مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

إعادة التفكير في المتفرج.. مدرسة خورخي دوباتي وتحويل التلقي إلى ممارسة معرفية

أفرزت التحولات التي عرفها المسرح المعاصر إعادة النظر في موقع المتفرّج داخل الفعل المسرحي، حيث لم يعد بالإمكان التعامل مع الجمهور بوصفه طرفاً سلبيّاً يكتفي بالتلقّي الصامت. أصبح سؤال المشاهدة، وما ينتج عنها من معرفة ومعنى، جزءاً أساسيّاً من التفكير المسرحي الحديث، خصوصاً في سياق تراجع الأطر التفسيريّة الكبرى وصعود أنماط فرجويّة سريعة تحوّل العرض إلى منتج عابر.
في هذا الإطار، يندرج مشروع (مدرسة المتفرّجين) الذي أسّسه الناقد والمؤرّخ المسرحي الأرجنتيني خورخي دوباتي (Jorge Dubatti)، أحد أبرز المنظّرين المعاصرين لفلسفة المسرح ونظرية التلقّي، بوصفه تجربة فكريّة وتطبيقيّة تسعى إلى إعادة تأسيس العلاقة بين المسرح وجمهوره، عبر مساءلة فعل التلقّي ذاته، وتحويله إلى ممارسة واعية قائمة على الحضور، الحوار، وبناء المعنى المشترك.
لا تنطلق هذه التجربة من الرغبة في شرح العروض أو تبسيطها، بل من الإيمان بأنّ المسرح لا يكتمل إلّا داخل وضعيّة التلاقي الحي بين العرض والمتفرّج، وأنّ الجمهور عنصر فاعل في إنتاج الدلالة لا مجرّد متلقّ لاحق لها.
ينطلق هذا المقال من مقاربة تحليليّة تسعى إلى تفكيك الأسس الفكريّة والمنهجيّة لهذه التجربة، وتتبع تشكّلها وتحوّلاتها السياقيّة، مع التفكير في إمكاناتها النقديّة والتربويّة، وما تتيحه من أفق لإعادة بناء العلاقة بين المسرح والجمهور، خصوصاً في سياقات ثقافية تعاني من هشاشة التلقّي وغياب الفضاءات الحواريّة المؤسَّسة.
الخلفيّة الفكرية لمشروع خورخي دوباتي وتعريف مدرسة المتفرجين
ينبني مشروع مدرسة المتفرّجين عند خورخي دوباتي على تصوّر فلسفي ومعرفي يعيد مساءلة ماهية المسرح ووظيفته، لا بوصفه منتجاً جماليّاً مكتملاً، بل باعتباره حدثاً علائقيّاً لا يكتسب معناه إلّا داخل وضعيّة الحضور المشترك. ومن هنا، لا يمكن فهم المدرسة كآليّة بيداغوجيّة معزولة، بل كامتداد عملي لمنظومة نظريّة أوسع بلورها دوباتي في كتاباته حول فلسفة المسرح:
1 - مفهوم التعايش الحضوري والمرجعيات الفلسفية
يحتل مفهوم الـ Convivio موقعاً مركزيّاً في هذه المنظومة. فهو لا يشير فقط إلى التعايش أو الاجتماع الفيزيائي، بل إلى شكل مخصوص من الوجود المشترك، يقوم على التزامن الجسدي والزمني بين الممثّل والمتفرّج داخل فضاء واحد غير قابل للاستنساخ. وبذلك، يميّز دوباتي المسرح عن الفنون الوسيطيّة، معتبراً أنّ خصوصيّته لا تكمن في النصّ أو التقنية، بل في الحضور الحي بوصفه شرطاً وجوديّاً لإنتاج المعنى. هذا التصوّر يجعل من فعل التلقّي عنصراً بنيويّاً في الكينونة المسرحيّة نفسها، وليس مجرّد مرحلة لاحقة.
