في صباحٍ بدا كأنه خُلق خارج الزمن، صباحٍ لا يشبه ما سبقه ولا ما سيتبعه.
كانت الغابة المطلة على حدود القرية تتنفس بهدوءٍ مهيب، ككائنٍ حيٍّ يعرف أسرار الأرض ولا يبوح بها.
هناك كان الدرب يبدأ.
طريق ضيّق يلتف كأفعى كسلى، يعبر التل والنهر ليعانق الأحراش الربيعية المزهرة لينتهي في حضن النبع.
لم يكن السباق في قريتنا مجرد حدثٍ عابر، بل طقساً سنوياً يحمل في طياته مزيجاً من التحدي، والرغبة في إثبات الذات.
خمسة كيلومترات فقط طول المسار، هكذا قيل لنا، لكنها بدت كأنها تختصر حياةً كاملة.
وقفتُ عند خط الانطلاق، أراقب الوجوه حولي.
كانت العيون مشدودة كأوتارٍ على وشك الانقطاع، والأجساد متحفزة كأنها تقف على حافة معركة.
لا أحد يتحدث، ولا أحد يبتسم.
كل شيء كان متجهاً نحو نقطةٍ بعيدة، حيث يلوح النصر كسرابٍ مغرٍ.
لم أشكّ لحظة في قدرتي على الركض.
فجسدي كان مستعداً، وعضلاتي تعرف الطريق، وأنفاسي مدربة على الاحتمال.
كنت أعرف أنني أستطيع أن أكون في المقدمة، وربما الأول.
لم أفكر كثيراً... فقط انتظرت الإشارة.
دوّت الصفارة.
واندفعنا.
في البداية، كنا كتلةً واحدة، طاقةً هائلة تتحرك كالسيل.
وقع الأقدام على الأرض كان كقرع طبولٍ بدائية، وأنفاسنا المتلاحقة تشبه زئيراً خافتاً.
كنا نركض وكأننا نهرب من شيءٍ مجهول، أو كأن الفوز هو النجاة الوحيدة من غرقٍ غير مرئي.
لكن في منتصف الطريق… حدث شيء.
صوت...
ثمة صوت...
لم يكن صاخباً، بل كان خافتاً، كهمسةٍ تعرف طريقها إلى القلب دون استئذان.
صوت ماء...
في البداية ظننته وهماً، لكنّه ازداد وضوحاً، حتى صار كأنه يناديني باسمي وحدي.
التفتُّ.
كان النهر هناك، يجري بمحاذاة الدرب، لامعاً تحت ضوء الشمس، كأنه قطعة من السماء سقطت على الأرض ولم تجد طريق العودة.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أبطئ… ثم أتوقف.
نعم، توقفت.
ليس لأنني تعبت، بل لأن شيئاً ما أمسك بكياني من الداخل.
مرّ الآخرون من جانبي، بعضهم رمقني بنظرة سريعة، وبعضهم لم يرني أصلاً.
كانوا أسرع من أن يلاحظوا شيئاً لا يدخل في حساباتهم.
أما أنا... فابتعدت قليلاً عن الدرب.
اقتربت من الماء.
كان هناك شلالٌ صغير ينساب برقة، يرمي برذاذه في الهواء كحبات لؤلؤٍ هاربة من عقدٍ مكسور. مددت يدي، ولمسته.
في تلك اللحظة، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، كأنني أستيقظ من حلمٍ طويل لم أكن أعلم أنني فيه.
جلست.
لم أقرر ذلك، بل حدث ببساطة، كأنني أنتمي إلى ذلك المكان منذ زمن.
تحت قدميّ كان هناك بساطٌ أخضر من الطحالب الناعمة كهمسات ترفرف في الأثير.
وبين السراخس الخضراء كانت زهرات النرجس الصغيرة تختبئ بخجل، وكأنها لا تريد أن تُرى إلا من عاشق أضناه الحب.
اقتربت منها.
استنشقت عبيرها، وكان ذلك كافياً جداً ليملأ خواء صدري بشيءٍ لا يشبه الهواء…
شيء يشبه الحياة الصافية نفسها.
لم أعد أشعر بالوقت.
ربما مضى، وربما توقف.
رأيت أسماكاً ملونة تتحرك بخفةٍ في الماء، وكأنها ترقص على إيقاعٍ لا نسمعه.
فوقي، كانت العصافير تنقضّ على الحشرات بحركات دقيقة، وكأنها تمارس فناً قديماً توارثته عبر الأجيال.
استلقيت على ظهري.
السماء فوقي كانت واسعة إلى حدٍ مخيف، لكنها في تلك اللحظة بدت قريبة… قريبة كأنني أستطيع لمسها، والغيوم تمارس هوايتها السحرية في الرسم، لتشكل لوحات متحركة تتشكل وتذوب.
لم أعد أسمع ضجيج السباق، ولا وقع الأقدام، ولا أنفاس المتسابقين.
فقط…
نسيم خفيف.
نبض الأرض.
وذلك الصوت الخفي… نشيدٌ قديم، ربما هو صوت الجداول وهي تشتاق للبحر منذ الأزل.
في تلك اللحظة، نسيت كل شيء.
السباق.
الفوز.
الخسارة.
حتى نفسي… نسيتها.
لم أعد أسير نحو نهاية، بل شعرت أنني في قلب شيءٍ مكتمل.
شيءٍ لا يحتاج إلى نتيجة.
وحين نهضت، لم يكن ذلك لأنني تذكرت السباق.
بل لأنني شعرت أنني لم أعد بحاجة للبقاء.
عدت إلى الطريق.
كان خالياً.
لا أحد يركض، لا أحد يتعثر، لا أحد يصرخ.
فقط آثار أقدامٍ كثيرة، تحكي قصة مرورٍ سريع….
ابتسمت.
ومشيت.
لم أركض.
لم أشعر أنني بحاجةٍ لذلك.
كانت خطواتي بطيئة، لكنها ثابتة، وكأن كل خطوة تحمل في داخلها لحظةً عشتها هناك.
وحين وصلت إلى خط النهاية.
كانت الساحة فارغة.
صمتٌ كامل.
الريح وحدها كانت تمر بين الأشجار الكبيرة لتحرك بقايا أوراق متساقطة.
على منصة التتويج كان الكأس في مكانه ثابتاً.. كما لو أنه لم يُخلق ليُمنح.
تقدمت نحوه ببطء..
نظرت إليه طويلاً، دون أن ألمسه.
لم يبدُ مغرياً كما تخيلت من قبل.
كان صامتاً..
مددت يدي...ثم سحبتها.
استدرت.
لم أحمل الكأس.
لم أنظر خلفي.
تركت النهاية هناك...
مشيت، كأن الطريق بدأ للتو...