صوتُ صفيرِ اللاقطِ يخدشُ سكينةَ الرواقِ الأزهريِّ، فيكابدُ العاملُ ترويضَ عنادِهِ. يميلُ سادنُ البلاغةِ محمد أبو موسى بجسدِهِ متفادياً الضجيجَ، ويهمسُ بلكنةِ بلديّات كفر الشيخ: (اسكتْ.. زي الزلم يعني!). ثم في التفاتةٍ باغتةٍ، وبحضورِ ذهنٍ صافٍ يلامسُ التسعينَ، يرددُ مبتسماً في وجوهِ مريديهِ: (مَا أَطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أَنَّ الفَتَى حَجَرٌ).. يرتشفُ شايَهُ، ويستأنفُ شرحَهُ لكتابِ (دلائل الإعجاز).
من هذه الأمنيةِ المستحيلةِ بالجمودِ، ينبثقُ قلقُنَا البشريُّ إزاءَ التحولاتِ.
في تفاصيلِ الحياةِ، أُدركُ أننا كائناتٌ مفطورةٌ على المفارقةِ، وتتخذُ خياراتنا اليوميَّةُ طابعاً مراوغاً لا أدَّعي التنصلَ منهُ.
قد أركنُ إلى المألوفِ وأحاججُ عنهُ، فلو تناولْتُ طعاماً مع متذوقٍ وقال: (إن لم تغمسِ التمرَ في قشطةِ القِيمرِ من ألبانِ الطائفِ فإنكَ لم تجربِ التغميسَ بعد)، لقلتُ: وهل قشطةُ المراعي ونادك قصرتا معكَ في شيء؟
ولكن، ما إن أخرجُ عن المعتادِ حتى تتلبسني نزعةٌ معاكسةٌ، ويصعبُ عليَّ ترويضُ فضولي للبحثِ عن اللامطروقِ.
عادةٌ عُرفتُ بها بين أصدقائي في السفرِ، جعلتهم يتواصون ألا يُسلِّموني (قَطَّتهم) لأنزلَ وأشتريَ لهم من تمويناتِ محطاتِ الخَطِّ، إذ يعرفون أني سأرفضُ المألوفَ وسأجلبُ لهم ما لم أجرِّبهُ وأعرفهُ في تمويناتِ الرياض. هذا الطَّبْعُ -حُميتم منهُ إن كنتم ترونهُ عِبئاً، وبوركتُم إن لم تروهُ كذلك- هو الذي يقودُ ذائقتي القرائيَّةَ، لأنساقَ خلفَ اكتشافاتٍ مذهلةٍ.
***
لا مشكل لديَّ مع مناسكِ العمرةِ في رمضان، من زحامِ صحنِ الطوافِ وتوسعةِ المسعى، فالأفرادُ مرنونَ بطبعهم، والعائلةُ يُخطَّطُ لتفويجها. المشّقةُ تكمنُ في بلوغِ الحرمِ المكيِّ، فالتوسعةُ جعلتْ مبتداهُ ومنتهاهُ واسعَ المدى، والوصولُ إلى البواباتِ يحتاجُ ساعةَ مشيٍ إن كنتُ ساكناً في (العزيزية)، وانتظارَ تفضُّلِ باصِ الفندقِ بإنزالي في أقربِ نقطةٍ يُسمحُ لهم بالتوقفِ فيها.
الحجزُ الذي خططتُ لهُ يومينِ ليوافقَ إمامةَ ياسر الدوسري، تقلَّصَ في اليومِ الثاني إلى عودةٍ لجدةَ، وصلاةٍ خلفَ نبيل الرفاعي، لتبدأَ رحلةُ الهروبِ نحو أرففِ مكتبةِ (كنوز المعرفة).
لم أزُر المكتبةَ منذُ سنواتٍ، وكمثلِ عربونِ مصالحةٍ، تنقلتُ بين جنباتها من بعدِ صلاةِ التراويحِ إلى قُبيلِ السحور.
عاهدتُ نفسي ألا أبتاعَ كتاباً تحفُّهُ توصيةٌ أو يسبقُهُ ترشيح، إنما هو الاكتشافُ، ومحاولةُ التعرفِ على الكتابِ من الكتابِ.