يتقاطع هذا الطرح مع المرجعيّات الفينومينولوجية، ولا سيما مع أعمال (إدموند هوسرل) و(ميرلوبونتي) حول التجربة المعاشة والجسد كوسيط للإدراك. فالمتفرّج لا (يستقبل) العرض من الخارج، بل يعيشه جسديّاً وحسّياً، ويعيد بناء دلالاته انطلاقاً من وضعه داخل الحدث. التجربة هنا مركّبة، تتداخل فيها الحواس، الذاكرة، والوجدان، ما ينفي إمكان اختزال المشاهدة في قراءة عقلانيّة أو تفسير تقني محض.
2 - المرجعيّات الأنثروبولوجية والنقدية
إلى جانب ذلك، يستند دوباتي إلى مرجعيات أنثروبولوجية ترى المسرح امتداداً للطقوس الجماعية القديمة، حيث كان الاجتماع حول الفعل الأدائي وسيلة لبناء المعنى المشترك والهوية الجمعية. في هذا الإطار، تتقاطع أفكاره مع أعمال (فيكتور تيرنر) و(ريتشارد شيشنر) حول الأداء كحدث اجتماعي، والفضاء المسرحي كمنطقة «بين بين» (Liminal Space) تُعلّق فيها القواعد اليوميّة لصالح تجربة رمزيّة كثيفة. ومع ذلك، يذهب دوباتي أبعد من ذلك، فيربط المسرح مباشرة بفعل المعرفة، معتبراً أنّ الاجتماع المسرحي ينتج معرفة مخصوصة لا يمكن تحصيلها خارج وضعيّة الحضور.
كما تتغذّى الخلفيّة الفكريّة لمشروعه من مقاربات نقديّة ثقافيّة ترى في التلقّي فعلاً تاريخيّاً مشروطاً بالسياق الاجتماعي والسياسي. المتفرّج ليس كياناً مجرّداً، بل ذاتاً متشكّلة ضمن منظومات ثقافيّة تحمل تصوّرات مسبقة وذاكرة جماعيّة وعلاقات سلطة. من هنا، يرفض دوباتي فكرة (المتفرّج الكوني) أو(القراءة الصحيحة)، ويؤكّد على تعدّد التأويلات كنتيجة طبيعيّة لاختلاف شروط التلقّي، في حوار غير مباشر مع نظريات التلقّي الأدبي (ياوس، إيزر)، مع التأكيد على البعد الجسدي والحضوري الذي يميّز المسرح عن النصّ المكتوب.
3 - تأسيس مدرسة المتفرّجين
تأسّست المدرسة بوصفها امتداداً عمليّاً لهذه الخلفيّة الفكريّة. فهي ليست (مدرسة) بالمفهوم المؤسّساتي الصارم، ولا تهدف إلى التلقين، بل تهدف إلى خلق شروط وعي المتفرّج بذاته داخل التجربة المسرحيّة، وتحويل التلقّي من فعل استهلاكي إلى ممارسة معرفيّة جماعيّة، ومن حضور صامت إلى مشاركة نقديّة واعية.
تشكّلت المدرسة عام (2001) في (بوينس آيرس) في لحظة تاريخية اتّسمت بأزمة اقتصادية واجتماعية داخل الأرجنتين انعكست على الحقلين الثقافي والفني. هنا، انبثقت الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة بين المتفرّج والفعل المسرحي، ليس استناداً إلى إستراتيجيّات جذب جماهيري، بل لخلق متفرّج واع، قادر على إدراك موقعه داخل الحدث.
ارتبط التأسيس بفضاءات مسرحية مستقلة وجامعات ومراكز ثقافية، مع دور محوري لدوباتي كفيلسوف ومؤطّر ومنسّق للنقاشات. شارك أيضاً باحثون، نقّاد، وأساتذة جامعيّون، بالإضافة إلى مخرجين وممثّلين، الذين أصبحوا أطرافاً فاعلة في فعل التلقّي لا أصحاب سلطة تفسيريّة نهائيّة.
