مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

ماهية البطل في الرواية العربية

كنت أعتقد دوماً أن الرواية الجميلة هي التي تعتمد على عدة أبطال مختلفي الثقافة والفكر والشخصية.. كل واحد منهم يذهب بنا إلى واديه وأشجاره ونهره وسمائه؛ فنستمتع بدنياه حتى لا تبقى لذة لم نرتكبها معه.. ثم نعود ونقيم نفس الطقوس مع الآخر، وهكذا.. حتى نرتوي من المتعة، ونشعر بأن الرواية أعادت لنا ضبط ساعة الفرح البيولوجية داخلنا، وارتقت بنا فكرياً إلى عنان السماء.
ما زلت مؤمناً بأن تعدد الأبطال، سواء الأشخاص أو الأماكن أو الأحداث يضيف لنا أبعاداً عديدة في سلوكياتنا وفكرنا ومتعتنا.
ورغم أن التاريخ القديم للرواية سواء العربية أو غيرها، كان يعتمد دوماً على البطل الوحيد، وهو غالباً ما يكون أرستقراطياً وثرياً وشجاعاً، أو يملك شيئاً لا يملكه الآخرون! ونجد أن الأضواء مسلطة باستمرار على البطل طيلة أحداث الرواية، وهذا يبدو جلياً في الروايات التاريخية مثل: أبو زيد الهلالي، وعنترة بن شداد، وفي جميع السير القديمة. كانت الرواية التاريخية هي البيئة المناسبة والملائمة للبطل الفرد، وتدريجياً أصبح يتم خلق مسرح على أرض الرواية خصيصاً لكي يمارس عليه البطل بطولاته، وامتد ذلك للروائيين المتأخرين، حيث ظهر ذلك جلياً في العديد من روايات هذا العصر والتي تبرز جوانب القوة لدى البطل بشكل خارق لتتضح الفوارق الشاسعة بينه وبين الآخرين! بل إنها أحياناً تلجأ إلى تقزيم الشخصيات الأخرى ليظهر البطل عملاقاً بينها.
كان الرواة القدماء وتبعهم بذلك الرواة المتأخرون يظهرون البطل وكأنه الوحيد القادر على حل مشكلات الآخرين، والوحيد الذي لا يخيب الآمال المعلقة به سواء آمال شخصيات الرواية أو قراء الرواية.
كان الرواة والقاصون العرب المعاصرون -غالباً– أحد فريقين، إما مقلدون لأنصار البطل الواحد، أو معتمدون على المثيرات والممنوعات من سياسة أو جنس أو دين فيتكئون عليها للحصول على إعجاب القراء.
هذان النوعان من الرواية حين تتلقفهما أيادي القراء، يظن الروائي والقاص بأنه لامس شغاف قلوب قرائه وبأنه أبدع غاية الإبداع وأمتعهم غاية المتعة وبأنه قدم لهم فكراً راقياً وجديداً.
وفي الحقيقة فإن المتعة لا تغيب عن الروايات العربية القديمة خصوصاً عند الروائيين المصريين (السباعي ونجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس وتوفيق الحكيم) وأيضاً عند حنا مينه من سوريا والطيب صالح من السودان، ولدى بعض الروائيين في دول المغرب العربي والخليج.
كان السواد الأعظم للروايات آنذاك فارغاً من القيم الأخلاقية ومن القيمة الفنية؛ حتى لكبار الرواة.. يستثنى من ذلك من استطاع أن يخرج من القالب السائد حينئذ، فلم يجعل البطل وحيداً في روايته، ومن أبرز هؤلاء نجيب محفوظ؛ فمثلاً في روايته (ميرامار) كان النزل أو (الفندق) أو (البنسيون) أحد الأبطال في العمل. وكذلك في ثلاثيته فإن أحد أبطال العمل هو العادات الشرقية والمجتمع الذكوري. وأيضاً نجد ذلك في رواية أحلام مستغانمي (ذاكرة الجسد) فلم يكن البطل فقط المناضل (خالد طوبال) وحبيبته (حياة)، بل كانت مدينة قسنطينة بطلاً آخر في الرواية والثورة الجزائرية بطلاً آخر في الرواية. ومصطفى سعيد بطل رواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) لم يكن البطل الوحيد في الرواية فقد كانت الحقبة الزمنية التي تمر بها السودان أحد الأبطال في الرواية. و(إبراهيم العابر) في ثلاثية السعودي تركي الحمد لم يكن بطلاً وحيداً في الرواية فقد كان الصراع الفكري والمتغيرات الاجتماعية هي البطل الأساسي في الرواية.
