مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

لماذا تدعم إنفيديا النماذج المفتوحة

كان سبب كتابة هذا المقال قراءة تأملية في أبعاد ومقاصد تغريدة جينسن هوانغ التي نشرها في الرابع والعشرين من يوليو 2026، حين نشر رسالته الأولى على منصة إكس X دفاعاً عن النماذج مفتوحة الأوزان، لافتاً إلى أن الذكاء الاصطناعي سيغير كل صناعة، وسيقود كل شركة، وستبنيه كل دولة.
كان سبب كتابة هذا المقال قراءة تأملية في أبعاد ومقاصد تغريدة جينسن هوانغ التي نشرها في الرابع والعشرين من يوليو 2026، حين نشر رسالته الأولى على منصة إكس X دفاعاً عن النماذج مفتوحة الأوزان، لافتاً إلى أن الذكاء الاصطناعي سيغير كل صناعة، وسيقود كل شركة، وستبنيه كل دولة.
ولم تكن التغريدة موقفاً فردياً؛ فقد جاءت مرتبطة برسالة مفتوحة أيدتها شركات ومنظمات كبرى، من بينها: إنفيديا NVIDIA ومايكروسوفت Microsoft وميتا Meta وأوبن أي آي OpenAI وبالانتير Palantir ومسترال Mistral.. وغيرها؛ دفاعاً عن بقاء النماذج المفتوحة جزءاً من مستقبل الذكاء الاصطناعي.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم موقف هوانغ، فالدعوة إلى الانفتاح لا تعني التنازل عن النفوذ، بل قد تكون طريقة لإعادة تعريفه، لا عبر امتلاك كل نموذج، بل عبر امتلاك البنية التي تعمل عليها معظم النماذج.
الفكرة الأساسية بسيطة: افتحوا المنافسة في صناعة النماذج، واجعلوا معظمها يعمل فوق البنية الحاسوبية التي تتصدرها إنفيديا NVIDIA، فالشركة لا تشترط أن تكون كل نماذج الذكاء الاصطناعي أمريكية أو مملوكة لها، ولا ترى في تنوع النماذج تهديداً مباشراً؛ ما يهمها أن يظل تدريب هذه النماذج وتشغيلها وتطويرها معتمداً على منظومة الرقائق والبرمجيات والشبكات والمعايير التي بنت حولها ميزتها التنافسية.
وتتضح هذه المعادلة أكثر عند النظر إلى الصين، فقد استفادت شركات صينية عديدة من منظومة إنفيديا NVIDIA، لكن القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة دفعتها إلى تسريع البحث عن بدائل محلية في العتاد والبرمجيات والبنية السحابية. لذلك لا يبدو الخطر الأكبر على إنفيديا NVIDIA في ظهور نموذج صيني قوي بحد ذاته؛ بل في أن ينشأ نموذج يعمل داخل منظومة صينية متكاملة من الرقائق والبرمجيات والشبكات والمعايير، ثم تتحول هذه المنظومة إلى بديل عالمي مستقل.
هنا تظهر المفارقة، فالنماذج المفتوحة تمنح الدول والشركات قدرة أكبر على التحكم في بياناتها ولغتها وتطبيقاتها، لكنها لا تمنحها بالضرورة استقلالاً كاملاً في البنية التحتية، فقد تتحقق السيادة في طبقة النموذج والتطبيق، بينما يبقى الاعتماد قائماً في طبقة الرقائق والحوسبة السحابية وأدوات التطوير.
يمكن تشبيه الأمر بسوق سيارات تتعدد فيه العلامات والدول المنتجة، لكن معظم المصانع تستخدم آلات ومحركات وأنظمة تشغيل تأتي من مزود محدود، في هذه الحالة لا تكمن القوة فقط في السيارة النهائية، بل في أدوات التصنيع التي لا تستغني عنها الشركات المختلفة.
لذلك تبدو رسالة هوانغ أقرب إلى قراءة اقتصادية وجيوسياسية لمستقبل الذكاء الاصطناعي؛ فالقوة لن تكون حكراً على من يملك أفضل نموذج، بل على من يملك المنصة التي تعمل عليها أغلب النماذج، ومن هنا يصبح دعم النماذج المفتوحة بالنسبة إلى إنفيديا NVIDIA وسيلة لتوسيع السوق، لا للتخلي عن النفوذ.
الخلاصة
تأييد إنفيديا NVIDIA للنماذج المفتوحة لا يعني تخليها عن نفوذها، بل يعكس رغبتها في توسيع سوق الذكاء الاصطناعي، مع إبقاء مركز القوة في البنية التحتية التي تقودها. فكلما زاد عدد النماذج والدول والشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي؛ زاد الطلب على الرقائق ومراكز البيانات وأدوات التطوير. وفي مواجهة الصين لا تخشى إنفيديا NVIDIA النموذج المنافس؛ بقدر خشيتها من منظومة تقنية مستقلة بالكامل، لذلك تمثل النماذج المفتوحة توازناً دقيقاً، يمنح سيادة أكبر في البيانات والتطبيقات، لكنه قد يبقي الاعتماد قائماً على البنية الحاسوبية الأمريكية.

ذو صلة