مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

المعضلة الاجتماعية حين يصبح الإنسان سلعة لمواقع التواصل الاجتماعي

عُرض مؤخراً على إحدى الشبكات فيلم درامي وثائقي بعنوان (المعضلة الاجتماعية) (The social dilemma). الفيلم يستعرض تأثير وسائل التواصل الاجتماعي الخطير على حاضر ومستقبل البشرية، ذلك أن البرنامج يسلط الضوء على الغرف المغلقة لكبرى شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون، حيث جوجل وفيسبوك وأنستجرام وإكس وسناب شات.. وغيرها، عبر استضافة المصممين وخبراء التكنولوجيا الذين عملوا بهذه الشركات في السنوات الماضية، ليبينوا مخاطر اختراعهم، ويظهروا الجوانب الحقيقية خلف ما تدّعيه هذه الوسائل علناً، وما تمارسه سراً لتشكيل وعي عالمي جديد مخادع قائم على البرمجة والتلاعب.
التلاعب والترويض
يصرّح تيم كندال (Tim Kendall)، مدير تحقيق الدخل في فيسبوك لمدة خمس سنوات؛ أنه من السهل اليوم أن ننسى حقيقة أن هذه الأدوات قد صنعت في الحقيقة أشياء رائعة في العالم، فقد جمعت شمل أفراد عائلات مفقودين، ووجدت متبرعين بالأعضاء، بحيث كانت هناك تغييرات ذات مغزى ونظامية تحدث في جميع أنحاء العالم بسبب تلك المنصات التي كانت إيجابية. قبل أن يقول: أظن أننا كنا نجهل بسذاجة وجهة النظر الأخرى للموضوع. من جهته اعترف تريستان هاريس (Tristan Harris)، وهو مهندس ومدير أخلاقيات التصميم سابقاً بشركة جوجل، ومن مهندسي بريد جوجل الشهير (Gmail)؛ أنه أدمن البريد الإلكتروني لجوجل، وأنه لاحظ أن لا أحد في الفريق كان يعمل على تقليل هذا الإدمان، بمعنى أن الشركة كانت توجه المستخدمين بحسب رغبتها هي، ما جعله يشعر بالإحباط، فعمل على إخبار شركائه بالأمر، واستقال ليؤسس مركز التكنولوجيا الإنسانية. يقول تريستان بأننا انتقلنا من وجود بيئة تكنولوجية قائمة على الأدوات إلى بيئة تكنولوجية قائمة على الإدمان والتلاعب. وأن ما يغفل الناس عنه أن الذكاء الاصطناعي يدير عالم اليوم الآن. فالخوارزميات تتلاعب في المعلومات التي نراها، وفي الاقتراحات وفي كل شيء. لأنهم يعرفون كيف يعمل عقل الإنسان، يعرفون أجزاءً لا نعرف كيف تعمل. فيسهل على المهندسين برمجة خوارزميات معقدة تستهدف تغيير السلوك العام لرواد مواقع التواصل والتلاعب بذلك في الاتجاه الذي يريدون.
في المقابل نكافأ بتلك الرموز البسيطة مثل رمز قلب والقبول، ونخلط ذلك بالقيمة والحقيقة، لكن الحقيقة أنها زائفة وشعبيتها هشة وقصيرة المدى. يذهب ساندي باراكيلاس (Sandy Parakilas)، مدير عمليات سابق في فيسبوك، إلى أننا جميعاً فئران تجارب، لا نشبه تلك التي تجرب لتطوير علاج السرطان، وإنما نحن مجرد أشخاص لا يفكرون، ويريدوننا أن نشاهد المزيد من الإعلانات. وهنا يبيّن تريستان أنه حين تتخطى التكنولوجيا نقاط ضعف الإنسان وتتغلب عليه وتتجاوز هذه المرحلة؛ يكون الإدمان، الاستقطاب، التطرف، الغضب.. ليتغلب هذا على الطبيعة الإنسانية، وتلك مرحلة هزيمة البشرية.
المتاجرة بالمستخدم User
