(الزار) هذا الطقس الشعبي الذي تقلص من المجتمعات بشكل كبير ولم يبق منه غير بقايا ورواسب، مازال ينال اهتمام بعض القطاعات بين الناس في مختلف الدول، لذا نحاول هنا تسجيل ملاحظات واقعية عن هذه الظاهرة منذ أوائل القرن العشرين وحتى اليوم، وهـي ملاحظات تتجاوز مصر والسودان والحبشة، ودول الخليج، إلى جانب الموازنة بين الممارسات والمعتقدات في بيئات ثقافية مختلفة، مع محاولة الكشف عن الجذور الأسطورية والسحرية لها، وبالذات في الحبشة والسودان، للمعاونة الإيجابية على الدرس والتحليل، مع العلم أنه نوقشت عدة رسائل جامعية عن طقوس الزار، خاصة في جامعة عين شمس وبعض المعاهد الفنية.
درجت بعض الأوساط على الاحتفال بالزار سواء في الريف أو الحضر، وكلمة (زار) تحديداً تحتاج إلى تفسير، فرغم أننا لم نصل إلى تحقيق علمي عن أصل كلمة الزار إلا أنه جاء في معجم سبيرو للألفاظ العربية الدارجة في مصر (رقية زنجية)، ولم نعثر على جمع لهذه الكلمة أو ألفاظ مشتقة منها، وقيل إن معناها (زيارة) وأنها مشتقة من الفعل العربي (زَارَ) بيد أني أستبعد هذا الرأي ويؤيدني في وجهة نظري د.شنوك جرونييه. وقد قيل إن هذه الكلمة جاءت نسبة إلى بلدة (زارا) إحدى بلدان شمال إيران، وقيل إنها منسوبة إلى (زار) إحدى قرى جزيرة العرب شرقي اليمامة. فمن قال إنها مشتقة من الزيارة قصد بها قدوم (الأسياد) في الحضرة (الجلسة) لتحل مكان الشياطين التي تلبس أجساد المصابات من النساء، وقد وجد أن الكلمة لا تستعمل في السودان إلا بمعنى الحفل الذي يقام، ويطلق الناس هناك على الأرواح اسم (أسياد).
تسمى شيخة الزار (الكودية) وكلمة كودية عربية فصيحة معناها التسول، فأهل الكوديَّة هم طائفة كانوا يستجدون ويحتالون في ذلك, وعندهم دهاء في ابتزاز الأموال. ومثلهم موجود في الآداب الأوروبية (savage) وغير مستبـعد أن يكون فريق منهم امتهن إقامة حفلات الزار منذ أمدٍ بعيد فصارت رئيسة الزار تسمى الكودية، وكذلك تسمى الشيخة أو عريفة السكة, وهي في الغالب امرأة سوداء ترث دور الوسيط بين الملبوسين والأسياد من أمها, فإن لم يكن للأم بنت تورثه لإحدى العرائس (المساعدات) وتتعامل الكودية مع كافة الأسياد وهذا ما يجعلها تحمل أعداداً كبيرة من التمائم بعدد الأسياد، بينما العروس (المساعدة) تحمل قيمة السيد الذي يتلبسها فقط, وتقوم الكودية بوضع كرسي في وسط المجلس، تجلس عليه صاحبة المنزل التي نصب لها الزار، وتحضر دجاجتين وديكاً، وتربط أرجلها، ثم تضع الديك على رأسـها، والدجاجتين على أكتافها، ثم تتلو نصوصاً معهودة، وتنشد أناشيد بينما الحاضرات يقلن: دستور يا سيـادي، مدد يا أهل الله يا سيادي. وتوقع الكودية ومن معها على الدفوف بنغمات مختلفة متسارعة.
يتركب الزار من الكودية كرئيسة، وهي التي تبتدئ القول وصويحباتها يرددن ذلك بأنغام عالية مخصوصة قلما تعرفها السيدات؛ لأنهن يغلظن فيها بأصواتهن، ويكون بصحبتها على الأقل خمس إلى ثمان -عند الأكثرية- حسب ثروة المريضة، فالرئيسة تمسك دفاً كبيراً وأربع يمسكن دفوفاً أقل من دف الكودية أو الشيخة بقليل، وأخرى تمسك الرق وأخرى (دربكة) التي تسمى أيضاً عند العامة (طبلة) وهي عبارة عن جلد ماعز مشدود على فخار مستدير من فوق ومن أسفل مستطيل مجرف لترديد الصوت.