جنّبتُ العناوينَ حتى فرزتُها في النهايةِ واخترتُ أربعةَ كتبٍ: روايةَ (في تلك الأحضان) لكامي لورنس، رواية(بونساي) لكيرستن توروب، كتابَ (سيلين) للوي فيردينان ديتوش، وأخيراً (مذكرات الحَجَر).. بالفتحِ وليس بالكسر، فالكسرةُ تحيلُ للكسرِ البشريِّ المنبعثِ من (الحجْرِ الصحي) في كورونا. قبلَ 2020 كان مُسلَّماً أن تقرأَ الحَجَرَ من الحجارةِ، ولكنَّ كوفيد غيّرَ مُسلّماتٍ، بما فيها اللغةُ وتشكيلُ الحركات.
***
قرأتُ الأولى والثانية، وتوقفتُ عند المذكرات. حلفتُ ألا أبدأَ بـ(سيلين) إلا بعد الانتهاءِ من مراجعتي هذه. لكني وجدتُ (مخرجاً شرعيّاً)، كتبتُ مسودةَ المراجعة، وشرعتُ في (سيلين)! هذا العملُ، للطبيبِ والروائيِّ الفرنسيِّ؛ جَبَرَ كسرَ قراءتي السابقةِ لعملِهِ (موت بالتقسيط)، وعلَّمني كيف تخدعُنا الترجمات، فقد أظنُّ أنني تعرَّفتُ على كاتبٍ وقرأتُ عملهُ، بينما في الحقيقةِ أقرأُ حجاباً يحولُ بيني وبين الأصل. كتابُ (سيلين) بترجمةِ غازي أبوعقل أزالَ الحجابَ، وأدخلني عالمهُ المترامي حتى تقاطعتُ مع الكاتبِ الذي طالما أشار إليهِ كناوسغارد.
***
شارفتْ مكتبةُ (كنوز المعرفة) على الإغلاقِ بحكمِ فتراتِ العشرِ الأواخر، خرجتُ لأُدركَ أنَّ في الحياةِ مباهجَ مُخبَّأةً، لا تتكشَّفُ إلا لمَن يمتلكُ فضولَ الانتباهِ، بمنأى عن اللهاثِ الذي يغتالُ اللحظة. إنها حريّةُ التعرُّفِ، قد تكونُ ضريبتُها التخبُّطَ، لكنَّ هِبتَها هي إغناءُ التجربةِ لتكونَ ذاتيةً وشديدةَ الخصوصية. مُتسلِّحاً بهذهِ الحريَّةِ؛ صُدمتُ بأنَّ جوارَ المكتبةِ كنزاً لا يقلُّ عنها، وهو دارُ (المنهاج) بأدوارها. ويكفي أنَّ بائعَ الكتبِ تهللَ وجههُ لما سمعني أبحثُ عن كتابِ القرطاجني (منهاج البلغاء)، ففزعَ وأتى بهِ من المستودعِ، وحرصَ أن يسلمهُ قبلَ سفري وعودتي.
***
عادةً ما أقعُ على مثلِ هذه الأعمال في نهايةِ العام الميلادي. بدأتُ بروايةِ (الرقة) لدافيد فونكينوس، وقبلها (أبجدية الصباح) لأليس ريفاز، وها أنا أختمُ بـ(مذكرات الحَجَر)، فهل أنا موعودٌ بعامٍ من الاكتشافاتِ القرائيةِ التي صادفَ أنَّ شخوصها الرئيسةَ من النساء؟
وقوعي على المذكراتِ من بركاتِ الشهر الكريم وتوفيقاتِهِ، إذ أتساءلُ: ماذا فعلتُ لأُكافأَ بهذا الجمال؟ وهنا لا بدَّ من تحيةٍ لترجمةِ نوال لايقة، التي من فرطِ انسيابيتها وإحكامها، تكادُ توهمكَ بأنها تتدخلُ لتبتكرَ وتُعيدَ الصياغة، لولا يقيني بأنَّ المترجمةَ الحصيفةَ تملكُ من أدواتِ اللغةِ ما يمنعُها من الخيانة، ويمنحُها القدرةَ على تطويعها.
