تاريخ الهند, وأنتجت خلالها مئات المسرحيات. وفي مرحلة لاحقة تطورت المسارح القروية والجهوية في أرجاء شبه القارة الهندية وبلغات ولهجات محلية متعددة بين القرنين 15 و19. وفي العصر الحديث تطور المسرح الهندي خلال حقبة الاستعمار تحت حكم الإمبراطورية البريطانية من منتصف القرن التاسع عشرة وحتى القرن العشرين حيث شهد نشاط المسرح تطوراً كمياً ونوعياً وبالخصوص بعد استقلال الهند سنة 1947 وانتشرت المسارح على كامل التراب الهندي كأحد أهم الفضاءات الترفيهية المتاحة. 
وبالنظر إلى التنوع الثقافي والعرقي والديني الكبير في الهند فإنه لا يمكن اختزال المسرح في شكل موحد أو متجانس بشبه القارة الهندية رغم أنه يعاني في الوقت الحالي من منافسة البرامج التلفزيونية المتنامية وانتشار الأفلام التي تنتجها شركة صناعة الأفلام الهندية في بومباي (التي تعرف بسينما بوليود), إضافة إلى مسألة غياب التمويل والدعم. وتحت الاحتلال البريطاني تطور المسرح الهندي الحديث بعد تأسيس أول مسرح بمدينة بلغاشيا. ويعتبر روبندرنات طاغور، الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1913، أفضل كاتب مسرحي هندي معاصر. وقد كتب مسرحيات باللغة البنغالية, من بينها (الممتاز) (1892) و(ملك الغرفة المظلمة) (1910) و(مكتب البريد) (1913) و(شجرة الدفلى) (1924). 
ويعتبر مسرح الارتجال من التقاليد التي يلجأ فيها الممثلون إلى الارتجال وبشكل عفوي وفوري. ويستمد الممثل أفكاره في الغالب من اقتراحات الجمهور لتوجيه العرض عبر خلق الحوار والإطار وحبكة الرواية بشكل عفوي. كما تدرس تقنيات الارتجال في الغالب في فصول تمثيل نموذجية. وفي الهند يستعمل مسرح الارتجال على نطاق واسع لأغراض تربوية وترفيهية. وتعود بدايات مسرح الارتجال إلى سنوات التسعينات مع تأسيس مسرح (الفوروم) (أو الميدان العام) مع جانا سنسكريتي. وفي سنة 1999 أسس فريق من الولايات المتحدة بمعية ثلة من الممثلين من الهند أمثال باف هوستن وماري غود مسرح (البلاي باك). وتدريجياً تحددت ملامح مسرح (البلاي باك) و(الفوروم) في أقاصي الهند مثل مدينة كارور وتشيناي وغرب البنغال وبنغالور. وطورت مجموعة (Yours Truly Theater) ببنغاور شكلاً محلياً لمسرح الارتجال تحت عنوان (أكمل الحكاية)، والذي ازدهر بدوره مع ممثلين بارزين أمثال دافيد راجي ونانديني راوو سنة 2006. وطورت المجموعة في سنة 2009 شكلاً مسرحياً آخر لمسرح الارتجال سمي (بمسرح المشاعر). وبنهاية الثلاثينات أسس المخرج والمسرحي الشهير الهندي بدال سركار شكلاً جديداً من المسرح السياسي أطلق عليه (المسرح الثالث). 
وكان (التمثيل المزدوج) أو(Kutiyattam)، الذي ازدهر في العصر القديم، الأثر الوحيد المتبقي من المسرح السنسكريتي. ويعتقد أنه يعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، وتصنفه اليونسكو حالياً من التراث الثقافي اللامادي للإنسانية. وتدريجياً تنوعت أشكال المسرح الشعبي بالهند على غرار المسرح الشعبي براجستان أو (Bhavai) الذي يعتمد على ممثلين متجولين وهو يعود إلى القرن 14 قبل الميلاد. في حين اشتهر مسرح جاترا بالبنغال ويعود تأسيسه إلى (حركة الإخلاص) (Bhakti) في القرن 16. أما (اليكشغانا) فهو من المسارح الشعبية واسعة الانتشار بكارناتاكا جنوب غرب الهند، وقد ازدهر تحت مسميات عديدة منذ القرن 16 على الأقل. وهو شكل مسرحي شبه كلاسيكي يقوم على الموسيقى والأغاني الشعبية وموسيقى الكارناتيك والأزياء الخاصة وسرد القصص والحوارات. 
وفي جانب آخر نشأت الدراما الأردية من رحم التقاليد المسرحية المنتشرة بشمال الهند في شكل رقصات شعبية تميز في أدائها الممثل نواب وجيد علي شاه العوض. وساهمت تجربته المسرحية في ظهور العمل المسرحي (إندر سبها)، وهي مسرحية وأوبرا أردية شهيرة. وتدريجياً تحولت هذه التقاليد المسرحية إلى شكل فني جديد تحت عنوان (Parsi Theater)، وقد بلغ أوجه مع الشاعر والمسرحي الأردي آغا حشر كاشميري. وساهمت التجربة المسرحية الأردية الثرية في تطوير المسرح الهندي الحديث إلى حد كبير. وحافظت المسارح باللغات الأردية والغوجاراتية والمهاراتية والبنغالية على ازدهارها بفضل مسرح الهواة. وتطورت الدراما الأردية بفضل جهود مؤسسة صناعة الأفلام ببومباي (أو صناعة الفيلم الهندي). 
ومع التطور التكنولوجي تحولت باكورة الأعمال المتميزة للمسرح الأردي (إنتاج شركة بارسي) إلى أفلام تلفزيونية وسينمائية. وعلى امتداد 100 سنة مثلت التقاليد المسرحية الأردية متعة للمتفرج وهي لا تزال كذلك إلى اليوم. ويتكون العمل الدرامي من عناصر متعددة, إذ تركز على الحياة بمناحيها المختلفة طالما كان العمل الدرامي على خشبة المسرح يحاكي واقع الحياة اليومية، إذ توجد في الغالب علاقة وطيدة بين المسرح والحياة. وقد أثرت شخصيات عظيمة في التاريخ العالمي، على غرار شكسبير، التقاليد المسرحية الأردية إلى حد كبير, فاقتبست العديد من القصص والحكايات الشعبية الهندية والإيرانية والتركية للمسرح إضافة إلى الشعر الأردي. وأما في العصر الحديث فقد ساهم عدد كبير من الكتاب أمثال إمتياز علي تاج وكريشان شندار وغلام رباني والأستاذ مجيب وغيرهم في نحت وتهذيب التراث الهندي. 
وعرفت الهند كذلك بتميزها في مسرح الدمى. وتعتبر تجربة Yakshagana (هو شكل مسرحي شعبي وشبه كلاسيكي يجمع بين والرقص والموسيقى والحوار والملابس والماكياج وتقنيات مسرحية متميزة) ومقره مدينة كارناتكا الساحلية. وتعتمد الدمى التي تعرض في بعض الأماكن من كارناتاكا جميع العناصر المكونة لتصوير ملحمة المهابهارتا، وهي أطول قصيدة ملحمية في العالم باحتوائها على أربعة وسبعين ألف سطر شعري وقطع نثرية طويلة بمجموع مليون وثمان مئة ألف كلمة، والرامايانا هي ملحمة شعرية هندية قديمة باللغة السنسكريتية في ألف صفحة وتنسب إلى الشاعر قالميكي. وتعتبر من التراث الهندي وهي تكاد تكون نصاً مقدساً.
ذو صلة