ليس من شك أن كلمة (زار) حبشية الأصل فالزار في أصله طقس وثني للقبائل الأفريقية البدائية, انتقل من الحبشة إلى السودان ثم إلى مصر (عام 1870م تقريباً) ثم إلى باقي البلاد العربية، ويقال إن لفظ (زار) محرف من (جار) وهو إله وثني عند الكوشيين، وعلى الرغم من أن معناها قد تغير –فيما يبدو– أثناء تداولها من بلد لآخر، إذ كانت في الأصل تعني (الروح) ثم استعملت للدلالة على الساحر المشتغل بالتطبيب والذي يتصل بالأرواح. ويرى (بلودن) أن كلمة زار معناها ساحر يشتغل بالتطبيب، وهو رجل يزعم أن له قدرة خاصة على الاتصال بالأرواح بتلاوة رقى معينة بالاستعانة بكائنات خارقة كانت تنقله سراً إبان طفولته، وتنطلق به سريعاً إلى أماكن بعيدة، ويدعي هذا الساحر أنه أصبح بدوره كائناً خارقاً، وكذلك يردد (بول كاله) هذه الكلمة في مقاله الممتع عن استحضار الزار في مجلة (دير إسلام) عام 1913م، وهو يشير بها إلى (الروح) حيناً، وإلى الحفل المقام حيناً آخر، وقد اعتمد فيما كتبه عن الزار على مشاهداته في أواسط الطبقات الدنيا.
يقول بول كاله: بعد الاطلاع على كل ما كتب عن الزار والاحتفال به، وبعد الدراسة المقارنة بين حفلات الزار وما يشابهها من الحفلات في شمال أفريقيا ووسطها أعتقد أن حفل الزار الذي يقام اليوم في مصر بدعة نشرها أفراد القبائل الزنجية في أفريقيا الاستوائية، وعلى الرغم من أن كلمة (زار) حبشية الأصل، إلا أن الزار في مصر لم يقتبس من الممارسات المشهورة في الحبشة. وليس من شك في أن الألفاظ تنتقل إلى أماكن بعيدة عن طريق لغة مشتركة مثل العربية، وسرعان ما ينسى الناس أصلها، ويتوسعون في معناها فيتغير مدلولها، فمثلاً كلمة (كوجو) تستعمل في السودان بمعنى (ساحر يشتغل بالتطبيب) سواء كان من الذين يعملون على جلب المطر أو ساحراً أو مشعوذاً، وليست هذه الكلمة مستحدثة، فقد استعملها (بيكر) بهذا المعنى، والحق أن هذه الكلمة قد انتشرت إلى حد أن المواطن السوداني العادي الذي يتحدث العربية لا يدرك أنها كلمة غير عربية، وإذا سألت عنها أي فرد بالسودان يقول إنها جاءت من كردفان أو النيل الأبيض أو بحر الغزال أو من منطقة لم يسبق له زيارتها.
مهرجان كبير
في كتاب (الحريم والمسلمات في مصر) فصل ممتع للغاية عن حفلتي زار، وتروي المؤلفة أن خادمتها الزنجية تقمصتها روح جعلت المرأة تعرج في مشيتها لأن (العفريت) لم يعجبه أن ترتدي سيدتها ملابس سوداء، وباستقصاء الموضوع اكتشفت المؤلفة أن غالبية النساء الزنجيات تسكن أجسادهن (عفاريت) يشرن إليها في أحاديثهن باسم (أسياد)، وهذه العفاريت تحضر من السودان والحجاز ومصر ومن بقاع أخرى، وكلها شريرة يخشاها الناس، وتزعم بعض النسوة أن لهن القدرة على التعامل مع هذه العفاريت، ويطلق على هؤلاء السيدات اسم (الشيخات) أو (الكوديات)، وعندما يسكن عفريت جسد امرأة وهي تعتقد عادة أن إصابتها بتوعك خفيف يدل على أن جسدها تقمصته روح فإنها تستشير الكودية فتحدد لها اسم (العفريت) وتصف لها العلاج.
