يدين التطور الحضاري البشري للأنثروبولوجيا باكتشاف عناصره التكوينية التي أسهمت في تشكيل الفكر المعاصر، وتحرير العقل، وطريقة النظر إلى الإنسان، والبحث في أصول متعلقاته وطبيعتها، فتحققت الإنجازات العلمية، وحدثت النقلات الحضارية، بعيداً عن المفهوم التقليدي الذي رافق الأنثروبولوجيا طيلة سنوات وهو دراسة للشعوب البدائية.
وتعد الأنثروبولوجيا الثقافية من أبرز فروع الأنثروبولوجيا التي تدرس الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع له ثقافة معينة، كما يهتم هذا المبحث بدراسة أساليب حياة الإنسان والأشكال الثقافية التي تحكم معيشه اليومي، وعمليات التغيير الثقافي والتمازج الثقافي ومنها اللباس الذي اعتبر منذ القدم أنه نسق ثقافي يميّز جماعة بشرية معينة، حيث به تتمايز الهويات، وتتشكل كثير من المعتقدات والمواقف والأيديولوجيات. على هذا الأساس مثّل اللباس معيناً لا ينضب من الدراسات والبحوث الأنثروبولجية والسوسيولوجية.
فبأي معنى يطرح اللباس من الوجهة الأنثروبولوجية؟ وما طبيعة أبعاده ورهاناته الثقافية والاجتماعية، وإلى أي مدى شكّل اللباس التقليدية آلية مقاومة في مواجهة الغزو الثقافي الرقمي بالأساس؟
في مفهوم اللباس وأبعاده الأنثروبولوجية
لم يكن اللباس في المنظور الأنثروبولوجي مجرّد كساء يستر الجسد بقدر ما هو نسق ثقافي يعكس مدى ارتبط الفرد بنظام ثقافي محدد، فهو استعارة بليغة للتعبير عن القيم والمعايير والمعتقدات، وهو سبيل لتكريس القيم الثقافية واستمراريتها، وعلى هذا الأساس تغدو طريقة لباس جماعة معينة ليست عبثية أو اعتباطية، وإنما تعكس مجموعة من الاستعدادات والموجهات والتصورات التي ينشأ عليها الفرد منذ الصغر، أو ما يعرف بالهابتوس وفق مقولة بيير بورديو.
على أن اختلاف قواعد وأنماط اللباس هي التي تمنح اللباس معنى اجتماعي، إذ ما به يقع التعبير عن الطبقة الاجتماعية والمركز الاجتماعي، والجندر، والفئة العمرية، والجماعة المرجعية، وكذا الحالة النفسية للفرد طالما أن اللباس إنما هو أداة للاعتراف والتقدير الاجتماعي.
واللباس وفق بيير بورديو إنما هو شكل من أشكال السلطة التمييزية عندما يفرض نوعاً من الهيمنة الرمزية، فتجد فئات نفسها خاضعة للهيمنة أو التبعية من قبل فئات أخرى بمفعول اللباس بما يحتويه من تصاميم وألوان وزخارف.
وبما أن اللباس رسالة رمزية وأداة تواصل، فقد لعب تاريخياً دوراً أساسياً في حفظ الروابط القرابية وتكريس قيم التكافل والتضامن ولاسيما صلب الجماعات الاثنية، ورغم أن اللباس يُصنف من التراث المادي فإنه ينطوي على بعد لامادي ذلك المتمثل في بعده التواصلي غير اللفظي الذي يتجاوز به عامل المكان والزمان
فإلى أي حد يمكن الحديث اليوم عن اللباس آلية للتمايز الثقافي ورافداً من روافد الهوية الثقافية، في ظل تنامي نسق موضة اللباس واكتساحها كل المجتمعات؟
اللباس في سياق اجتماعي عالمي ديناميكي
ليس من الإجحاف القول إن نسق العولمة بكل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بدا جارفاً وعصياً عن المقاومة، ولعل من الأنساق الثقافية التي راهن عليها رواد الاقتصاد الليبرالي والنيوليبرالي هو اللباس، عبر الاشتغال على فلسفة الموضة وفن التصاميم وأهميته في إبراز الطبقة الاجتماعية، والمركز الاجتماعي، والنوع، وبالتالي التمايز الاجتماعي، وفي هذا السياق يعتبر البعض أن الإيغال في الأبعاد الرمزية والسيميولوجية للباس في العصر الراهن، إنما ظل مرتبطاً أكثر بالطبقات البورجوازية التي تبحث عن التمايز وإعادة تشكيل المظهر والستايل، وهي من النزعات التي باتت منتشرة على نطاق واسع وفي كل المجتمعات، طالما أن شكل اللباس هو الذي يضفي قيمة ومعنى للفرد، من خلال رؤيته لذاته ورؤية الآخرين له، في ضوء تنامي تمثل الفرد لذاته واهتمامه المتزايد بمظهره. بينما ظلت الطبقات الفقيرة تلبس في الغالب من أجل اللباس دون البحث كثيراً عن البعد الجمالي الرمزي، ولذلك نجد البعض يرفض الألبسة التي تخفي حقيقة الهوية، والتي تعبّر بقوة عن خضوع الفرد للهيمنة أو للتبعية.
وقد ظل سؤال الهوية المرتبط باللباس يتهاوى من جيل إلى جيل في ظل الغزو الثقافي الرقمي وما أنتجه من تمازج ثقافي أثّر بشكل حاد على الثقافات الفرعية والهويات المحلية التي بدت تائهة في كثير من الأوساط الاجتماعية.
لكن وقع الأوساط الرقمية والمجتمع الشبكي على قيم الانتماء والهوية المحلية ظل يتفاقم محدثاً كثيراً من الشروخات والاهتزازات لدى الأفراد والجماعات، وقد عبّرت العديد من المنظمات والجمعيات عن ذلك من خلال عدة أشكال من المقاومة، ففي تونس مثلاً وفي إطار شهر التراث، ظلت تنتظم العديد من الفعاليات والتظاهرات والمهرجانات الثقافية المتعلقة بالتراث وبالأشكال الثقافية التقليدية التي يراد من خلالها تجذير الأجيال الحالية في ثقافتها المحلية واستنهاض هممها لتعتز بهويتها وتكريس فرادتها سواء على المستوى الوطني أو الدولي، لكن هذه المحاولات على أهميتها يبقى تأثيرها بسيطاً إذا لم تُستتبع بسياسات تعليمية وثقافية مؤسساتية.
خلاصة القول إن اللباس وفق المنظور السوسيولوجي هو شكل ثقافي شأنه شأن الأشكال الثقافية الأخرى، محكوم بالتغير والتحوّل تبعاً لتغير الأزمنة والأجيال، ولا يمكن بحال أن يظل ثابتاً، لكن قد تبقى البعض من خصائصه ومكوناته لتتشكل وفق تصاميم حديثة، وهذا ما تسعى إليه الكثير من الحكومات وسلط الإشراف من خلال ترسيخ عملية الابتكار والتجديد في الصناعات والحرف التقليدية، حيث تكون التصاميم الحديثة مستلهمة من الموروث التقليدي والتي قد تحول لباساً تقليدياً إلى وظيفة أخرى، وهذا الأمر دفع بالبعض إلى رفض بعض الأشكال التحديثية في الموروث التقليدي، لما يلحقه بها من اعتداء على الخصوصية والعمق الهوياتي.