يخبرنا هذا الفيلم أن شبكات التواصل الاجتماعي قد غيرت من منتجات وادي السيليكون، فبعد أن كانت المنتجات هي التكنولوجيا، أصبح المنتج الرئيس بعد انتشار شبكات التواصل الاجتماعي هو بيع المستخدم user أو صاحب الحساب، عملاً بالمقولة التقليدية (إن لم تدفعوا ثمن السلعة، فأنتم السلع).
إن هذه الشركات تتاجر بالمتعامل من خلال بيعه ملايين الإعلانات يومياً. من ثمة فإن الصراع بين شركات التواصل الاجتماعي فقط على من يبيع الإعلانات، ومن يدفع أكثر لتوجيه الرأي العام تجاه قضية ما أو الانخراط في التأثير على الانتخابات مثلاً أو غير ذلك. ما يعني أن هذه الشركات لا تنظر إلى المستخدم إلا بصفته بضاعة. والحقيقة الأخرى الصادمة التي يقدمها الفيلم أن هناك فقط تجارتين تستخدم مصطلح (مستخدم user) في بيع منتجاتها للزبائن، وهي تجارة البرامج وتجارة المخدرات. يقول إدوارد توفته: لا يوجد سوى صناعتين تطلقان على عملائهما اسم مستخدمين: المخدرات غير المشروعة والبرامج Software؛ لأن هذا المصطلح مرتبط بالإدمان. فكلما زاد الإدمان على مواقع التواصل وارتفع الارتباط بها يزداد ربح الشركات التي تعدّ الأغنى في التاريخ على الإطلاق. ولعل روجر ماكنامي (Roger McNamee)، المستثمر في فيسبوك، قد تمكن من وصف هذا الإدمان عند الناس بدقة حين قال: هل تتصفحون هاتفكم الذكي قبل ذهابكم إلى التبول في الصباح. أو أثناء تبولكم؟ لأنهما هما الخياران الوحيدان.
اكتئاب وانتحار
يشير جوناثان هايدت (Jonathan Haidt)، الخبير في علم النفس الاجتماعي، إلى أن هناك زيادة كبيرة جداً في معدلات الاكتئاب والقلق لدى المراهقين الأمريكيين، والتي بدأت بين عامي 2011 و2013. كان المعدل ثابتاً فيما سبق، ثم ارتفع بنسبة 62 % بالنسبة للمراهقات الكبيرات (15 - 19). وارتفع بنسبة 189 % بالنسبة للمراهقات الصغيرات. والأكثر رعباً أن الأمر نفسه يحدث بالنسبة لحالات الانتحار. فالمراهقات الكبيرات ارتفعت نسبتهن بمقدار 70 % مقارنة بالعقد الأول من هذا القرن. ويوضح هذا الأمر وضع كارثي تسببه هذه المواقع على الصحة النفسية للمراهقين المدمنين على هذه المواقع. أما تيم كندال (Tim Kendall) فيقول بشكل صريح بأن هذه الخدمات تقتل الناس وتتسبب في انتحارهم.
كيف يمكن مواجهة مواقع التواصل؟
ذهب بعض المتدخلين في نهاية الحلقة إلى أنه ينبغي المطالبة بتصميم هذه المنتجات بطريقة إنسانية، كما يمكن المطالبة بعدم معاملة المستخدمين بأنهم مصادر يمكن استهلاكها. ذلك أننا نسير نحو واقع مرير، وسنحتاج إلى معجزة للخروج منه، وتلك المعجزة هي الإرادة الجماعية. من ثمة، فلن يحدث في نظرهم أي تغيير في هذا النظام حتى يحدث ضغط شعبي هائل. أما البعض الآخر فقدم توصيات من قبيل إغلاق الإشعارات. عدم قبول أي فيديو موصى به على يوتيوب، بل يجب اختيار ما نريد، فتلك طريقة قتال أخرى. عدم تقديم الأجهزة للأطفال، أو السماح لهم باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فبحسب البرنامج كل المهندسين والمتخصصين في صناعة البرامج لا يسمحون لأطفالهم باستخدام مواقع التواصل. في حين أصرّ البعض على ضرورة الخروج من النظام بشكل تام، والتخلص من جميع البرامج، فالعالم الواقعي جميل أكثر بكثير من الافتراضي.

ذو صلة