مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

حكايات التكاذيب.. سريالية الأدب الشعبي

(من يكذبُ أعظم كذبة يحظى بالرغيف كله)! تبدأُ مجموعة من حكايات التكاذيب الشعبية بعبارات افتتاحية شبيهة بهذا النص، وفيها إعلان المتكلّم للتحدّي بالخروج من دائرة المنطق والمعقول، واستعداده التام للسفر بعيداً إلى عوالم مُتخيّلة عجيبة، ويُصرّح في كلامه بأنه قادرٌ على مَدِّ حبل الكذب القصير إلى أقصى حدٍّ ممكن، وذلك في سبيل إثبات مهارته في اختلاق الأحداث المستحيلة وتأكيد أنه صاحب (أعظم كذبة)، وهو، أيضاً، الأجدر بالفوز في مسابقة التكاذب والأحقُّ بالجائزة المتّفق عليها. وقبل عرض نماذج من التكاذيب الشعبية، في تراثنا السعودي وفي التراثين العربي والعالمي، نُذكّر بتعريف الدكتور عبدالله الغذامي للتكاذيب، التي منحها عناية فائقة في عدد من مؤلفاته بوصفها جنساً أدبياً، فعرّفها في (الجنوسة النسقية) بأنها: (جنس يقوم على التكاذب، لا بمعنى الكذب.. وفعل التكاذب هو تواطؤ بين اثنين يقومان معاً بإنشاء محادثة خيالية، لا تأخذ بشروط الصدق والواقع والمنطق، ويشتركان معاً في مباراة مجازية، كل واحد منهما يعلم علم اليقين أنّ صاحبه غير صادق فيما يقول).
ونلاحظ في أحد أشهر نماذج (تكاذيب الأعراب)، أورده المبرِّد (ت285هـ) في (الكامل في اللغة والأدب)، أن التكاذب بين الأعرابيين كانت غايته حسم مسألة الأبرع في مهارة الكذب، وأنّ النص يفتقر لعبارة إعلان تحدّي التكاذب (التي ربما أهملها الراوي)، إضافة لعدم الاتفاق على جائزة مُعينة للأكذب. وفي النص أنّ أعرابيين تكاذبا فقال أحدهما: (خرجتُ مرة على فرس لي، فإذا أنا بظُلمة شديدة، فيمّمتُها، حتى وصلتُ إليها، فإذا قِطعةٌ من الليل لم تنتبه، فما زلتُ أحملُ عليها بفرسي حتى أنبهتُها، فانجابت! فقال الآخر: لقد رَميتُ ظبياً مرّةً بسهم فعدلَ الظبي يمنةً، فعدلَ السهمُ خلفَه، فتياسر الظبيُ، فتياسر السهم خلفَه! ثم عَلا الظبيُ فعلا السهمُ خلفه، ثم انحدرَ فانحدرَ حتى أخذه)!
يا كبر الذيب!
ولا بُد للناظر في مدونات التراث الشعبي السعودية من مُطالعة العديد التكاذيب النثرية والشعرية على غرار نص الأعرابيين، ففي أحد الأمثال الحوارية المدوّنة في (الأمثال الشعبية في قلب الجزيرة العربية) للشيخ عبدالكريم الجهيمان (ت2011م) ورد مثل: (قال: يا كبر ذا الذِّيب، قال: يا طُول ذنبه)، وفي شرحه بأن الأول كاذبٌ ولم يُشاهد ذئباً ضخماً في الواقع، فأراد (الثاني أن يجاريه مبالغة في التهكم به)، وكتب الشيخ بأن المثل يُضرب (لإشعار محدثك بأنك تعرف أسرار كلامه وانحرافه) بأسلوب مُهذّب، فهو (يخبرك بخبر كاذب فتشتق من خبره خبراً آخر هو أكذب من خبره). فالمثل يشير بوضوح إلى ممارسة معروفة بين فئة من أفراد المجتمع يكذب فيها شخصٌ فيجاريه آخر بكذبة أكبر، وتلك هي (التكاذيب)، أو ما يُسمى عالمياً (حكايات الكذب) أو (مسابقات الكذب).