قد يصرح العفريت أحياناً أنه قريب (عفريت آخر يزعج مريضة ثانية للكودية)، ومن الطبيعي أن يكون هذا سبباً في توثيق عرى الصداقة بين ربتي البيت المريضتين، وهي صداقة كثيراً ما تعود على الكودية، وإحدى المرأتين على الأقل، بفائدة مالية كبيرة، ويعتقد أن الأرواح تؤذي من تقمصت أجسادهن بطرق عديدة، وأنها لا تهدأ إلا إذا أقيم لها حفل زار. ولكن هناك بون شاسع بين حفل زار وآخر، فهناك حفلات فخمة تنفق فيها مبالغ طائلة، وهناك حفلة زار خاصة تقام في البيت، وحفلة تقيمها الكوديات كل أسبوع بانتظام، وقد درجت هؤلاء النسوة على إقامة حفل مهيب قبل حلول شهر رمضان من كل عام، تفد إليه جماعات النساء (المريوحات) أياماً عدة وتنهال الهدايا.
في حفل زار أقيم لسيدة بدينة فارعة القامة، لها بشرة صافية موردة لا أثر فيها للمرض ولم تكن في حاجة هياج وليس في ملامحها ما يدل على الحزن والأسى، وفي غرفة تتوسطها منضدة من خشب السنط فوق سجادة عجمية سميكة، وبجانبها شمعدان قديم من الفضة في حاجة إلى إصلاح، وضعت به شمعتان واحتشدت الزنجيات في ركن من الغرفة حول الطبول وأخذن يقرعنها ليصدر عنها صوت كفيل بإثارة أي مستمع مرهف الإحساس، وألقت الكودية بحفنات من مسحوق معين في مبخرة من النحاس وأضيئت الأنوار، والتفت جمع من النساء في حلقة حول المنضدة المحملة بالسكر والعسل والصابون والفطائر والحلوى وباقة من الورود، وأخذت الكودية تتلو بعض الأدعية وزميلاتها يتمتمن ضارعات إلى الله أن يستجيب لدعواتها، ورسمت الكودية علامات سحرية على الأشياء الموضوعة أمامها وألقت بعض المساحيق العطرية في المبخرة النحاسية ثم قامت بتعطير المريضة والزنجيات وازدادت كثافة الدخان في جو الحجرة، وارتفعت دقات الطبول وأخذت تصدر دوياً يكاد يصم الآذان.
يبدو أن قوة غريبة قد سيطرت على هؤلاء النسوة فاندفعن بتأثير هذه القوة القاهرة إلى القيام بحركات محمومة وكأن بهن مساً من الشيطان، وزحفت إحداهن فوق الأرض وأخذت تحك رأسها في السجادة، وشرعت أخرى تضرب بذراعها في الهواء وتحركه حركات تشنجية كما لو كانت تسبح في سائل لا يدرك باللمس، وسرعان ما اندفعت عشر من النساء يرقصن بعد أن أسكرتهن رائحة البخور وانتشين بإيقاع الطبول، ثم أحضر كبش زين بالأشرطة والحلي وقبضت المريضة على فروة الكبش الصوفية وسارت حول الحجرة ثلاث مرات وهي تتمايل وتهتز قبل أن تخرج إلى الفناء، وما هي إلا لحظات حتى عادت المريضة وزميلاتها وأيديهن وخمرهن قد لطخت بالدماء، وكانت الكودية تحمل طبقاً كُدست عليه حلي كستها الدماء، وبدأت الحاضرات يرقصن من جديد، وأخذت حركاتهن تزداد عنفاً من لحظة لأخرى إلى أن أصابهن الإعياء وسقطن فجأة بلا حراك.. بعضهن جلس على ركبه والبعض الآخر استلقى على الأرض فاقداً الوعي، وخفت الكودية إليهن جميعاً وأخذت تربت على أجسادهن وتهمس في آذانهن بكلمات مقدسة، وأخيراً عدن إلى مقاعدهن بعد أن هدأن، وكن يخطرن في مشية لا أثر فيها للتردد، ملامحهن تنطق بما غمر نفوسهن من طمأنينة، وعاد الكل ربات بيوت محترمات وكأنهن لم يفعلن أكثر من القيام بتمرين رياضي.
يستمر هذا المهرجان السنوي الكبير نحو أسبوع، وفي كل أمسية يقام حفل زار وترسل المتحمسات له من النساء كميات كبيرة من الأطعمة لتوزيعها على الحاضرات، وفي الليلة الأخيرة تقدم الذبائح رؤوساً من الأغنام والماعز والعجول، وجملاً صغيراً وعدداً كبيراً من الدجاج. ومن الغريب أن حفل الزار يقام في بيت نظيف جداً وبديع الأثاث والرياش ولهذا يبدو أن هذه الحفلة الهمجية قد أقيمت في غير موضعها.
