لأول مرة في المكتبة العربية ترجمة محاكمات نورنبيرغ للغة العربية.
كانت محاكمات نورنبيرغ (1945 - 1946م)، التي عُقدت في مدينة نورنبيرغ (Nürnberg) بألمانيا، سلسلة من المحاكمات التي شملت كبار النازيين الباقين على قيد الحياة لمحاسبتهم على شن الحرب، وارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م). أُجريت محاكمات نورنبيرغ الأولى في المدّة من (نوفمبر 1945م إلى أكتوبر 1946م)، ثم أجريت المرحلة الثانية، التي شملت عدداً أكبر بكثير من المتهمين، في المدّة من (نوفمبر 1946م إلى أبريل 1949م).
محاكمات نورنبيرغ محاكمات جنائية دولية أقيمت من قبل فرنسا والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ضد قادة ألمانيا النازية المهزومة بتهمة التخطيط وتنفيذ غزوات لعدة دول في أوروبا وارتكاب الفظائع ضد مواطنيهم في الحرب العالمية الثانية.
بين عامي 1939 و1945، غزت ألمانيا النازية العديد من الدول في أوروبا، وأسفرت عن مقتل 27 مليون شخص في الاتحاد السوفيتي وحده. تراوحت المقترحات لمعاقبة القادة النازيين المهزومين بين محاكمة صورية (الاتحاد السوفيتي) إلى إعدامات موجزة (المملكة المتحدة). في منتصف عام 1945، اتفقت فرنسا والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة على عقد محكمة مشتركة في نورنمبرغ، ألمانيا المحتلة، مع ميثاق نورنمبرغ كأداة قانونية لها. بين 20 نوفمبر 1945 و1 أكتوبر 1946، حاكمت المحكمة العسكرية الدولية (IMT) 22 من أهم قادة ألمانيا النازية الباقين في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بالإضافة إلى ست منظمات ألمانية. لم يكن هدف المحاكمة فقط محاكمة المتهمين، بل أيضاً جمع أدلة لا يمكن دحضها على جرائم الحرب النازية، وتقديم درس تاريخي للألمان المهزومين، وتشويه شرعية النخبة الألمانية التقليدية.
لماذا تهمنا هذه المحاكمات نحن العرب؟
الأول: هو أن هذه المحاكمات كانت البادرة الأولى من نوعها في العلاقات الدولية، فقد أقدم المنتصرون على إحالة زعماء الدولة المندحرة إلى محاكمات حرصوا كثيراً على جعلها أصولية، ليكونوا بالجانب المحق، ولكنهم أخفقوا في ذلك إخفاقاً ذريعاً؛ لأنهم وضعوا قوانين المحاكمات بعد القبض على المتهمين، ولأن المحاكمات كان المتهمون فيها ومحاموهم من الألمان، أما هيئة الادعاء العام وهيئة المحكمة فلم يشارك بهما أي ألماني.
والأمر الثاني: الذي يهمنا من الاطلاع على سير هذه المحاكمات التاريخية هو كونها فرصة ذهبية للصهيونية العالمية التي أفزعت العالم المتحضر بالظلم الذي تعرض له اليهود في أوروبا التي احتلها الألمان، وبالغ الصهاينة في أرقام الضحايا، وبالغوا في تصوير الوقائع، واساؤوا للمتهمين إساءة منظمة، واستغلوا وسائل الإعلام الدولية الواقعة تحت تأثيرهم، فصوروا (معاناة اليهود) واضطهادهم لفترة طويلة استمرت حتى يومنا هذا، تطبيقاً لخطة خبيثة لغسل أدمغة أبناء البشرية وتحقيق المكاسب المادية والمعنوية، فغنموا التعويضات الوفيرة من ألمانيا الاتحادية، وصاروا يشهرون سلاح (مناوأة السامية) بوجه السياسيين في شتى أقطار العالم لكي يخضعوهم للابتزاز. لكن المؤسف هو أن الصهاينة الذين تظلموا طويلاً بزعم تعرض اليهود لكل أنواع المظالم؛ لم يتورعوا عن ممارسة ما هو أشد منها وأقسى في تعاملهم مع أبناء الشعب العربي في فلسطين وفي المناطق المحتلة، ويكفيهم عاراً وشناراً أنهم قتلة أطفال الحجارة، ولذا فستحل عليهم اللعنة أبد الدهر.
المحكمة العسكرية الدولية وميثاقها (شكّلا البداية الحقيقية للقانون الجنائي الدولي). وقد لاقت المحاكمة استقبالاً متبايناً، تراوح بين التمجيد والإدانة. كان رد الفعل في البداية سلبياً في الغالب، لكنه أصبح أكثر إيجابية مع مرور الوقت.
ترجمة الفريق الركن فاروق الحريري خريج كلية الأركان الألمانية بدرجة الشرف.
الناشر: دار آمنة للنشر والتوزيع، عمان، 2026.