***
أثارَ العملُ جدلاً حولَ هويتِهِ الجغرافيةِ، فبسببِ جنسيةِ كارول شيلدز المزدوجة، نافست الروايةُ على البوليتزر الأمريكية وجائزةِ الحاكمِ العام الكنديةِ واقتنصتهما معاً. كما رُشحتْ للقائمةِ القصيرةِ لجائزةِ البوكر العالمية عام 1993، والتي حصدها رودي دويل. هذا الفوزُ الموازي يدفعني للبحثِ عن عملِ دويل (بادي كلارك ها ها ها) المترجم حديثاً عن المحروسة، لأرى: هل كانت المنافسةُ أمامَ عملٍ يُحترم، أم أنَّ اللجنةَ أخفقت؟ فالزمنُ وحدهُ كفيلٌ بالإشارةِ للمطففينَ الذين هم عن تقييمِ الجمالي ساهون.
***
كيف يُكتبُ كتابٌ يلامسُ مناطقَ جغرافيةً شاسعةً، ويمثلُ شرائحَ متقاطعةً، وتقرؤهُ أجيالٌ فيجدونَ أنفسهم فيه؟
كتابٌ يُغني المؤلفةَ عن أن تكتبَ بعدهُ، ويحجزُ لها مكاناً في الأدبِ دونَ استجداءٍ لصكوكِ القبول.
طلبتُ من صديق أن يقرأَ العملَ وأنا في منتصفها، ففاجأني بأنهُ بدأَ بها من قبلُ ولم يُكملها! لم أُصدق. أمرتُه، بكلِّ دكتاتوريةٍ، أن يمنحها فرصةً أخرى، وأضفتُ: (ويا سلام لو تقراها في أجواء نسناسية وحولك زهور). أعرفُ أنَّ هذه الرومانسيةَ مُنفرةٌ، وأحترمُ وجهةَ نظرهِ، لكني سأكذبُ إن قلتُ إني لا أشكُّ بجدوى ذائقةِ مَن يرى أنَّ عملاً كهذا غيرُ جديرٍ بالقراءة.
***
الجميلُ يبقى جميلاً مهما تقادمَ الزمن، وهو امتدادٌ لما سبقهُ. لي قريبةٌ، كلما رشحتُ لها فيلماً، سارعتْ لقراءةِ تاريخِ إنتاجه وتعريفه، فإن مرَّ عليهِ عامٌ أو عامانِ رفضتْ مشاهدتهُ واصفةً إياهُ بـ(القديم) (وهي بالمناسبةِ عادةٌ لا أُوصي بها، فهل هناك لمحةٌ توفي مسلسلاً كـBreaking Bad؟). أشعرُ بالهرمِ عندما تُوصَمُ أعمالُ التسعيناتِ بالكلاسيكية.
جاء في وصفِ الروايةِ أنها: (بانوراما للحياةِ في أمريكا الشماليةِ)، وهو اختزالٌ لا يفي العملَ حقّهُ، فأيُّ فيلمٍ يمكنهُ إيصالُ تجربةِ قراءةِ (مذكرات الحَجَر)؟ وحدها القراءةُ.
***
تجاوزتُ، منذ زمن، وهمَ أنَّ الكاتباتِ المعاصراتِ لا يكتبنَ أدباً رفيعاً، فبعدَ مارغريت يورسنار وأليس مونرو؛ ها هي كارول شيلدز تخرجُ لنا أدباً يُمثِّلُ الدرّةَ في تاجها. قبلَ هذا العمل، كانت تُعاملُ بأنها كاتبةِ (رواياتٍ نسائيةٍ) محلية، وبعدهُ أضحتْ رمزاً عالميّاً للروايةِ النفسيةِ الرصينة. ولعلَّ كتابتها لهذه المذكراتِ في أواخرِ الخمسيناتِ من عمرها، هو ما منحَ النصَّ نضجاً واصطباراً، وتصالحاً مع فكرةِ الفناءِ، حيث يُمحَى ألقُ البداياتِ أمامَ شحوبِ النهايةِ ومنغصاتِ الهَرَم.