حفل لجميع الطبقات
في مراكش أو المغرب العربي نجد أن حفلات الزار هناك شائعة بين الزنجيات، وكانت أيضاً معروفة في أوساط الحريم بالقاهرة وتُجرى مراسيمها في الطبقات العليا من المجتمع ونزولاً حتى الطبقات الدنيا، ولقد رأيت معتوقتين ثريتين اعتادتا الحضور كل عام من القسطنطينية إلى القاهرة للاشتراك في حفلة زار، وقد يتبادر إلى ذهن البعض أن الزار غير معروف في تركيا، وهذا غير صحيح، فالزار معروف حتى في مكة المكرمة، وأعتقد أن ممارسة الزار انتشرت في كل الأماكن التي سمح فيها للزنجيات بالاختلاط بالحريم، والحق أني لم أجد أي ذكر للزار أو أي نوع من الطقوس الماثلة فيما كتبه كلوت بك (طبيب الخديوي إسماعيل باشا)، وفيما أوردته البارونة (مانو تولي)، و(إدوارد لين) نفسه.
من جهة أخرى فإن بعض المعتقدات الشائعة بين الزنوج الأفارقة غنية بطقوس مشابهة. ويصف (ويونكر) حفلاً رأسه (زندي بنساط) أي منجم، فيقول : «بدأ الحفل بأن وقف المنجم في وسط الحاضرين وشرع في الرقص على إيقاع دقات (التام تام) أو (الطبلة الصغيرة النقارية)، رقص أولاً بخطى بطيئة ثابتة، ثم مال برأسه نحو الأرض، وكأنما ينصت إلى حديث غامض.. تزايدت سرعة خطواته شيئاً فشيئاً، وازدادت حركات يديه واختلج جسده في عنف، إلى أن سقط إعياء من كثرة الدوران والتثني وظل ينصت، وبدا كما لو كان يتلقى رسالة من الأرواح العظيمة تحت الأرض، وقطع فجأة ثباته المحموم وجفف وجهه من العرق واقترب من حلقة الجمع وبدأ خطابه، وتكرر هذا بعد كل رقصة، وكأن الخطاب في كل مرة يوجه لشخص معين، أو يتناول موضوعاً يختاره كيفما اتفق، وفي هذه الحالة لا نجد أحداً يطالب بتقديم ذبيحة، ولكن يتضح مما تقدم أن (البنسا) اعتادوا أن يرقصوا إلى أن يتم لهم الاتصال بالأرواح».
يروي شفاين أن النوم جفاه طوال الليل في بحر الغزال، بسبب السحرة الذين كانوا يقومون ببعض الطقوس لطرد الشياطين، ويدل وصفه لرقصة أخرى في هذه المنطقة نفسها على أنه كان يشاهد حفلاً لتهدئة إحدى الأرواح، على الرغم من أنه لم يعرف ذلك، ولم يذكره صراحة.
ومع أن قبائل الدنكا التي تعيش في حوض النيل تؤمن بوجود إله أعظم، لأن عقيدتهم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأرواح الموتى والأقارب الذين ماتوا حديثاً، وتسمى (أتيب) وأرواح الأجداد وتسمى (جوك).. وهاتان الطائفتان من الأرواح تؤثران في كل مظهر من مظاهر حياة قبائل الدنكا، وهي إما أن تعود عليهم بالخير والبركة وإما أن تنقلب عليهم شراً ونقمة. وقد تطلُب روح الأب أو الجد في أي وقت طعاماً عندما تتراءى للابن في الحلم، وعلى الابن في هذه الحالة أن يأخذ قدراً من دقيق الذرة ويخلطه بشيء من السمن في وعاء صغير يضعه في ركن من كوخه ويتركه حتى المساء، وعندئذ يستطيع أن يأكل هذا الطعام أو يتقاسمه مع أي فرد من عشيرته، ولكن ليس مع أي أحد آخر. وإذا لم يقدم الطعام إلى الروح فمن المحتمل أن تغضب على من تراءت له في الحلم فيصاب بالمرض هو أو زوجته أو أولاده.
