مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

يلماز غوناي الحائز على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان 1982م

يُعد يلماز غوناي سينمائياً ونجماً لامعاً للسينما التركية وممثلاً بارعاً للسينما التقدمية في العالم النامي، ومن المفارقات العجيبة أن يرفع من مستوى السينما التركية إلى مكانة عالمية بنيل جوائز المحكمين الدوليين في كبرى المهرجانات السينمائية الدولية بينما هو مطارد وملاحق من الحكومة، يلماز السينمائي الكردي المبدع الذي يمتد في الإبداع إلى تاريخ عريق بالروايات والقصص والأفلام الواقعية الخلاقة، والتي تعبر بشكل فني رائع عن مأساة شعبه ومعاناته الطويلة في ظل ظروف اجتماعية شاقة وقاسية، وواقع متخلف بائس.
رحل يلماز عن عالمنا في 9 سبتمبر عام 1984م عن عمر يناهز 47 عاماً وهو في أوج عطاءاته السينمائية الرائعة، دفن في مقبرة العظماء جنباً إلى جنب بودلير ودوموسيه في باريس، ولد في قرية (ينجه) التابعة لأضنه في الأول من أبريل 1937م وأمضى طفولته وشبابه في العمل في قطاعات الحياة المختلفة.
يلماز غوناي.. والمسيرة السينمائية
شغف يلماز غوناي بالأدب والفن وبخاصة فن السينما منذ نعومة أظفاره، ولذلك اتجه إلى إستانبول وهو لم يتجاوز 19 سنة فقط، بحثاً عن لقمة العيش، حاول في هذه الفترة أن يخطو الخطوات الأولى نحو السينما وذلك بالتقرب من السينمائيين وارتاد صالوناتهم، يتحدث غوناي عن هذه الفترة فيقول «عند ذهابي إلى «ستانبول وكان عمري 19 عاماً حاولت التعرف على أشهر الشخصيات السينمائية إذ كانت السينما تستهويني جداً، ولقد نجحت في محاولاتي هذه واخترقت جدار الصعوبات، وأول الشخصيات التي كان لها الأثر الحاسم في حياتي الفنية واتجاهي واختياري المهني هي شخصية المخرج الكبير (عاطف يلماز) الذي وفر لي فرصة البداية واستخدامي كممثل، وعلى مدى عشر سنوات مارست هذه المهنة بفضله».
لقد مثل يلماز في العديد من الأفلام التركية وحقق نجاحاً باهراً وأصبح فتى الشاشة الأول، وفي عام 1967م مثل أدواراً أكثر أهمية في أفلام أخرى مهمة مثل (عارف من بلاطيا) وفيلم (قوزان أوغلو) والأفلام الثلاثة المشهورة (النعجة السوداء) و(النهر الأحمر) و(القاتل الضحية) هذه الأفلام الثلاثة تم إنتاجها بالاشتراك مع المخرج الكردي الكبير (لطيف أمير عقادي).
بدأ يلماز بالإخراج السينمائي منذ عام 1966م، وعلى حد تعبيره فإنَ التحول إلى الإخراج ضرورة أملتها عليه الظروف ونمو الوعي السياسي والفني.
إنَ تحوله هذا إلى الإخراج جاء بعد إنجازه أكثر من (40) فيلماً خلال خمس سنوات بدءاً من خروجه من السجن عام 1963م، وتؤكد أفلام غوناي أهميته كمبدع وفنان كبير وأهمية المحتوى الاجتماعي والسياسي التي تضمنتها هذه الأفلام التي تأثرت في مراحلها الأولى بالمدرسة الواقعية، والواقعية الجديدة الإيطالية والتي تحولت بسرعة إلى الالتزام بقضايا شعبه ومجتمعه.
لقد مثل يلماز في أكثر من مئة فيلم وعمل مخرجاً وكان الفيلم الأول الذي قام بإخراجه هو (سيد خان) وحصل على (17) جائزة في التمثيل والسيناريو والإخراج، ومن أهم أفلامه (المرثية، الجدار، الأمل، القطيع، الطريق، حطموا الزجاج لكي تتحرر الطيور)، وفيما كان يعمل في الفيلم الأخير حال رحيله دون إنهاء الفيلم، وكان يتناول فيه أوضاع النساء والأطفال في السجون ومآسي الأكراد الطويلة، ولن يتسع لنا المجال لتناول جميع أعماله في مقالة كهذه وسنكتفي فيما يلي بالتوقف عند ثلاثة من أهم أفلامه: الأمل، يول، القطيع.