***
كيف امتلكتُ زمامَ الجرأةِ لأقفزَ بين الصفحات، وأدعَ الكتابَ جانباً، إن لم أجدْ نفسي في صفحاتهِ الأُوَلْ؟
مثل هذه الكتبِ، علّمت ذائقتي الإقدامَ وعدمَ الالتفات، وإن أجمعوا على مدحها أو ذمها. فشيلدز تلعبُ ببراعةٍ على وترِ الراوي غيرِ الموثوق، مؤكدةً أن بطلتها دايزي (تفرضُ صوتَ المستقبلِ على أحداثِ الماضي، مُسبّبةً كلَّ أنواعِ التحريفِ والاضطراب).
(الفراغُ في قلبِ السيرةِ) من مكملاتِ العملِ وحيويتهِ، فرغمَ محوريةِ (دايزي)، تبدو غائبةً عن حياتها الخاصة، ومجردَ مُراقبٍ تتراكمُ تفاصيلُ الحياةِ فوقهُ كما تترسبُ المعادنُ في الحَجَر. هذا التحركُ السرديُّ في المساحاتِ العمياءِ و(أنصافِ الفراغات)، يُحيلني مباشرةً إلى تكتيكِ (شيطانِ بياتشينزا) سيموني إنزاغي مدرب الهلال. فكما يعتمدُ السيد إنزاغي على اللامركزيةِ والتبادلِ المستمرِ لمواقعِ اللاعبين لاستثمارِ الفراغ، تفعلُ شيلدز الشيءَ ذاته عبر تكتيكِ التمريرِ بين الضمائر، فهي تنتقلُ من (أنا) إلى (هي) إلى (نحن) في الفصلِ الواحد. هذا التبادلُ المراكزيُّ يكسرُ رتابةَ السردِ الذاتي، ويملأُ الفراغَ الذي تركتهُ البطلة، ليُرينا كيف يُبصرها الآخرونَ في تحولٍ هجوميٍّ طوليٍّ يخطفُ ذهنَ القارئ.
***
هذه السيرةُ المتخيلةُ تُذكرني بأنَّ الأدبَ فعلٌ تأسيسيٌّ للحضارةِ، لا يكتفي بعكسِ الواقعِ كمرآة، بل يتجاوزهُ ليخلقهُ. الكاتبةُ هنا كأنها (جهازِ رصدٍ زلزاليّ) تلتقطُ الإرهاصاتِ والقلقَ العائمَ الذي لم تتشكلْ ملامحهُ بعد، لقد أخذت ذلك الشعورَ المبهمَ وأخرجتْهُ من عصابهِ الفرديِّ الضيقِ إلى براحِ الوعي الجمعي. هنا تتجلى المفارقةُ الموجعةُ التي أعيشها، وأنا ابنُ عام 1990، مع روايةٍ كُتبت عام 1993 لتشرحَ همومي الآنية، في حالةِ تزامنٍ مُرجأ، إذ نختبرُ اليومَ ارتداداتِ التغيراتِ التي عصفتْ بهم في الأمس، ولأنَّ المشاعرَ الإنسانيةَ واحدةٌ، فإنَّ النصَّ الذي كُتبَ (هناك) يختبرُ آلامنا (هنا) قبل أوانها، ويقفُ كنبوءةٍ عاطفيةٍ تُشرّعُ أبوابها لتشريحِنا.
***
وليس الأمرُ تفوقاً للأدبِ الغربي، بل هو تراكمٌ وجرأةٌ في اختبارِ المشاعرِ دون رقابةٍ مُسبّقة. هذا الاكتفاءُ الثقافيُّ يفسرُ ما يُطرحُ حول تدني نسبةِ الأمريكيينَ حملةِ جوازاتِ السفر (سواءً أكانت 17% كما نقل د.عبد الله النفيسي في بودكاست محفوف، أم قاربت 40% كما تشير تقديرات 2026). الفكرةُ أنَّ أمَّةً تمتلكُ نصوصاً كـ(موبي ديك)، (التصحيحات)، (4321)، و(مذكرات الحجر)، تسافرُ في أعماقِ الإنسانِ؛ لا تحتاجُ لمبررٍ لزيارةِ أدبٍ يقلدها. وهنا يكمنُ رهانُنا، أنْ نتحصَّنَ بأصالتِنا، فهي فعل وجودٍ وأمنٍ هوياتيٍّ، وليس محاولةً لاستجداءِ القبول. فالسعيُ لأن نكونَ (مقروئين) عبرَ محاكاةِ قوالبِهم ليس سوى رهانٍ على يانصيبِ الاعتراف، فألّا نكونَ مقصدَهم؛ فتلك مسافةٌ لم يقطعوها بعد، أما أن نتبدد في الطريق إليهم، فنحن لا نورث للعالم إلا أصداءً.