وعنصر المبالغة في تضخيم أحجام الحيوانات والأشياء، مثلما رأينا في المثل، هو الأساسي والأكثر حضوراً في بناء التكاذيب، وتُعدُّ قصيدة الشيخ تركي بن حميد في تصوير بعير أسطوري طائر أشهر نماذجها الشعرية توظيفاً لهذا العنصر في أدبنا الشعبي، إذ وصف بعيراً ضخماً بأوصاف عديدة، من بينها: أنه قادرٌ على الطيران وقطع المسافات الطويلة سريعاً، وحينما يعطش لا يرويه سوى شرب ثمانين بئراً. ويتجلى هذا العنصر، أيضاً، في النماذج المحدودة التي نُلاحظ أن الباحثين في المناطق الغربية من المملكة العربية السعودية (منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة تحديداً) هم الأكثر عناية بتدوينها.
القمر العالق
ربما يكون الأستاذ عاتق بن غيث البلادي (ت2010م) أبرز من اعتنى بأدب التكاذيب في تراث السعودية، إذ دوّن عدداً منها تحت عنوان (من قصص الكذّابين) في كتابه (الأدب الشعبي في الحجاز)، ومهّد لها بمقدمة رأى فيها بأن أفراد الشعب يلجؤون للتكاذب (للتفكه والترويح عن النفس)، ثم كتب عن (المغزى النفساني) المحتمل لها وهو الرغبة في تنبيه الأبناء إلى وجود الفاضل وغير الفاضل في الحياة، ويعني بذلك وجود الصدق والكذب.
ومن النماذج التي نقلها نصٌ يحكي عن اجتماع رجلين أحدهما من قبلية (حرب) والآخر من قبلية (شمّر)، فبعد أن اشتكى الأول للثاني من الأرق وقلّة النوم سأله عن السبب، فقال الحربي: (عندما أردت أن أنام البارحة فإذا القمر يطلع على رأس جبل ورقان، فإذا هو ناشب في قتادة هناك! فصعدت إليه فما خلصته إلا وقد مضى من الليل معظمه، وعندما هبطت إلى السهل كانت الشمس قد أشرقت، فإذا بقطعة من الليل ضالة، فسقتها حتى ألحقتها بالليل). وبعد انتهائه من سرد كذبته أخبره الشمري بأن ما مرّ عليه سهل جداً مقارنة بما حدث له، وانطلق في رحلة الكذب قائلاً: (كنا في قافلة فهدر القَيّدة «الجمع الأول في القافلة» فأظهر لهاته فانقضّ عليه نسر فأمسك بلهاته وصعد به إلى السماء وصعدت كل القافلة التي كانت مقطورة فيه، فعمرت غليوني فلما تكاثف الدخان فوق رأسي صعدت فركبته فلحقت جمالنا وعدت بها)!
لا يُصرّحُ المتكاذبان مباشرة بضخامة أحجام الأشجار أو الطيور، لكن شجرة يعلق فيها القمر لا بد أن تكون عظيمة جداً، ولا بد أن يكون النسر ضخماً بصورة مُروّعة ليتمكّن من خطف قافلة مؤلّفة من عدد من الجمال المحمّلة. وتتألّف حبكة كل كذبة من حدثين مستحيلين: فالأول رأى القمر عالقاً في شجرة فخلّصه من مأزقه، ثم رأى أثناء عودته، قطعة من الليل ضلّت طريقها، ففعل مثل فعل الأعرابي في حكاية المبرّد، إذ ساقها لكي تُدرك الليل. أما الثاني: فزعم أن نسراً انقضّ على الجمل الذي يقود القافلة فخطفه من لهاته وطار به إلى السماء، ثم ابتكر حلاً سريالياً بإشعال غليونه والصعود على دخانه الكثيف للوصول إلى القافلة واستعادتها.