الأمل: فيلم يلماز الأول (الأمل) نال به الجائزة الخاصة للمحكمين الدوليين بالمهرجان الدولي وكان بعض النقاد قد تناول هذا الفيلم عبر الصحافة الغربية.
(يول): أو الطريق، إن هذا الفيلم هو بحق مجد يلماز الذي تحقق عالمياً بفوزه بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان 1982م مناصفة مع فيلم (المفقود) لمخرجه غوستا غافراس اليوناني، وقد كتب يلماز سيناريو الفيلم وهو في السجن وأخرجه وهو محاط بجدران أربعة معتمداً في إخراجه على تهريب قصاصات صغيرة من الورق دون عليها الإرشادات الإخراجية الأساسية، وكان ينفذها مساعده (شريف كورين) وهذا بدوره كان قد نفذ كل ما كان يكتب له غوناي شكلاً ومضموناً، وكان غوناي قد تابع إشرافه حتى المراحل النهائية للفيلم في المونتاج والدوبلاج والموسيقى التصويرية.
إنها بالنسبة له عملية صعبة حقاً وكذا بالنسبة لمنفذ الفيلم (شريف كورين) الذي عمل بكل إخلاص محافظاً على أسلوب غوناي الفني، رغم العلاقة الغيابية للمخرج تدور أحداث (يول) حول الإجازة الممنوحة (مأذونية) والتي تعطى عادة للجندي أو السجين، يتحدث الفيلم عن خمسة موقوفين يخضعون كغيرهم لأنظمة السجن حيث يسمح لهم بقضاء إجازة لمدة أسبوع خارج السجن إذ أمضوا ثلث مدة العقوبة، ينتظر هؤلاء إجازتهم بفرح ويحلمون بأوقات سعيدة خارج الجدران، ولكنهم يتعرضون لمفارقات عديدة: أحدهم يفقد أوراقه فيوقف من جديد، دون أن يصل إلى حلمه بلقاء خطيبته، وآخر لا يستطيع مشاهدة خطيبته أيضاً بسبب التقاليد البالية، والآخرون يواجهون مشاكل وتناقضات أكثر تعقيداً، أحدهم يقتل على يد شقيق زوجته، وآخر يكتشف أن الدرك (الشرطة) قد قتلوا شقيقه الذي كان يعيل أهله، فيقرر العودة للسجن، والأخير يفاجأ بموت زوجته فيستقل أول قطار يصادفه ويسافر إلى مكان مجهول.
يول، فيلم واقعي يتحدث في مشاهده وصوره الفوتوغرافية الحية عن أشياء كثيرة، ويأخذ معظم لقطاته من الشارع الحقيقي، ومن الواقع الحياتي المعاش، ليجسد بصدق وإخلاص معاناة الشعب المعرض لشتى صنوف القمع والاضطهاد.
القطيع: أثار هذا الفيلم أيضاً ضجة كبيرة في الأوساط السينمائية العالمية، ويصفه البعض بـ: (أنه تاريخ للشعب الكردي) حيث يرويه من خلال عائلته، وهي بالأساس كانت قد حدثت لعائلة جده من أمه، يربط غوناي في هذا الفلم بين صراع العائلة مع العادات والتقاليد الموروثة في المجتمع الريفي الزراعي الرعوي، وصراعهم مع النظام الرأسمالي.
ختاماً يمكن القول إن يلماز غوناي قدم نتاجاً متميزاً في السينما الواقعية الجادة وفناً عظيماً يجسد من خلاله معاناة شعبه الطويلة والقاسية والشاقة، وأثار بفيلمه (يول) ضجة كبرى في الأوساط العالمية فمن خلاله استطاع إبراز قضية شعبه المضطهد المأساوية، وتمكن من كشف إشكالات وتناقضات الواقع التركي، وذلك كله بعبقرية فذة وبإطار جمالي فائق ولو كُتب ليلماز عمر أطول لكان معجزة السينما في القرن العشرين.

ذو صلة