مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

يوسف جوهر رائد كتابة السيناريو للسينما المصرية

أسهمت الرواية العربية في ثراء الأفلام السينمائية، ولهذا اعتمد عليها الكثير من المخرجين والمنتجين النابهين أصحاب البصيرة الثاقبة، ولهذا كان صلاح أبو سيف يقرأ روايات الأدباء، ومتى ما أعجب برواية يقوم بتحويلها إلى فيلم سينمائي. وأقنع أبو سيف نجيب محفوظ بالعمل معه كاتباً للسيناريو، وعندما حاول محفوظ الاعتذار بحجة أنه لا يعرف الكتابة للسينما، يردّ أبو سيف: سأعلّمك ونكتب معاً، ثم يضيف مبتسماً: أريد الاستفادة -ويشير بأصبع إبهامه لرأس محفوظ - من أفكارك، وهكذا يكتب محفوظ سيناريو أكثر من خمسة وعشرين فيلماً، كانت البداية: فيلم المنتقم إنتاج عام 1947، قصة: إبراهيم عبود، سيناريو: نجيب محفوظ، حوار: السيد بدير، إخراج: صلاح أبو سيف؛ لكن الروائي يوسف جوهر سبق محفوظ بخمس سنوات، فقد علّمه المخرج بركات كتابة السيناريو، وكانت البداية فيلم المتهمة إنتاج عام 1942، قصة وسيناريو وحوار: يوسف جوهر، بطولة: آسيا، زكي رستم، يحيى شاهين، وإخراج: هنري بركات.
السيرة والمسيرة
وُلد يوسف جوهر بمدينة طنطا يوم 20 يوليو 1912، والده من مدينة قوص محافظة قنا، جنوبي القاهرة، كان يعمل واعظاً لكنيسة بطنطا، ويدرس يوسف بمدارس طنطا الابتدائية والثانوية، ثم يلتحق بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (القاهرة)، ليحصل على ليسانس الحقوق عام 1935، ويعود لطنطا حيث يعيش والداه. عمل بالمحاماة بين طنطا وميت غمر، وأثناء الدراسة يراسل المجلات الثقافية، فتنشر مجلة الرسالة أولى قصصه عام 1933 بالسنة الثانية بالجامعة، ومن طنطا يراسل المجلات الثقافية مرة أخرى، وينشر قصصه القصيرة بمجلات: الرسالة، آخر ساعة، ثم يصله خطاب من مصطفى أمين يطلب حضوره للقاهرة، وأثناء المقابلة يطلب مصطفى أمين أن يكتب جوهر قصة كل أسبوع لتنشر بمجلة آخر ساعة مقابل جنيه واحد لكل قصة، ويشجعه للانتقال للقاهرة والتفرغ لكتابة القصص، وفي أحد حواراته الصحفية يؤكد جوهر أن مصطفى أمين قال له بالحرف الواحد ضاحكاً: توزيع آخر ساعة سيزداد مع قراءة قصصك، وأنا متأكد أن آخر ساعة ستكسب على الأقل عشرة جنيهات مقابل الجنيه الذي سندفعه لك.