وكتب البلادي أن مغربياً استمع لحديث الحربي والشمّري فقال: (أما نحن أهل الغرب ما نعرف نكذبا، نحمّل الذرة مائة أردبا، ونعلق البدرة وبعده نركبا). وأظن أن هذه الجزئية دخيلة على النص، إذ ترد باختلاف بسيط، أيضاً، بعد مُكاذبة شعرية بين شاعرين من قبيلة حرب دوّنها الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي في كتابه (من مرويات ابن قابل)، وذكر أنها جرت أثناء موسم الحج، وأن المغربي كان حاجاً يستمع إليهما، وفي بداية تلك المكاذبة صوّر الشاعر مرشد الأحمدي كيف استطاع إطلاق النار على ذئب وأصابه من مسافة بعيدة جداً يستحيل معها إصابة الهدف، فقال:
حنَّا رمينا الذيب ما اخطينا
من راس (عاصر) (للسباعية)
مطبخ التكاذيب
وكمعظم الحكايات الشعبية الخرافية تستعير التكاذيب أحداثها أو جزئياتها من بعضها البعض، ففي حكاية ثانية أوردها البلادي تجري مسابقة الكذب بين حجازي ومصري، إذ أخبر الأولُ بأن لأبيه قِدراً ضخماً (يعشّي فيه ضيوفه، صنعه سبعة نحّاسين كل منهم ما يسمع طق الآخر)، فجاراه المصري بسرد قصة هزلية تضمّنت سلسلة من الأكاذيب العجيبة، تحكي عن حمارهم الذي أصيب بجرح في ظهره، فعالجوه بأخذ النوى وإحراقه ودقّه ثم وضعه على الجرح، فنبتت في ظهره نخلة طويلة مُثمرة، وفي رأس النخلة تكوّنت روضة نبتت فيها يقطينة أثمرت قرعتين (واحدة تشبع أهل مصر صبحاً والأخرى تشبعهم مساء). واختار الراوي خاتمةً توحي بتفوّق المصري في مهارة الكذب، فعندما تساءل الحجازي مُتعجباً: (ولّ في أي شيء يطبخونها)، أجابه: (في قدر أبيك)!
وفي رواية أخرى للحكاية أوردها الأستاذ مفرج بن فراج السيد (ت2019م) في كتاب (قصص وأساطير شعبية) بعنوان (قصة الرجلين الكاذبين) يحكي الأول قصة قِدر والده الكبير بنفس التفاصيل، أما الثاني فتحدّث عن قصة التيس الصغير الذي اعتنوا به حتى أصبح في غاية الضخامة، وفي أحد الأيام هرب منهم ولم يتمكّنوا من الإمساك به وذبحه إلا حينما نشب كل قرن من قرنيه في جبلين مُتباعدين، ويختم الراوي: (فقال الأول: هذا غير صحيح، فما هو القدر الذي طبختموه به، قال: لقد استعرنا قدر أبيك).
عالم داخل بطيخة
وللحكاية السابقة تنويعات خليجية وعربية، من بينها صيغة بعنوان (الكذابون الثلاثة)، وثقها الدكتور محمد طالب الدويك في كتابه (القصص الشعبي في قطر)، وتتميز بوجود افتتاحية تُبيّن الدافع للتنافس على إنشاء أكبر كذبة، وهو عثور ثلاثة أشخاص على دينار تنازعوا عليه، فاتفقوا (أن من يكذب كذبة أكبر من زميله يكون له الدينار)، فبدأ الأول حكايته عن الديك الذي كُسرت رجله، فعالجوه بجبرها بالتمر والملح، وأدى نسيان نواة تمر إلى نمو نخلة عظيمة من رجل الديك، وعند ارتقاء والد المتكلّم إلى أعلاها شاهد جزيرة واسعة تضمُّ الكثير من الأشجار والأنهار، فمشى فيها حتى تعب، وعند جلوسه وجد بطيخة شقّها بسكّين انزلقت داخل البطيخة، فنظر في ثقبها فسقط هو أيضاً بداخلها، ثم استمرَّ بالبحث لمدة ثلاثة أيام مُتتالية، وأثناء بحثه في بطن البطيخة وجد قافلة كبيرة من الجمال مُحمّلة بالبضائع، فسأله أصحابها فقالوا له: (أنت تتحدث عن سكينة ضاعت من ثلاثة أيام، حنا صار لنا ثلاثة أسابيع نبحث عن جمل ضائع محمل بالبضائع، فعوضك يا الأخو على الله). ويُخبرنا الراوي بتنازل الشخصين الآخرين عن الدينار للكاذب الأول بسبب عجزهم عن مُجاراته. وربما قال قائلٌ بأن هذه الخاتمة تُقلّل من القيمة الفنيّة لوجود ثلاثة متكاذبين بتغييبها لصوت البقيّة، لكن الحقيقة هي أن الإشارة لعدد المتنافسين، مهما بلغ، غالباً ما تكون حيلةٌ فنيّة يؤطر بها الراوي لحكاية استعراض مهاراته وبلاغته في الكذب.