تتميز المدرسة باللاهرميّة والانفتاح على فئات اجتماعيّة وثقافيّة متنوّعة، مع تعزيز أفق الحوار الأفقي بين المشاركين وصانعي العرض، وإعادة توزيع السّلطة الرمزيّة داخل الحقل المسرحي. يمكن اعتبارها فضاء ثقافيّاً وسيطاً يُفعّل فلسفة الحضور ويعيد إنتاج فعل المسرح نفسه عبر الجمهور.
المنهجية التطبيقية وبناء المتفرج الخبير والوظائف الثقافية والاجتماعية
تقوم المنهجية التطبيقية لمدرسة المتفرجين على مقاربة متميزة تجمع بين التجربة العملية والتأطير النظري، بما يحقق توافقاً بين فلسفة التعايش الحضوري والوظائف التعليمية والثقافية والاجتماعية. تنقسم إلى ثلاث مراحل رئيسة:
- حضور العرض المسرحي: التجربة الحسّية كأساس للمعرفة
لا ينظر دوباتي إلى العرض المسرحي كمنتج جاهز للفرجة، بل كحدث حضوري حيّ يتكوّن في التفاعل بين الممثّل والمتفرّج. هذه المرحلة تُبرز البعد الفينومينولوجي للتلقّي، حيث يصبح المتفرّج مشاركاً في عمليّة إدراكيّة مركّبة تشمل الحواس، الإيقاع الجسدي، والوعي بالزمان والمكان المسرحي. ترفض المنهجيّة أي تصنيف مسبق للعرض كمادّة جاهزة للتحليل، ما يضمن أنّ المعرفة تنشأ من التجربة الفعليّة.
- اللقاء التحليلي بعد العرض: بناء المتفرّج الخبير والوظائف الثقافيّة والاجتماعيّة
في هذه المرحلة يتحوّل المتفرّج إلى متفرّج خبير قادر على مراكمة خبرة مشاهدة واعية، وامتلاك أدوات تحليل وتأويل، وتطوير ذائقة نقدية مستقلة. كما تحقق هذه المرحلة وظائف ثقافية واجتماعية مهمة، منها: بناء جمهور مستدام، دمقرطة النقد المسرحي، تعزيز الحوار بين الفنانين والجمهور، وترسيخ المسرح كممارسة للمواطنة الثقافية.
- التأطير النظري الخفيف
يربط التأطير النظري بين التجربة العملية والمفاهيم، دون فرض تفسير واحد، عبر مفاهيم دراماتورجية وأدائية تساعد المتفرج على فهم الإيقاع، الفضاء، الأداء، والرمزية. يضمن ذلك تحويل التلقي من فعل حسي إلى ممارسة معرفية منهجية.
الانتشار والتحولات السياقية لمدرسة المتفرجين وإمكانات التثمين عربياً
لم يبق المشروع محصوراً في الأرجنتين، بل انتقل إلى أوروغواي، المكسيك، كولومبيا، تشيلي، وإسبانيا، مع تكييفه وفق الخصوصيات الثقافية والسياسية وأنماط التلقي المحلية.
في الأوروغواي، ارتبطت المدرسة بإعادة بناء العلاقة مع جمهور محدود، شارك فيه دوباتي بمحاضرات وورشات، بينما الإدارة الفعلية أدارها باحثون محليون ربطوا التجربة بتاريخ المسرح السياسي الأوروغوياني.
في المكسيك، واجهت المدرسة سياقاً متنوّعاً جغرافيّاً وثقافيّاً، مع فجوة بين المسرح المؤسّساتي والجمهور الشعبي، فركّزت التجربة في المدن الكبرى على برامج شبه أكاديميّة، مع تأطير فكري من دوباتي.
في كولومبيا وتشيلي، ارتبطت المدرسة بسياقات ما بعد العنف السياسي، وخصوصاً في تشيلي استُخدمت الجلسات التحليليّة كفضاءات للكلام عن الذاكرة والصدمة والقمع، مع إبقاء دور دوباتي مرجعاً فكرياً أكثر من كونه مؤسساً مباشراً.
في إسبانيا، وجدت المدرسة تحدّي إثبات ضرورتها في فضاء نقدي مسرحي راسخ، فركّزت على جمهور غير مختصّ، مع دور دوباتي كوسيط ثقافي يشرح فلسفة التجربة دون التدخّل في التنظيم المحلي.