يفوز يوسف جوهر في مسابقة مجمع اللغة العربية مع نجيب محفوظ بأكبر جائزة في ذلك الوقت، وأعضاء لجنة التحكيم: طه حسين، عباس العقاد، توفيق الحكيم، والجائزة اعتراف وشهادة بموهبته وجدارته في كتابة القصة، لهذا يغادر جوهر طنطا، ويستقر بالقاهرة. وإلى جانب عمله بالكتابة للسينما في أول فيلم كتبه (فيلم المتهمة)، وهو أول فيلم للمخرج بركات، إنتاج شركة لوتس للمنتجة اللبنانية آسيا داغر عام 1945؛ واصل عمله في عدة مجلات ثقافية، ليؤسّس ويصدر مجلة الساعة 12 بالاشتراك مع الدكتور سعيد عبده، ليكون أول رئيس تحرير لها، وهو أول أمين صندوق لنادي القصة بالقاهرة عام 1954، وأول سكرتير عام لجمعية دار الأدباء، واشترك محامياً في إعداد قانون اتحاد الكُتّاب عند تأسيسه عام 1975، كما أنه أول أمين صندوق لاتحاد الكتاب عام 1976، واشترك في تأسيس معهد السينما، ليصبح أستاذ القصة السينمائية، وأستاذ السيناريو، وعضو مجلس إدارة معهد السينما، ورئيس تحرير مجلة السينما والمسرح، ورئيس المركز الفني للأرشيف القومي للفيلم، وعضو لجنتي القصة والسينما بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وعضو المجالس القومية المتخصصة شعبة الأدب، ثم عيّنه محمد حسنين هيكل مع توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس كاتباً بجريدة الأهرام، ليكتب مقالاً أسبوعياً، وينشر معظم رواياته مسلسلة على صفحات جريدة الأهرام.
المنجز الأدبي
أصدر يوسف جوهر سبع روايات: جراح عميقة عام 1968، أمهات في المنفى عام 1977، دوامات في نهر الحب عام 1980، الصعود إلى قمة التل عام 1982، الناس الأكابر عام 1984، صفحات من حياة وممات السبعاوي عام 1986، شخلول وشركاه عام 1988، فضلاً عن اثنتي عشرة مجموعة قصصية: الحياة قصص عام 1951، سميرة هانم عام 1955، نار ورماد عام 1966، دموع في عيون ضاحكة عام 1972، ابتسامات حيّة رقطاء عام 1973، الصوت والصدى عام 1985، المصباح الأعمى عام 1989، المعلم فرحات مهندس انتخابات عام 1989، شيء كان ممنوعاً عام 1989، الساقية تدور وقصص أخرى عام 1989، عناق الموت والحياة عام 1993، أمهات لم يلدن أبداً عام 1983. ومن رواياته التي حولت للتلفزيون والسينما: عودة القافلة الحائزة على جائزة مجمع اللغة العربية عام 1942، حولت إلى مسلسل تليفزيوني بعنوان: جراح عميقة عام 1969، سيناريو وحوار نبيل غلام، بطولة صلاح منصور، سهير البابلي، صلاح قابيل، رجاء الجداوي، وإخراج إبراهيم الصحن. وكتب جوهر سيناريو وحوار روايته الثانية: أمهات في المنفى لفيلم سينمائي إنتاج عام 1981، بطولة عادل إمام، ماجدة الخطيب، إسعاد يونس، السيد راضي، إيمان، أمينة رزق، جلال الشرقاوي، نبيلة السيد، إلهام شاهين، صلاح نظمي، فريدة سيف النصر، علي الشريف، وإخراج محمد راضي. وتحولت قصته الطويلة الساقية تدور إلى مسلسل تلفزيوني إنتاج عام 1987، سيناريو وحوار حلمي سالم، بطولة عبدالله غيث، عايدة عبدالعزيز، عزيزة راشد، أحمد خليل، ميمي جمال، وإخراج تيسير عبود.