ولا تختلف الصيغة المصرية، التي نشرها الأستاذ محمد فهمي عبداللطيف (ت1984م)، عن الصيغة القطرية سوى في زيادة عدد من التفاصيل. ففي حكاية (الكذابون الثلاثة وأكبر كذبة) المنشورة في (الحدوتة والحكاية في التراث القصصي الشعبي) بدأ الكاذب الأول بشرح كيفية فقس البيضة عن ديك أبيه، ثم زيادة حجم الديك إلى درجة أن والده (العطار) كان يضع (عليه الخرج وجميع مواد العطارة ويركب عليه ويدور في البلاد)، وبعد مرض الديك وعلاجه ونمو النخلة العظيمة تكوّن في قمّتها (وادٍ تبلغ مساحته نحو فدانين)، حرثه العطار بواسطة ثورين وزرعه بطيخاً، وفي يوم من الأيام ربط وسطه بحبل ونزل إلى جوف البطيخة بحثاً عن السّكين المفقودة، فوجد ثلاثة رجال يبحثون عن جمالهم الضالة منذ عشرة أيام، وتنتهي الكذبة بخروج العطار يائساً وخائفاً من الضلال والهلاك، كما تُختتم الحكاية بإعلان فوز الأول واستسلام صاحبيه.
أين رأسك؟!
وترجم ثائر ديب حكاية أوروبية في مجموعة (الخُفّ الذهبي: حكايات شعبية من صربيا) عن تنافس رجل وصبي على الكذب، ويبدأ (سباق الكذب) بحكاية إطارية عن لقاء الصبي بشخص اسمه (أمرد) في المطحنة اشتركا معاً في إعداد رغيف صخم، فقال الرجل: (لو قسمنا الرغيف فيما بيننا لما كَفَت أياً منّا حصته، فدعنا نتبارى في الكذب، ومن يكذب أعظم كذبة يحظى بالرغيف كلّه). وقد أوجز الراوي مخبراً بأن الرجل أطلق أكاذيب كثيرة حتى أصابه الإعياء، فجاء دور الصبي ليستهلّ حكايته الخرافية القائمة على الهزل وتراكم الأحداث غير المنطقية بعبارة: (في أيام شبابي حين كنت شيخاً...)، ثم صوّر رحلته الشيّقة بحثاً عن نحلة افتقدها عند عدَّ النحل، وتنطوي الحبكة على صور نمطية ترد في التكاذيب: كامتطاء ظهر ديك، أو رؤية نحلة تحرث حقلاً، أو نمو الذرة ثم تسلقها لبلوغ السماء. إضافة إلى مشاهد خارقة أو خارجة عن المألوف كقوله: (كان الماء متجمداً، فأخذت رأسي وكسرت به الجليد.. حين رأوني صرخوا جميعاً: ولكن أين رأسك؟). وكذلك عمد الصبي إلى عنصر التناقضات الزمنية في بداية كلامه، ثم إلى قلب العلاقات الطبيعية في قوله واصفاً ما جرى عند عودته: (حين وصلت وجدت أن والدي قد وُلد للتو)!