ومما ساعد الروائيين على التخلص من سطوة البطل الأوحد، مرور الرواية العربية بمرحلة كان البطل فيها على غير المألوف غنياً قوياً أرستقراطياً ذو نفوذ، بل كان فقيراً، ضعيفاً، مطحوناً فسهل عليهم إضافة أبطال آخرين مساندين، وبلا شك حين تخلصوا وتجردوا من وهم البطولة الزائفة المتفردة لبطل وحيد استطاعوا أن يبرزوا جوانب البطولة والجمال والانهزامية والقبح والشجاعة والجبن في كل شخصيات الرواية.
وقد ساهمت الفنون من سينما ومسرح وتلفزيون في إعادة البطل الأوحد للرواية العربية، فظهر لدينا ما يسمى بفتى الشاشة و(دون جوان) السينما.
لم يع الروائيون بأن البطل قد يكون فكرة، وقد يكون مجتمعاً، وقد تكون المرحلة التي جرت بها أحداث الرواية، وربما يكون حدثاً معيناً أو مكاناً معيناً أهم من شخوص الرواية، وقد يجمح الخيال بالروائي المبدع فيجعل أحد الأبطال إحساساً معيناً أو شعوراً متدفقاً! وهناك من حلق خارج السرب فجعل الأشجار والحيوانات يتقلدون أحد أدوار البطولة. وأورد هنا مقطعاً من رواية (مدن الملح) لعبدالرحمن منيف.
«التراكتورات تهجم مثل ذئاب جائعة على الأشجار، وتبدأ بتمزيقها وبرميها أرضاً الواحدة بعد الأخرى؛ وإذا انتهت من مجموعة الأشجار هذه هجمت بنفس الضراوة والوحشية على مجموعة أخرى، وأخذت تقتلعها. كانت الأشجار وهي تميل وتترنح قبل أن تسقط؛ تصرخ، تستغيث، تولول، تجن، تنادي نداءً أخيراً موجعاً. وإذا اقتربت من الأرض هوت بتضرع وكأنها تحتج أو تريد أن تلتحم بالتراب من جديد في محاولة لأن تنبثق من جديد، لأن تنفجر مرة أخرى».
بالفعل شيء مبهر ورائع أن يستطيع روائي ما أن يجعل الشجر ينوب عن المجتمع والأشخاص في التعبير عن الحالة التي يريدها.
نريد أن نتلقى الفكر والثقافة والمتعة من عدة أبطال، حتى لو كان من شجر! لا نريد أن نقلد تجارب الآخرين؛ دون أن نفهمها ونعيها وعياً تاماً.
فمن كان من الروائيين على سبيل المثال مقلداً ومعجباً بـ(ماركيز) أو( باولو كويليو) ويبدأ بكتابة رواياته على نهج البطل الأوحد ظناً منه أنهما يعتمدان على البطل الوحيد في رواياتهما، فإنه بلا شك أغفل البطل الأهم في روايات (ماركيز) وهو الأحداث المتسارعة. كما أنه أغفل الحكمة والفلسفة التي تضج بها روايات (باولو كويليو) سواء (حاج كوستيلا) أو(على نهر بيدرا هناك جلست فبكيت) أو روايته الأشهر(الخيميائي) أو(الزهير) وهي الرواية المليئة بالحكمة والفلسفة؛ هي الرواية التي تجعلك حين تريد رؤية الأشياء بوضوح فلا تراها وسط المعمعة بل يصر الكاتب على أن يأخذنا معه عالياً ويظل يرتقي بنا وبأرواحنا حتى نرى الأشياء من علو بوضوح.
باختصار نحن نريد للرواية العربية عدة أبطال وإن تفاوتت بطولاتهم. لا نريد من الروائي أن يكون هو البطل فتظهر الرواية سامجة ومصنوعة.
نريد رواية تضج بالحياة، رواية تشبهنا، رواية تدفعنا نحو الواقع، رواية تغمسنا في الأحلام والأمنيات. نريد رواية نعيد قراءتها أكثر من مرة.
pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv
ذو صلة

   عالية العنزي
   um.salam.1@hotmail.com
   سعودية -الرياض
   الخميس 07/04/2011
كلام جميل وطرح رائع جدا فعلا لكن النسبه للاشخاص الغير متخصصين يتوقع ابعد قراءة الرواية ان يخرج بفائدة جديدة معلومات جديدة عن المدن اوالاماكن والمواقع اوتاريخها وعادات الشعوب وليس فقط التسلية والمتعة التي لايبقى منها في الذاكرة شيئا بعد ايام قليلة
pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv