مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

الموسيقى التصويرية بوصفها الراوي والشخصية

عبر تاريخها الطويل، مرت الموسيقى بالعديد من التغيرات، حيث تحولت من مجرد فن ذي نطاق ضيق في تعبيره وأسلوبه ووظيفته، إلى فن شامل ذي صبغة إنسانية عامة، على صلة وثيقة بالحياة والمجتمع الإنساني. ومع تطور إمكاناتها التعبيرية، وبالأخص في الأعمال السينمائية؛ باتت الموسيقى قادرة على نقل كل المعاني التي تدخل في نطاق قدرتها، دون الحاجة للاستعانة بأي فن آخر، قد يضفي قيوداً على تلك المعاني.
وقد حازت الموسيقى التصويرية للأفلام على اهتمام واسع من قبل المستمعين، حيث إن المؤلف الموسيقي دوماً ما يوسع عناصر اللحن والإيقاع والتكثيف النغمي والتلوين الصوتي، وذلك كله ضمن عمل فني يوحي ويصور المشاعر والأحاسيس المرجو إيصالها للجمهور. ولأن الموسيقى التصويرية تأتي عنصراً مهماً ومكملاً لنسيج العمل الدرامي؛ فيلزم أن تكون معبرة عن أحداث العمل الفني، لتؤكد على مصداقية محتوى الصورة بالسينما. ولذلك فإن للموسيقى دوراً مهماً في أي عمل سينمائي، لا يقل عن دور أبطال العمل أو مؤلف القصة، أو كاتب السيناريو.
إدراكاً أفضل للمستمع
وبخصوص الأعمال الدرامية، فقد لعبت الموسيقي التصويرية دوراً حساساً ومهماً برسم معالم إضافية للقصة، كان من الصعب جداً على المؤلف صياغتها، وإيصال مشاعر كان من الصعب على الممثل النطق بها أو تقمصها، ما يعني أن الموسيقى باتت هي اللمسة النهائية ذات التأثير المساعد على تأكيد المشاهد الدرامية للمتلقي. ولأن حاسة السمع تعمل جنباً إلى جنب مع حاسة البصر؛ فقد كونت الموسيقى التصويرية إدراكاً أفضل عند المستمع، وبات لها تأثير مهم لديه، وأعطته إيحاء وكأنه يعيش أحداث المشهد. ولطالما عدت الموسيقى حلقة الوصل بين المشاهد المختلفة، وكذلك جسدت روح البيئة التي تجري فيها الأحداث.
عن البداية والتطور
من المعلوم أنه عندما كانت الأفلام عبارة عن صور مركبة فقط (الأفلام الصامتة)، كان يتم تقديم تداخلات موسيقية خلال أقسام عرض الأفلام، وكانت دور العرض الأوفر حظاً تتضمن فرقاً موسيقية كاملة، تعزف طيلة العرض موسيقى تصويرية أصلية للفيلم، كما كانت معظم دور السينما تستأجر مجموعة موسيقيين للعزف، وللتغطية على صخب أجهزة عرض الأفلام وأحاديث المشاهدين، ودوماً ما كان هؤلاء الموسيقيون يعزفون مقطوعات موسيقية شعبية أو كلاسيكية غربية لملحنين مثل (تشايكوفسكي وفاجنر). وقد شاع أن يكون للفيلم الواحد المعروض بدور عرض مختلفة بكل أنحاء البلاد، مصاحبات موسيقية مختلفة تماماً، لذلك فإن السينما وبخلاف المعتقد، لم تكن صامتة بشكل كامل.
ورغم عدم وجود طرائق فعالة لمزامنة الصوت مع الصورة بتلك الحقبة البدائية؛ إلا أن الصوت كان موجوداً باستمرار. وبمرور الزمن ونتيجة للتطورات التكنولوجية، تمكنت السينما باكتشاف التزامن بين الصوت والصورة، من امتلاك القدرة على عرض الأفلام دون الحاجة لأوركسترا أو عازفين، ليصبح جهاز العرض نفسه قادراً على إعادة إنتاج الصورة والصوت، نتيجة اختراع جهاز (فيتافون) الذي احتل مكانة بارزة بتاريخ السينما، فهو أول نظام تزامن بين الصوت والصورة يحقق نجاحاً تجارياً.
محاولات فاشلة
يشار إلى أن فشل الأجهزة السابقة، شوه مفهوم الأفلام الناطقة، حيث حاول جهاز (كينيتوفون) للمخترع الأمريكي توماس إديسون (1847 - 1931م) والذي طرح عام 1913م، وتوقف إنتاجه بعد عامين فقط؛ أن يزامن أسطوانات الفونوغراف مع الأفلام، وعد هذا الاختراع المستند لـ(جرامافون) لإديسون عملاً ثورياً، كان يصدر صريراً مزعجاً بوضوح، وكان هناك أيضاً خطر فقدان تزامن الأسطوانة مع الفيلم، فيعيد إنتاج لحظات من الموسيقى التصويرية في لحظات من الحبكة، لا تحمل نفس عاطفة النوتات الموسيقية. ومن بين الأجهزة الأخرى ظهر أيضاً جهاز (الفونوفيلم وفيفافون)، لكن تقنية التسجيل والاستنساخ الكهربائي لجهاز فيتافون، مكنته دون غيره من الوصول للصف الأخير من قاعة سينما تتسع لنحو (3000) مقعد بدقة صوتية ملحوظة.
دراسات تجريبية
بحسب علم النفس المعرفي، فإن العقول البشرية تعمل بنشاط كبير أثناء مشاهدة الأفلام. وحسياً وعلى المستوى الأعمق؛ يتم إدراك ما يتضمنه الفيلم من صور وأصوات، كما يساهم الجهاز السمعي للمشاهد بمعلومات إضافية، عبر التعرف على الأصوات وعزل الضوضاء الخلفية. ومع نهاية الثمانينات بدأ علم النفس المعرفي وعلم النفس الموسيقي، التحقيق حول التأثير الذي تمارسه الموسيقى التصويرية على تفسير المحفزات السمعية والبصرية.
ومن أوائل علماء النفس كانت الكندية آنا بيل جيه، وهي واحدة من الباحثين الذين قاموا بشكل منهجي بدراسة العلاقة بين الموسيقى والصورة المتحركة القصيرة، في عملية تفسير مقاطع الفيديو القصيرة، وتقاربت دراساتها بنموذج التطابق والارتباط للموسيقى والوسائط المتعددة، وسرعان ما أثبتت الدراسات التجريبية الأحدث، أن موسيقى الفيلم يمكنها أن تتجاوز بمراحل دور الملحق العاطفي بسياقات الفيلم، وأن تغير بشكل جذري التعاطف الذي يشعر به المشاهد تجاه الشخصيات التي على الشاشة والعواطف المنسوبة، ومعرفة ما إذا كانت تلك الشخصية حزينة أو سعيدة، وتقييم البيئات الخلابة وتوقعات الحبكة، والحكم الأخلاقي للشخصيات.
كما أظهرت دراسات تتبع العين وقياس حدقتها، أن موسيقى الأفلام قادرة على التأثير على اتجاه النظرة، واتساع حدقة العين بالاعتماد على قيمتها العاطفية والمعلومات الدلالية المنقولة، تبعتها دراسات أخرى تتعلق بالسياق نفسه، أوضحت أن موسيقى الأفلام يمكنها أن تغير إدراك الزمن عند مشاهدة الأفلام، حيث تؤدي الموسيقي التصويرية النشطة والمثيرة إلى حدوث مبالغة في تقدير الزمن، على العكس تماماً من الموسيقى الأكثر استرخاء أو حزناً.
الموسيقى مع السيناريو والحبكة
جرى تقسيم الصوت العام لأي فيلم سينمائي لثلاثة أنواع، تتمثل في: الضوضاء والحوارات والموسيقى، وتأتي الأخيرة هرمياً في مستوى أعلى من الفئتين الأخريين، فالصوت بالسينما مهم؛ لأنه يساعد المشاهدين على استشعار مشاعر الشخصيات على الشاشة، وموسيقى الأفلام تعد ظاهرة ثقافية، لأنها تعكس دوماً مشاعر وأفكار المدة الزمنية التي أنتجت فيها. وهناك عدة تمييزات أجريت حول الموسيقى بالسينما: أولها الموسيقى السردية التي يفهم أنها جزء من العالم السردي للفيلم؛ والموسيقى غير السردية، التي لا يتم تفسير وجودها داخل الفيلم. ومن بين أوجه الاختلاف الأخرى بين الموسيقى التصويرية والسردية؛ أن السرد مصطلحاً يشير بالأساس إلى البعد الخيالي للسرد؛ نظراً لأنه يمثل حقيقة الحبكة وواقعية السرد نفسه. ما يعني أن السرد بمكانة عالم الخيال، وأن كل ما يحدث داخل السرد وكل ما يتبع نمط حقيقته، يعد سردياً بما في ذلك الموسيقى التصويرية.
وهناك تمييز آخر نجده فيما يخص الموسيقى التصويرية، يتعلق بخيار المخرج في العمل بالموسيقى التصويرية الأصلية أو المسجلة أو المعدلة، فالموسيقى الأصلية أغنى بكثير، لكن المخرج والموسيقيين يبذلون جهوداً أكبر في عملية تأليف موسيقى تصويرية أصلية لزوم الحبكة.
ومع الموسيقى التصويرية المسجلة، قد يتخلى المخرج عن عمل الملحن، ويستخدم مقطوعات موسيقية منتجة مسبقاً، أما الموسيقى التصويرية المعدلة، فهي تتطلب مشاركة الموسيقي لإعادة إنتاج المقطوعة ودمج روح السرد. وكل ذلك يعني أنه لا يمكن فصل الموسيقى التصويرية، بأهدافها اللامتناهية ومسارها الطويل وأمثلة نجاحها التي يصعب حصرها؛ عن تصور السيناريو وتطور الحبكة، لأنها قادرة على تحمل تلك المسؤولية وغيرها الكثير أثناء السرد، إضافة إلى المساعدة على تصور الشخصية وتحديد هويتها.
فيلم (سايكو) خير مثال
هناك بعض الأفلام الكلاسيكية، التي تكون فيها الموسيقى جزءاً لا يتجزأ من المشهد، لدرجة أنه يصعب تخيل المشهد بدونها، كمشهد الاستحمام في فيلم (سايكو) للمخرج ألفريد هيتشكوك (1899 - 1980م) مع الموسيقى التصويرية المرعبة المبالغ فيها، تأليف الموسيقي السينمائي برنارد هيرمان (1911 - 1975م). في البداية اعتقد هيتشكوك أن مشهد الاستحمام لا يحتاج لموسيقى، لكن هيرمان ألّف موسيقى المشهد وأقنع هيتشكوك بها، ليستخدمها في النهاية بفعالية كبيرة. واستخدمت موسيقى ذلك المشهد، مع بقية الموسيقى التصويرية للفيلم؛ نموذجاً لموسيقى أفلام الرعب لسنوات مقبلة، وهذا مثال على قوة موسيقى الأفلام السردية.
