بلغني أن صديقي أطلال نزيل المستشفى، وأن أيامه باتت معدودة. في الشوارع اشتباكات مسلحة، وأصوات إطلاق نار تُسمع في أنحاء متفرقة من المدينة، فلازم معظم السكان بيوتهم.
آنذاك -خريف 2014- اقتحم العاصمةَ المقاتلون الحوثيون القادمون من أرياف شمال البلاد، وجعلوا النظام الحاكم منذ عقود يحتضر.
عند البوابة إجراءات أمنية مشددة، الجنود متوترون، وأياديهم على الزناد، يتلفتون إلى كل الجهات، وروائح عرقهم تفضح رعبهم.
خمنتُ أنه قد جرى إسعاف جرحى من الفرقة الأولى مدرع، وأنهم يخشون هجوماً مباغتاً لتصفية الجرحى في أسرتهم.
في الطابق الأرضي ضوضاء عارمة وزحام ورائحة مطهرات. سألت موظف الاستقبال عن غرفته، ثم اتجهت إلى المصعد. وأنا في الانتظار، انفتح المصعد الكبير، وخرجت جماعة وهم يدفعون جثة. تناهى إلى سمعي أنه توفي برصاصة قناص أتت من تبة مقابلة للمستشفى.
صعدت إلى الدور التاسع، مشيتُ باتجاه الجناح الفخم الذي يرقد فيه صاحبي. لاحظتُ الهدوء التام والنظافة وأريج العطور، وكأنما في طرفة عين انتقلت إلى قارة أخرى.
جلبت معي الحمضيات، لا أدري إن كان مسموحاً له بأكلها، في شبابنا كان مولعاً باليوسفي، ويفضله على سائر الفاكهة.
كان ممدداً على السرير والمحاليل موصولة بوريده، ملتفتاً إلى النافذة العريضة يتفرج من وراء الزجاج على المدينة العتيقة الرابضة تحته في قاعٍ يشبه سبورة تناوب الطلاب القافزون من الأسوار على الشخبطة فيها.
نبهه المرافق إلى حضوري، ركز نظراته عليّ لبرهة، وحين عرفني تألقت عيناه ببريق دهشة:
- هاه.. منصور.. أنت هنا.. أخيراً تذكرتني!
- كيف حالك يا أطلال.. أنت في البال دائماً.
آلمني منظر وجهه الذي تغضَّن وفقد نصف كتلته. حشرتُ الهدية في أحد أدراج الخزانة، وجذبتُ كرسياً وقعدتُ بقربه.
- أنا أموت يا منصور.. يحقنونني بالمورفين حتى ينتهي الأمر.
اقترحتُ عليه السفر إلى ألمانيا أو بريطانيا، فربما يجدون علاجاً لحالته. عبرت طائرة مدنية فوق المدينة على ارتفاع منخفض، قال وهو يخدش الزجاج بظفر سبابته:
- إنهم يفرون.. يذكرونني بالطلاب الذين يتدافعون للخروج من البوابة في نهاية الدوام.. لا أحد يريد البقاء هنا.
غيّر الموضوع، محاولاً التماسك وإخفاء كمده، وحوّل نظره إلى مرافقه الذي راح يلهو بجهازه اللوحي.
قلت له كلمات أرفع بها معنوياته، بدا لي شارداً لا يسمعني، حسُّه غائب.
أدركتُ أن الموت قد قال كلمته، وأيّ ثرثرة مجاملة ضد هذه الكلمة لن تغيِّر الواقع.
أتت الممرضة، بدَّلت القربة الموشكة على النفاد بقربة أخرى، وحقنتها بمصلٍ، غمغمتْ إن كان محتاجاً لأيّ شيء، صرفها بإيماءة بطيئة لا تكاد تلحظ من رأسه.
بعد برهة صمت، زفر آهة حرى:
- آه.. أتَذْكُر الكلام الذي قلته لي قبل عشرين عاماً، حين كنا نُدرِّس في مدرسة الفكر الحديث؟
- لا.
- قلت لي: الطالب الذي يدفع لك اليوم لينجح بالغش سيقتلك غداً.
أنكرتُ أني قلتُ هذا الكلام.
نظر إلى البعيد، إلى ماضيه، واستأنف حديثه:
- تحت ستار الظلام كنت أستقبل الطلاب من العائلات الميسورة سراً في بيتي، أسرب لهم أسئلة امتحانات المواد التي أدرسها، ويتركون لي تحت الفراش مظاريف دسمة.
- كنا فقراء يا صاحبي، رواتبنا لا تكفينا، ونحن لسنا ملائكة.
- لكن أنت رفضت.. لهذا حقدتُ عليك وأوقعتك في تلك المشكلة..
تذكرتُ حادثة قديمة.. انتحر طالب في الصف الثالث ثانوي، وبطريقة غامضة وصلت إلى مكتب مدير المدرسة رسالة بخط اليد موقعة باسم الطالب المنتحر، يحملني مسؤولية انتحاره.. بسرعة تفشّي الحريق انتشرت القصة واتهموني باغتصابه! أراد أهله قتلي، بُرِّئتُ لأن خبير الخطوط في البحث الجنائي أثبت أن الخط في الرسالة لا يطابق خط الطالب المنتحر. لكن ظلت هذه المكيدة تلقي بظلالها على سمعتي لسنوات.
- كنت أعلم ولم أتكلم.. هوّن على نفسك.. أنا سامحتك، صدقني ليس في قلبي لك سوى المحبة.
اغرورقت عيناه بالدموع، بحث عن يدي فأمسكت بيده، تكلم بنبرة متهدجة:
- أعلم أنك ما زلت تعيش حتى الآن في بيت بالإيجار.. هذا الوطن قاسٍ على الشرفاء.
- لا يهم، ما دام المرء متمتعاً بالصحة.
خرجت مني الكلمات دون تفكير، ثم ندمت أني قلتها، لأن التأثر بدا واضحاً على صفحة وجهه.
- سأتركك لترتاح.
لم يفلت يدي، وظل بصره معلقاً بها:
- واحد من أولئك الصبية الذين غششتهم صار طبيباً.. قبل ثلاثة أشهر لا غير دخلتُ إلى المستشفى لأجري فحوصات وأنا أمشي على قدمي، ثم خرجت وأنا على كرسي متحرك.. لم أكن أعلم أنه تلميذي.. ولو علمت قبلاً لما وضعتُ قدماً في تلك المستشفى.. سمعته سيئة.. ارتكب مئات الأخطاء الطبية.. عندما عرَّفني بنفسه قال بفخر إنه توصَّى بي!
أراد أن يضحك فلم يقدر، واختنق بالبلغم الذي سدَّ حلقه، فسعل بقوة وتحشرج تنفسه. رفع الفتى رأسه عن شاشة جهازه وهرع خارجاً.
- هواء.. افتح النافذة.
سارعت بتلبية طلبه، ولأنني أخرق صدمت أنبوبة الأوكسجين وأوقعتها على الأرض، أعدتها إلى موضعها، ثم اتجهت إلى النافذة، دخلت الممرضة وخلفها المرافق، رأتني لم أفلح في فتح النافذة، فأزاحتني وفتحتها، تطاير الغبار ودخلت ذبابة تلتها رصاصة استقرت في ناصيتها وأردتها على الفور.
ذعر الفتى وارتمى على الأرض، كنت مصدوماً وتجمدت في مكاني، وأما صديقي المحتضر فشخر وندّت عنه ضحكة مريبة..
احتجت عدة أسابيع بعد وفاته وانقضاء حزني على الممرضة لأفهم مناورته الأخيرة وأشاركه الضحك.