خمسون عاماً مع كاتبة السيناريو
كانت مجلة آخر ساعة مقروءة واسعة الانتشار، وكانت البوابة التي عبر منها إلى عالم الكتابة للسينما. يعترف يوسف جوهر قائلاً: «إن القصص المنشورة في مجلة آخر ساعة دفعت المهندس حسين سعيد باشا، رئيس أستوديو مصر، للاتصال بي عن طريق المخرج إبراهيم عمارة وأخبرني أنه سيكون سعيداً لو دخلت عالم السينما، بكتابة قصص سينمائية، فحضرت للقاهرة وقابلته، وكان حاضراً المقابلة حسني نجيب مدير الأستوديو، شقيق سليمان نجيب، وأخبرني بأن المدير الفني للأستوديو أندريه فينيون كتب قصة عن مصر، ويحتاج أن نكتب السيناريو والحوار، وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها تعبير: سيناريو، فبدأت أتعلّم كيف يُكتب؟ وما أصوله؟ وبينما أتعلّم، أخبرني صديقي الدكتور الفونس بشارة أن لديه مريضة تُدعَى مدام آسيا تودّ التعرف عليّ، وعندما التقينا طلبت مِنّي أن أكتب لها قصة أول فيلم يخرجه بركات، فكتبت بمساعدة المخرج فيلم المتهمة المأخوذ عن مدام إكس، لم أكن أعرف شيئاً عن القصة، لكن بركات حكى لي شفاهة تفاصيل الرواية، وكان يتابعني في الكتابة حتى جاء فيلمنا الأول، وما إن انتهيت من كتابة المتهمة؛ حتى وجدت نفسي قد عرفت الكثير عن حرفية السيناريو» (مجلة العربي، العدد 439، يونيو 1995).
هكذا تعلّم يوسف جوهر حرفة كتابة السيناريو مع المخرج بركات، واستمرت رحلته مع كتابة السيناريو خمسين سنة.
ويؤكد جوهر في المقال أنه عانى كثيراً من تدخل المنتج والمخرج أثناء وبعد كتابة سيناريو الفيلم، وأن المنتج -تاجر البهار بتعبير جوهر- ينظر للفيلم باعتباره كم رقصة وكم أغنية بلغة السينما، يقول: «جلسنا أمام تاجر البهار الذي سأل بكل ثقة: هي القصة دي فيها كام مشقفة، فردّ المخرج لفوره: خمسة.. وملحقاتهم، وكان عليّ أن أفهم لغة هذا القاموس الغريب الذي يجب التعامل به، وسرعان ما عرفت أن تاجر البهار الذي يستعد لإنتاج فيلم، يسأل عن عدد الأغنيات والرقصات في الفيلم المزمع إنتاجه، وكيف لي أن أفهم هذا القاموس؟!». (مجلة العربي العدد 439، يونيو 1995).
كتب يوسف جوهر أكثر من سبعين رواية مباشرة للسينما، وهذه الروايات لم تطبع في كتب، إذ يكتب جوهر قصة الفيلم فقط، ومنها: قبلة في لبنان عام 1945، أيام وليالي عام 1955، كفاية يا عين عام 1956، الرجل الثاني عام 1959، زوجة بلا رجل عام 1969، وكتب فليمين (قصة وسيناريو): فتى أحلامي عام 1957، طريق الأمل عام 1957، وكتب قصة وحواراً فقط لعدة أفلام: الأبرياء عام 1944، مجد ودموع عام 1946، الطائشة عام 1946، اليتيمة عام 1946، القاهرة بغداد عام 1947، المستقبل المجهول عام 1948، أحبك أنت عام 1949، إجازة في جهنم عام 1949، صاحبة الملاليم عام 1949، غرام راقصة عام 1950، سماعة التيلفون عام 1951، ضحية غرامي عام 1951، الحب في خطر عام 1951، دايماً معاك عام 1954، وكتب عدة أفلام كاملة (قصة وسيناريو وحوار): الروح والجسد عام 1948، مشغول بغيري عام 1951، الحياة الحب عام 1954، لمين هواك عام 1954، العروسة الصغيرة عام 1956، مع الأيام عام 1958، عش الغرام عام 1959، فتاة الميناء عام 1964، ليلة واحدة عام 1969، هاربات من الحب عام 1970، البيه البواب عام 1987، الطقم المدهب عام 1990، الفضيحة عام 1992.