***
ذوبانُ الفواصلِ بين الفنِّ والحياةِ، هو ما دفعني لطرحِ سؤالٍ في تويتر عام 2021 عن: (أجمل قصةِ حبٍّ، وإن لم تكن المحورَ الرئيسَ في العمل). وكان محركي وقتها إعادة مشاهدة مسلسل (The Office) للمرة العاشرة، وتحديداً قصة مايكل سكوت وهولي، حين قال: (أنا وهولي مثل روميو وجولييت، وهذا المكتبُ مثلُ التنينِ الذي فرّق بيننا).
هذا الالتقاطُ للجمالِ في أكثرِ الأماكنِ رتابةً (مكتب للورق)، هو ما تصنعهُ شيلدز في روايةِ أجيالٍ كأنها كُتبتْ كتلةً لم يعبثْ بها محررٌ ولا ناشر. ولو فُتحت (مذكرات الحجر) عشوائياً، لربما ظُنَّ ببعضِ صفحاتِها أنها مستلّة من كتبِ تطويرِ الذات، لكنَّ التوغّلَ في نسيجها يكشفُ عن قوامٍ فنيٍّ يتجاوزُ التفاؤلَ الساذج، ليغدو محاولةً لاستمرارِ الحياةِ وسطَ ركامِ الخيبات.
ورغمَ الإسهابِ في رسائلِ الفصلِ الرابع، حافظتِ الروايةُ على كوامنِ التَّحنانِ، مُتسائلةً عن معنى اسم (دايزي): (عينُ اليوم... زهرةٌ دائرية محاطة بالأهداب تحدقُ نحو الأعلى). هذا التحديقُ العنيدُ، يُحيلني إلى كتابِ (فطر نهاية العالم) لآنا تسينج، حيثُ يُتخذُ (الماتسوتاكي) -الذي ينمو في الغاباتِ المدمرة- عدسةً لفهمِ (التشابك)، مانحاً إيانا لغةً لندركَ كيف تنبثقُ الحياةُ من الأنقاض.
هكذا تتوارى شيلدز خلفَ بطلتِها لتستخلصَ الفنَّ من رحمِ المكابدة، وهو ما قصدهُ لوي فيردينان ديتوش (سيلين) حين كشفَ عن ثمنِ ولادةِ النص:
(كل نتاج أدبي - أياً كان ولو أنه الأجمل، بل وكلما ازداد جمالاً - فهو ليس إلا عملاً يقوم على الاستبدال [استبدال المكان] وعلى التوهمات المصنوعة بدقة رهيفة، يَقدّها ويبريها في المادة المختلجة التُّشَنُجية التي شكّلَتْ حياتَه).
***
أردتُ إرفاقَ المراجعةِ بتغريدةٍ اعترفتُ فيها باشتعالِ ذاكرتي أمامَ (سيلين) و(مذكرات الحجر)، لعلَّ قارئاً يقفُ في منطقةِ (البين-بين) يُقدمُ ويقرأ. ولأستعيدَ تلك الحمولةَ الفاجعةَ للزمنِ حين تُعرّي شيلدز وهمنا عن براءةِ الماضي ومثاليةِ الأسلاف:
(عندما نفكر بالماضي نميل إلى الاعتقاد بأن أناسه كانوا أبسط سلوكاً.. ونعتبر، بديهياً، أن أسلافنا كانت لهم غايات أكثر نقاء مما لدينا الآن.. لكن هذا بعيد كل البعد عن الصحة. فهؤلاء الذين سبقونا كانوا، في تمردهم وغموضهم، يشبهون تماماً أناس هذا العصر... نَمَوْا من الجذرِ الملتوي ذاته).
من الجذرِ الملتوي ننمو جميعاً، نكابدُ الأيامَ، وتُربكنا التصدعات، ولا ننجو من قسوةِ هذا التكرارِ الإنسانيِّ إلا باقتناصِ ومضةِ فنٍّ مُخبّأة، نُرمِّمُ بها ما تساقطَ منّا في زحامِ العمر.