مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

ظل بلا ألقاب

في مساءٍ رماديّ من شتاء على الأبواب، جلستا في مقهى مُطلّ على مدى فسيح، تتبادلان الشكوى والأخبار والهموم والتحليلات والنميمة التي لا بدّ منها.
عندما انتهت وصلة الثرثرة العبثية المعتادة كاستهلال لكل جلسة مقهى، ساد صمت ووجوم، ونظرٌ إلى اللاشيء، قطعته ريم، وهي تحرّك ملعقة فارغة في فنجان قهوتها بتوتر:
- بشرى، قولي لي بربّك، ما الذي ينقصنا؟ نحن نعمل، ورواتبنا ممتازة، ولسنا أقلَّ جمالاً ممّن تزوجن من زميلاتنا. لِمَ لا يتقدّم لخطبتنا أحد؟ ما يُعمي الرجال عنّا؟
هزّت بشرى رأسها بأسى، وأجابت بنبرة موجوعة:
- لا أدري. أشعر أننا بلا حظّ. أو أننا نُخيف الرجال بشهاداتنا، أو بأعمارنا. يبدو أننا سنظل أوانس... عوانس!
ضحكت ريم، ضحكة قصيرة بلا روح، ثم صمتت وهي تتابع ذبابة حطّت على حافة فنجان بشرى.
ريم وبشرى، زميلتان في الحياة أكثر من كونهما زميلتين في جامعتين مختلفتين. تجمعهما الشهادات العالية، والعمر المتقارب، والوحدة الصامتة، والضحكة المكسورة. تلتقيان بين الحين والآخر، لا حبّاً أو شوقاً، بقدر ما هي رغبة بالفضفضة والتنفيس.
في سريرها تلك الليلة، كانت ريم تلتفّ في لحافها كطفلة خائفة من الظلام. كانت قد بلغت الأربعين، لكنها لا تزال تبحث عن لحنٍ يشبهها.
في الخارج، كانت السماء تمطر بهدوء، وفي داخلها، كان القلب يضجّ بأسئلة خرساء: ما الذي ينقصها؟ صحيح أنّها ليست فائقة الجمال، لكنها جميلة ومرحة، ولا يعيبها شيء. إذاً أين المشكلة؟! أين الخلل؟! ألا نهاية لهذا الظلام الذي يأبى أن ينقشع؟!
تذكّرت دعاء أمّها الذي سمعته دون قصد ذات ليلة:
- اللهم استرها، وارزقها زوجاً يسعدها ويعوضها خيراً.
تألمت من كلمة (استرها)، لم تكن (مفضوحة) لتُستر! لكنّها أدركت أنَّ الأمّهات ينطقن من حبّ لا من منطق. وأنَّ الزواج (ستر وغطى) كما يقولون.
أسرّت في قلبها:
- آمين... آمين... حضن وطفل يخصني يا رب. كفٌّ صغيرة تلوّح لي من حافلة مدرسية، مودعة على وعد بالإياب.
تفرح ريم كثيراً عندما ترى طفلاً في حضن أمّه أو رفقة أبيه، لكنها سرعان ما تشعر بالنقص والحرمان.
وفي حفلات التخرّج السنوية التي تحضرها في جامعتها كعضو هيئة تدريس، كانت سرعان ما تغيب، تتخيل ابنها واحداً من هؤلاء الخريجين المزهوين بالإنجاز، وهم يلوّحون لأهلهم فخراً وفرحاً. ولطالما تساءلت:
- متى يأتي اليوم الذي أصفق فيه لابني لا لطالبٍ مرّ عليَّ كطيف عابر؟
ليالٍ كثيرة انقضت وريم تعاني الأرق والسهاد من فرط التفكير في حالها وأحلامها، وتبخّر آمالها بأسرة جديدة، وحظوظها بالزواج التي تقلّ إن لم تكن تبدّدت إلى الأبد.
في اجتماع ضمّها مع شخصيات كثيرة خارج الجامعة، التقت أكرم، رجل أعمال وسيم وأنيق ومرح ولبق. عيناه تشعّان بحضور فريد. علمت فيما بعد أنّه فقد زوجته منذ سنوات، وله عدّة أولاد يدرسون في جامعات مختلفة، وكثير الأسفار بحكم عمله.
بعد أسابيع قليلة، زارها في مكتبها دون موعد، وبعد حديث عن الحال والأحوال، قال بلهجة صريحة ومباشرة:
- دكتورة ريم، أتشرف بطلب يدك للزواج إن لم يكن لديك مانع. لا ينقصني شيء إلا امرأة تشبهك.
فوجئت بعرض لم تتوقعه. لم تردّ. وعدته بالتفكير.
في المساء، اتصلت ببشرى، أخبرتها باختصار عن أكرم، فردّت مستنكرة:
- رجل بلا شهادة جامعية؟! لا يليق بكِ يا ريم أن ترتبطي برجل غير متعلّم مهما كان غنياً ومرموقاً، أنسيت أنّك دكتورة، وعلى وشك أن تتبوئي عمادة الكلية؟!
لم تُجادل ريم صديقتها، لكنها شعرت أنَّ بشرى لم تفرح لها، بل خذلتها. كان بإمكانها أن تسايرها وتترك الباب موارباً دون أن تطرقه بعنف، وتساءلت في سرّها: ماذا يعيب رجلاً مثل أكرم أنّه لا يحمل شهادة جامعية؟! إنّه يُتقن ثلاث لغات، وهو مثقف يتمتع بفكر ثاقب ووعي وبصيرة لا تخفى على أحد. ورجل مثله عرف مئات النساء هنا وهناك، ووقع اختياره عليّ، جدير بالاحترام، ويعني بلا شك أنّه رجل جدي وملتزم ونظيف.
فكّرت كثيراً...
- أريد طفلاً لا منصباً. ظلّاً لا شهادة، حضناً لا لقباً. لا أريد زميلاً جامعياً آخر، فلدي منهم العشرات.
وتساءلت في سرّها مستنكرة:
- هل من متطلبات الأمومة أن يكون الزوج المنتظر أستاذاً جامعياً؟!
وفي المنام، رأت نبتة صغيرة زرعتها بيدها، وسرعان ما نمت وكبرت، حتى غدت شجرة باسقة، وعلى أغصانها عصفور صغير يُغرّد: (ماما... ماما...).
استيقظت خفيفة نشيطة، والفرح يملأ صدرها كنسيم في صباح نديّ.

ذو صلة