صيد الأكاذيب
وتتسم أغلب حكايات الكذب الأوروبية بحشد كمٍّ من الأكاذيب المتسلسلة من غير إشارة لوجود تكاذب بين عدة أطراف في الافتتاحية، ففي نموذج من (حكايات الأخوين غريم)، بترجمة الدكتور نبيل الحفار، يحكي الراوي عن رحلته في (أرض الأحلام الماكرة)، ويذكر من بين الأشياء الغريبة والمتناقضة التي رآها: (شاهدتُ روما وقصر البابا معلقين من خيط حريري قصير، ورجلاً بلا قدمين يتجاوز جواداً مسرعاً)، و(بعوضتين تبنيان جسراً)، و(طفلتين تلدان عنزتين)، و(حلزوناً راكضاً يصرع أسدين متوحشين)، و(رضيعين يأمران أمهما بالسكوت). وفي نموذج ثان بعنوان: (حكاية أكاذيب ديتمارش) تختلط الصور العجيبة غير المتجانسة بطريقة تذكّرنا بلوحات الفن السريالي أو بالأحلام المتداخلة المحيّرة، يقول الراوي: (رأيت دجاجتين مشويتين تطيران بسرعة، بطناهما نحو الجنة في الأعلى، وظهرهما نحو جهنم في الأسفل)، ونقل للمُستمع، أيضاً، مشهد عدد من الأشخاص هم: أعمى وأبكم وأطرش ومشلول يريدون صيد أرنب، كان الأعمى (أول من رأى الأرنب يقفز عبر الحقل، فصاح الأبكم بالأطرش، والمشلول أمسكه من قبة قميصه)!
ويتكرّر في العديد من الحكايات الشعبية المشهد الأخير الذي يُصوّر قدرات مُبالغ فيها (أو خارقة) لأصحاب العاهات، إمّا بقصد إثارة الضحك أو الإدهاش، كحكاية (السلطان ومرافقوه) التي دوّنها الأستاذ عبده خال في (قالت حامدة: أساطير حجازية)، وفيها يُصادف السلطان الباحث عن التسلية عدداً من الظرفاء، هم: أعمى زعم أنّه (يرى الأشياء البعيدة التي لا يراها المبصر)، وأطرش أخبر بأنه يسمع الأصوات (المنخفضة جداً التي لا يسمعها أحد). وفي عرض البحر سأل السلطانُ الأعمى عمّا يراه؟ فقال: (أرى ابنتك الكبرى تخيط ثوباً بخيط أحمر)، فصادق الأطرش على كذبة الأول قائلاً: (صدق والله صاحبنا الأعمى: فقد سمعت سقوط الإبرة من يدها).
ونُطالع مشهداً مُشابهاً في حكاية كذب إيطالية رائعة اسمها: (الإخوة الثلاثة) وردت في مجموعة (الخال كابرينو: حكايات شعبية من إيطاليا)، وفيها خرج ثلاثة إخوة للصيد وسلاحهم (ثلاث بنادق، اثنتان مكسورتان والثالثة دون أسطوانة)، ثم توجّهوا إلى قرية قريبتهم لاستعارة قِدرها (ليطهوا بها الأرنبة التي لم يصطادوها)، فأخبرتهم عن حديقتها قائلة: (لدي ثلاث أشجار جوز، اثنتان ميتتان والثالثة لم تطرح جوزاً قط، أسقطوا من الجوز العدد الذي تشاؤون)، وقد هزَّ أحدهم الشجرة التي لم تطرح (فسقطت جوزة صغيرة على قبعته وكسرت كعب قدمه)، وبعد الإسهاب في ذكر جُملة من الأكاذيب يعود الراوي لإخبارنا بأن أحد الرجال أوشك على الموت نتيجة تناول حساء الأرنبة التي لم يتمكّن الإخوة من صيدها، فحضر ثلاثة أطباء (أحدهم أعمى والثالث أطرش والثالث أخرس)، فقال الأعمى: (دعني أنظر إلى لسانك)، وقال الأطرش: (كيف حالك؟)، ثم قال الأخرس: (أعطوني ورقة وقلماً وحبراً).
إن تأمُّل التكاذيب (أو مسابقات الكذب) لدى شعوب العالم يؤكّدُ ما ذهب إليه عبدالله الغذامي حين كتب، في (القصيدة والنص المضاد)، بأن التكاذيب (نشاط لغوي تخييلي له وظيفة إنشائية إبداعية تعتمد على المهارة والفطنة والذكاء)، فكل راو حريصٌ على إثبات براعته وثراء لغته، ومُهتمٌ بتأكيد سعة مخيلته وتمكّنه من ابتكار عناصر جمالية تُحوّل الكذب من رذيلة أخلاقية إلى سرد خيالي مُمتع يُبهرُ المتلقّين ويُفحِمُ المنافسين.

ذو صلة