تشير هذه التحوّلات إلى أنّ قوّة المدرسة تكمن في فلسفتها لا في بنيتها التنظيميّة، وأنّ مشروع دوباتي يقدّم إطاراً مرناً قابلاً للتأويل وفق السياق المحلي، يعيد بناء العلاقة بين المسرح والجمهور في زمن الاستهلاك السريع وهيمنة الصورة الرقميّة.
الحديث عن إمكانيّة استحضار هذه التجربة في السياق العربي يفتح، بالضرورة، أفقاً نقديّاً للتساؤل حول طبيعة الممارسة الثقافيّة السائدة وحدودها. إذ تكشف واقع النقاشات التي تلي العروض المسرحيّة في عدد من البلدان العربيّة عن طابع فئوي ومناسباتي، يبقى محصوراً في دوائر الاختصاص الأكاديمي أو المهني، دون أن يتحوّل إلى ممارسة مؤسَّسة ومستمرّة تُراكم المعرفة وتوسّع قاعدة المشاركة. ويترتّب عن هذا الوضع غياب جمهور فاعل، واتساع الفجوة بين المسرح ومتلقّيه، بما يفضي إلى عزوف متزايد عن الفضاء المسرحي، وإلى تراجع دوره بوصفه مجالاً للحوار العمومي والتفكير الجماعي.
من هذا المنظور، لا تُقرأ مدرسة المتفرّجين بوصفها نموذجاً قابلاً للاستنساخ الحرفي، بل باعتبارها أفقاً مفاهيميّاً ومنهجيّاً يدعو إلى إعادة التفكير في سياسات التلقّي الثقافي عربيّاً، وفي ضرورة إرساء فضاءات ديمقراطيّة للتفاعل مع الفعل المسرحي، تتجاوز الانغلاق الأكاديمي من جهة، والاحتفاليّة العابرة من جهة أخرى. وعليه، يبقى السؤال مفتوحاً حول إمكان بلورة مشاريع مماثلة، تنطلق من الخصوصيّات الثقافيّة المحلّية، لكنّها تشترك في الرهان على المتفرّج بوصفه شريكاً معرفيّاً، لا متلقّياً سلبيّاً، وعلى المسرح باعتباره ممارسة اجتماعية حية قادرة على إعادة إنتاج معناها داخل المجموعة.
تبيّن من خلال هذا المسار التحليلي أنّ مشروع مدرسة المتفرّجين عند خورخي دوباتي لا يمثّل مجرّد مبادرة تربويّة مرافقة للفعل المسرحي، بل يندرج ضمن إعادة صياغة عميقة لفلسفة المسرح ذاتها، تقوم على إعادة الاعتبار للحضور الحي، وللتلقّي بوصفه فعلاً معرفيّاً وجماعيّاً لا يقلّ أهميّة عن فعل الإبداع. فالمتفرّج، في هذا الأفق، لا يكون هامشاً للعرض ولا مستهلكاً لمعناه، بل يصبح طرفاً بنيويّاً في إنتاج الدلالة، وفاعلاً في بناء الحدث المسرحي داخل لحظة التلاقي.
لقد أظهر تحليل الخلفيّات الفلسفيّة والمنهجيّة للمدرسة أنّ قوّتها لا تكمن في بنيتها التنظيميّة أو في قابليّتها للاستنساخ، بل في تصوّرها للمسرح كخبرة وجوديّة ومعرفيّة مشروطة بالسياق، وبقدرتها على تحويل التلقّي من ممارسة تلقائية إلى ممارسة واعية، نقدية، ومؤسَّسة. كما بين تتبع تحولات التجربة في سياقات مختلفة أن المدرسة نجحت في الحفاظ على نواتها المفهومية، مع انفتاحها على تكييفات محلية جعلتها أداة فعالة لإعادة بناء العلاقة بين المسرح وجمهوره في أوضاع تاريخية متباينة.

ذو صلة