قيل إن العادات التي درج الناس عليها بعد حدوث وفاة، وبخاصة إقامة ولائم بعد تشييع الجنازة، يقصد بها استرضاء روح الميت، ومنعها من أن تصب جام غضبها على الأحياء وتصيبهم بالأمراض وسوء الحظ، وتفصح لهم عن رغباتها، أو تصارحهم بها عن طريق (تيت) وهو رجل يستطيع أن يرى الأرواح وأن يتصل بها، وتعزى قوة من يقومون بهذا العمل إلى عقيدة سائدة، وهي أن روحاً قوية تسكن جسده، ويقال إن روح (التيت) تنتقل عند وفاته وتحل في جسد قريب له، ومن ثم فإن هذا المنصب يميل إلى أن يصبح وراثياً. وكثيراً ما يصارح (التيت) أحد أقربائه بأن روحه سوف تحل بجسد هذا القريب بعد وفاة (التيت) وعندئذ يلاحظ أن هناك تغييراً في سلوك هذا القريب، وأنه يصاب بنوبات يختلج فيها جسده، وتمر عليه فترات يفقد فيها وعيه، وتعد هذه التغيرات علامات على أن الروح قد اتخذت لها مقراً جديداً في جسده، والحق أن ما وهب (التيت) من قوى خارقة، يوجه عادة إلى الكشف عما يجب عمله في حالة إصابة فرد بالمرض، أي أن (الجوك) يبين المسؤولة عن إصابة هذا الفرد بالمرض، وما يجب عمله لكي يتعافى هذا المريض، ولكن (التيت) يشير أيضاً بما يجب عمله لاسترداد قطعان الماشية الضالة، ويستشار كذلك في بعض الأحداث التي تقع كل يوم.
من القبائل التي تعيش في وادي النيل أيضاً قبيلة الشيلوك، ولها ملك وصانع مطر وسلسلة أنساب طويلة من الأسلاف، جميعهم من الأرواح القوية التي يمكن أن تسكن أجساد أفراد من القبيلة، وقد رأيت في قرية من قرى الشيلوك جمجمتي خروف مدسوستين في جريد كوخ، وقيل لي إن هذين الكبشين قدما قرباناً لروح (داج) بن (نياكانج) وهو أول ملك من ملوك الشيلوك، حتى ترضى عن امرأة سكنت جسدها. ورأيت ثلاث قطع من أذن الكبش نظمت مع بعض الخرز في خيط، وربطت حول كاحل هذه المرأة فتركتها الروح إلى غير رجعة، وجدير بالذكر أن هذه الطقوس أجريت مع زعيم قرية كان الملك قد سجنه وعندما أطلق سراحه عومل كما لو كانت روح ملك ميت قد تقمصته، فذبح له كبش ونظمت بعض القطع من أذنه مع خرزات في خيوط ووضعت هذه الخلاخيل حول كاحله لتحميه من نقمة الملك الحاكم.
لا أعرف من معتقدات الشير إلا القليل، ولكن حدث يوماً أن زرت قرية من قرى الشير وشعر زوجي بانحراف في صحته، وعندئذ تطوع الساحر المشتغل بالتطبيب، وتكهن بأن مرض زوجي يرجع إلى أن روحين قويتين تقمصتا جسده، هما روح أمه وروح جدته، وأشار علينا بالعودة إلى بلادنا واسترضاء الروحين بتقديم ذبيحتين من الكباش على ألا نأكل من لحمهما شيئاً.
دراما شعبية عربية
لقد دخل الزار إلى النسق الثقافي العربي عن طريق العبيد الأحباش، وقد طرأ عليه تغير في سماته فهو في المعتقد الشعبي وسيلة للشفاء من أمراض نفسية وجسمية على حد سواء (كالاكتئاب, أو الصداع, أو ولادة أطفال مشوهين أو ميتين...إلخ). وهو بذلك يختلف عن أصله بكونه لا يستنطق الأسياد عن أمور الغيب. فالممارسة الحية للزار تستدعي تدوينها على أساس علمي من الناحيتين الاجتماعية والنفسية، خاصة وأن طقوس الزار ترتبط في بعضها بالدراما الشعبية في البيئات العربية بصفة عامة والبيئة المصرية والسودانية بصفة خاصة، كما أن هناك مسألة تحتاج إلى بحث تكميلي دقيق وهي محاولة الكشف عن المواطن الأولى لهذه الظاهرة التي تستوعب الكلمة والنغمة والحركة والإيقاع والمادة المشكلة التي تقوم بوظائف نفسية وفنية في وقت واحد.