فذلك الإيقاع المتتالي يشير إلى حضور سايكو الكامل، وهو وتر سابع يحتوي على فواصل موسيقية رئيسة وثانوية، والذي يعد أحد أهم أعمال هيتشكوك، وبالطبع كان يميل للبدء بها بشكل عادي، وعلى سبيل المثال يبدو المشهد الافتتاحي لسايكو وكأنه مجرد لقاء غرامي عادي بغرفة فندق بين جانيت لي وجون غافن، فهناك النغمة الرئيسة وهناك النغمة الثانوية، التي تدخل المشاهد إلى الجانب المظلم من الأمور. وينظر إلى امتزاج فيلم ألفريد هيتشكوك مع موسيقى برنارد أو بيني هيرمان؛ على أنه اتحاد مثالي، وأنه ذروة التعاون بين المخرج البريطاني الذي انتقل لهوليوود، والملحن الأمريكي الذي عاش سنواته الأخيرة ببريطانيا.
دور الراوي والشخصية
على غرار ما يقوم به ملحن الأوبرا باتباع نص الأوبرا؛ فإن ملحن الفيلم يجب أن يقوم أيضاً بدعم حبكة السيناريو، كما يجب أن تعكس الموسيقى أجواء السيناريو، بدءاً من الأحداث على الشاشة، ومروراً بالمؤثرات الصوتية حتى الوصول إلى الحوار. ويمكن للموسيقى التصويرية المناسبة، أن تحسن أو تغير في كثير من الأحيان إدراك المشاهد لما يحدث على الشاشة، وأبلغ مثال أنه كان يستحيل على المشاهد تخيل استبدال موسيقى فيلم (الفك المفترس) لجون ويليامز، أثناء وقوع أول حادثة سباحة في الفيلم؛ بمقطوعة موسيقية هادئة؛ لأنه ببساطة وفي لحظة سوف يتبدل المزاج من خوف متأصل، إلى سباحة عادية وهادئة بالمحيط.
لذلك وفي معظم الأحيان تستخدم الموسيقى لتسليط الضوء على الأحداث بالشاشة، أو لتعزيز مزاج المشهد، أو التنبؤ بالأحداث المستقبلية، أو التعبير عن المشاعر الداخلية للشخصية. وفي الوقت الذي لا يرغب الملحنون وصناع الأفلام عادة بإضفاء تأثير قوي على الفيلم، لكنه في أحيان كثيرة لا تكون القوة العاطفية للمؤثرات البصرية بهذه القوة دون وجود الموسيقى، مثل ما نقله فيلم (فصيلة) من آلام وويلات الحرب من خلال الموسيقى، وبتلك الحالة لعب الإيقاع أو سرعة الموسيقى دوراً كبيراً في إيجاد التأثير المطلوب، إذ يقاس الإيقاع بعدد النبضات بكل دقيقة، ويمكنه تغيير إحساس وإيقاع ما يحدث على الشاشة، ويحدد المؤلفون الموسيقيون الإيقاع المطلوب باستخدام مصطلحات موسيقية معدة آنفاً، للوصول لإيقاع بطيء طبقاً لمصطلح (أداجيو) الذي يتراوح بين (66 - 77) نبضة بالدقيقة.
ومع انحدار الموسيقى أمكن التعبير عن الحزن، وهو عامل آخر يسهم في الجاذبية العاطفية لتلك الموسيقى بالمشهد، وكانت النتيجة مبهرة لحد بعيد، وهي تعليق أخاذ عن ويلات الحرب.
ويمكن أن تشمل موضوعات موسيقى الأفلام طيفاً واسعاً من العناصر الموسيقية، كالمقطوعات الموسيقية (الأوركسترالية) الكاملة، والزخارف اللحنية الرقيقة، وهي ركائز موسيقية تمثل الشخصيات والأماكن والمفاهيم الشاملة، فهي أيضاً عبارات موسيقية متكررة، تظهر ببراعة اللحظات أو الزخارف الرئيسة طوال مدة الفيلم.
كل ذلك يعني أن الموسيقى التصويرية، ليست مجرد مصاحبة موسيقية للفيلم فقط؛ بل تلعب في نسيج السرد السينمائي دور الراوي والشخصية.

ذو صلة