أمهات في المنفى والانفتاح الاقتصادي
أمهات في المنفى رواية يوسف جوهر الثانية، نالت تقدير القراء، وطبعت عدة طبعات: الطبعة الأولى من دار الكتاب العربي عام 1977، والثانية: مطبوعات كتابي عام 1993، والثالثة: الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1994، والرابعة: مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2002. وجاءت أحداثها في 273 صفحة، وستة وعشرين فصلاً. وهي رواية رائعة تناقش سياسة الانفتاح الاقتصادي الذي دمرّ حياة المصريين، فأشاع الشحّ وعلّم الناس الجري وراء المكسب السريع، فتراجعت أمانة التجار، وقلّ صدقهم، وانعدمت القيم في المجتمع. تحكي حكاية صفيّة وزوجها المحامي، صفيّة أنجبت ولداً وثلاث بنات، تعيش حياة عادية جداً، كشأن معظم الأسر المصرية، أسرة متماسكة متحابة سعيدة تعتمد حياتها على القيم الدينية السمحة، الأب والأم يؤديان فرائض الدين، من صوم رمضان وتأدية الصلاة في أوقاتها، وبخاصة الزوج المحامي الذي يراعي الله بحياته ويؤدي عمله بإخلاص، فينجح في عمله ويزداد رزقه، ويشترى الأب شقة كبيرة، تسع غرف، في شارع رئيسي بأحد أحياء القاهرة الراقية، ويخصّص غرفة للولد الذي يدرس بكلية الطب، وكل بنت لها غرفتها الخاصة، وغرفة له ولزوجته، وغرفة لاستقبال الضيوف، وغرفة للطعام، وغرفة يخصّصها مكتباً يقرأ فيه، ويعدّ مذكراته القانونية ليلاً، وفجأة يتوفى الأب، وبعد سنوات يلحقه الابن، فتتفرغ الأم لتكملة دراسة البنات وزواجهن، وبعد وفاة الزوج والابن وزواج البنات، تعيش الأم صفيّة بالشقة الكبيرة وحيدة، وبعد نصر أكتوبر عام 1973، وزيادة أسعار البترول، واعتماد الرئيس السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي، تتغيّر أحوال المصريين، وتقرّر البنت الكبرى الهجرة مع زوجها لأمريكا، والثانية تعيش في شقة بحيّ شبرا الشعبي، وزوجها يعمل كاتباً في محكمة بالقاهرة، والثالثة تعيش بالإسكندرية مع زوجها الذي يعمل موظفاً بالجمرك. وأمام التغييرات السريعة في بنية المجتمع والمكسب السريع الذي يحقّقه بعض الأفراد نتيجة الانفتاح الاقتصادي؛ تتفق البنتان الثانية والثالثة على بيع الشقة الكبيرة، التي تمثل ثروة كبيرة لموقعها المتميز بالشارع الرئيس، وبعد توزيع ثمن الشقة سينتقلان من طبقتهما المتوسطة للطبقة الأولى، طبقة أصحاب الملايين، وبالفعل يتم بيع الشقة دون علم الأم، ويتم شراء شقة أخرى ويُحرّر عقدها باسم الأم، وتنتقل صفيّة، لتعيش مع ابنتها الثانية وزوجها بالشقة الجديدة، وقبل أن تسافر البنت الثالثة، لتعيش مع زوجها بالإسكندرية، تقول لأمها: لو تعبت من القعدة مع بنتك الثانية، شقة بنتك الثالثة بالإسكندرية مفتوحة لك، وهكذا حتى أصبحت الأم وكأنها تعيش في المنفى. تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي بنفس العنوان، بطولة: أمينة رزق في دور الأم، وماجدة الخطيب، وإسعاد يونس، ونبيلة السيد، في أدوار بناتها الثلاثة، ونجح الفيلم في تعرية ورصد صور الفساد وتفكك الأسرة بعد قوانين الانفتاح الاقتصادي التي أصابت العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة الواحدة بالتفسخ والتشرذم حتى وصلت إلى حد القطيعة.

ذو صلة