لقد جاء حين من الدهر كانت المعالجة بالزار قد أخذت بعض الشهرة يوم عضدتها جماعة من أوروبا، ولكن انجلت الحقيقة عن أن الذين يريدون الإتيان بشيء جديد غريب حتى يقبل عليهم القوم، وقد أنكر عليهم جماعة العلم بأوروبا حتى عادوا عن غيهم وهم صاغرون. ولئن صدقنا بأن المعادن لها تأثير على أمراض الأعصاب فمن الممكن للأطباء إجراء هذه الأعمال بطريق لا يخل بالآداب ويمزق سياج الحشمة لما نراه، لاسيما إذا عرفنا أن الكوديات غالباً ممن يسهلن طرق اجتماع الجنسين، ويذللن المصاعب في سبيل الوصول إلى الفساد بطريق جبري ربما صيرنه أحياناً من ضمن الزار أو بأمر الشيخ.
هذه الأسباب هي التي قادت إلى حملة عنيفة ضد الزار، وكانت صورة قاتمة عن الفساد الخلقي الذي يحدث أحياناً في هذه الحفلات المغلقة، وليس لنا أن ننكر هذا الفساد الذي دفع إليه مجتمع شرقي مغلق، ولكن الذي ننكره هو أن أصحاب الحملة أخضعوا العلم لظاهرة شرقية كانت من سمات المجتمع، ولم يفسروا الحقيقة العلمية المجردة التي يمكن أن يؤدي إليها الزار بكل طقوسه وموسيقاه وأجوائه في شفاء بعض الأمراض النفسية.
إن الأطباء الغربيين رأوا في حفل الزار بعد دخوله إلى النسق الثقافي العربي عن طريق العبيد الأحباش أنه طرأ عليه تغير في سماته فهو في المعتقد الشعبي وسيلة للشفاء من أمراض نفسية وجسمية على حد سواء مثل (الاكتئاب, الصداع, ولادة أطفال مشوهين أو ميتين...إلخ). وهو بذلك يختلف عن أصله بكونه لا يستنطق الأسياد عن أمور الغيب، وهناك رأي آخر يخالف الرأي السابق وهو أن بعض العلماء الذين شهدوا حفلات الزار قالوا إنها من وسائل العلاج النفسي، وقد تأكد ذلك بعد سنوات طويلة، بل إن حتى بعض أطباء أوروبا قرروا أن الموسيقى لها أثر علاجي في نفوس البشر، كما لها أثر على الأبقار حيث أصبحت تدر لبناً أكثر وتنتج لحماً أفضل، بل وفي النبات كذلك حيث جعلته ينمو بشكل صحي أفضل، لذا نصحوا أصحاب المصانع الكبرى بأن يبعثوا ألحان المشاهير من الموسيقيين للعمال أثناء العمل حتى يزيد إنتاجهم.
هذه النظرة ليست جديدة في الثقافة العربية، فقد اشتهر الفارابي الفيلسوف المسلم بأنه كان يضع في الألحان ما يوقظ، ويجعل في الأنغام ما يبعث على النوم، ومنها ما يبكي، ومنها ما يضحك.
إن النظرة إلى حفلات الزار من جانب واحد كانت نظرة ضيقة، ولو أن دعاة الإصلاح الاجتماعي طالبوا بجعل حفلات الزار مفتوحة لا مغلقة لامتنع النساء ولكان ذلك أجدى، ولكن كيف ذلك بينما قضية السفور والحجاب والنقاب ذاتها في أوجها، متزامنة مع صراع الأفكار الداعية إلى تحرير المرأة؟.
الغريب أن أحداً لم يلتفت إلى أن الزار لون من ألوان الفن الشعبي كان يمكن أن يتطور تمثيلاً وغناء ولحناً وموسيقى ليشكل نوعاً من أنواع المسرح الغنائي، وقد جنى الجانب الاجتماعي في الزار على الجانب الفني حتى أسقطه من الحياة الفنية ثم أسرعت حياة التقدم العصري وتشابكت خيوطها، وتعقدت وسائلها، حتى أصبح الزار في حياتنا اليوم من المزريات.
ورغم كل الاعتراضات فإننا نعتقد أن حفلة الزار من الفنون الشعبية التي اندثرت، ولم نفد من جوانبها المسرحية أو الموسيقية، بل إن التاريخ يحفظ لنا في تراثه نصوصاً عن حفلات الزار التقليدية وهي نصوص مسرحية شعرية منغمة، كانت تؤديها فرقة كاملة تتزعمها الكودية ومعها سيدات مدربات على دق الدفوف والصنوج وعلى الغناء والتنغيم، بل إنهن كن مدربات أيضاً على فن الإخراج المسرحي الدرامي.