ربما لم أغادر بكين بعد، ليس بوسعي أن أغادر هذه الكمية في روحي من ظلال الصنوبر، وابتسامة التنين الطيب، والنسائم القادمة من الأوركيد بهذه السرعة.. ما زلت هناك أسافر مع الأيائل فيما وراء الطبيعة وفوق ضوء القمر الساطع مع (لي باي) تركت قطعة من الروح..
ستعرف أنه لم يكن شيئاً عابراً، وليست مصادفة تماماً، ولكنه تخاطر لطيف يترصدك، أو كما يقول الصينيون: (بعض المدن لا نصل إليها، بل تستدعينا).
هذا ما حدث بالضبط، فمن المصادفات الجميلة أنني كنت أقرأ عن تاريخ الشعر في الصين، قبيل أن تدعوني الصين لحضور مهرجان الشعر الدولي للكتاب، حين وصل إلي مقترح المشاركة، لم أتردد كما أفعل كل مرة. وكأنني كنت على موعد قديم، يؤجله الوقت، وأن المصادفة طريقة أخرى للحياة لتعرف أنها تراقب ما يخطر في بالك، أو هكذا شعرت بفضل خروجي للتو من تاريخ الشعر الصيني المليء بهذه الروح المتآلفة مع الحياة.
هو موعدي مع الصين إذن، مع قصيدتها المعاصرة، وشعرائها الجدد، الذين لم أكن أعرف عنهم الكثير، سوى من الترجمات التي تصلني أحياناً.
ومع مجموعة من شعراء العالم العربي، وصلت إلى بكين، تحت رذاذ المطر في مايو، والهواء البارد، والشمس التي بالكاد نلمحها بين الغيوم، تستقبلك بكين وتشعر أن كل شيء كان في انتظارك وحدك، وأن كل ما حولك مألوف ويلمسك بعمق ومحبة، كنت على موعد مع الشعر لأقرأ وأستمع للبقية، وإذا بي أمام حالة شعرية في كل شيء، منذ استقبالي بتميمة المهرجان (يو يو) التي تستمد فكرتها من البيت الشعري القديم (يويو يصدح الأيائل ترعى نبات السعد، في الفلاة)، فالأيل رمز شعري بارز في الأدب الصيني، مع يويو مجموعة من الصحفيين، والإعلاميين، ومن المتطوعين من قسم اللغة العربية في جامعة بكين، الذين توزعوا على كل الضيوف ليقوموا بدور الترجمة طيلة فترة المهرجان، عرّفني المسؤول عن التنظيم على المتطوعة التي ستكون معي طيلة الرحلة، اسمها العربي: هدية، طالبة ماجستير في اللغة العربية وآدابها، ثم دعتني لألتقي بالسيد ما شين مينغ، من جمعية الأدب والفنون، رحب بي، وتحدثنا في عجالة عن السفر، والرحلة الطويلة إلى بكين، ثم قال: (إن المطر لم يهطل اليوم، لأنه اكتفى بهطول الشعراء..).
لتنفتح أمامي أياماً مدهشة، ومليئة بالشعر في كل شيء، في أحاديثنا مع الشعراء الصينيين الشباب، فضلاً عن فضاءات من الشعر والحوار مع الشعراء العرب.
في اليوم التالي دعيت لأقرأ في سور الصين العظيم، وما أجمل أن تقرأ شعراً، في مكان طالما حلمت بمجرد زيارته، قرأت هناك على إحدى سفوحه الجميلة، وفي مسرح أعد خصيصاً لهذه المناسبة، كان عرضاً موسيقياً وشعرياً، قرأت قصيدتي (سحب) لأجد أنهم قد أعدوا لها تصوراً فنياً، وأداءً راقصاً، يجسد روح القصيدة.
قرأ الشعراء كذلك، في أمكنة مختلفة من السور، شيء كالحلم الجميل، برفقة الموسيقى الصينية التقليدية، يقرأ الشعراء بينما صدى أوتار (البيبا)، و(القوتشين) يتردد في المدى الفسيح.
في اليوم الثالث كنا على موعد لزيارة مدرسة الأكاديمية، المكان العريق المرتبط ببداية التعليم الحديث، وبجامعة بكين للمعلمين، حيث ألقيت الكلمات حول تأثير الشعر والأدب، وحول العلاقة الوطيدة التي جمعت الأدب العربي بالصيني، في لحظة بدت وكأنها لغة واحدة تتجاوز المسافات. استمعت إلى أسماء بارزة في الأدب الصيني وهم يتحدثون حول علاقتهم بالآداب والثقافة العربية، وحديث آسر للشاعر أويانغ جيانغهه عن ألف ليلة وليلة، وابن خلدون، ومحمود درويش، وأدونيس، وتحدث شوي تشينغ قوه الحاصل على الدكتوراه في الأدب العربي، الذي أثرى لقاءاتنا عن علاقته مع الشعر العربي، وشغفه بجمالياته.
ومن دهشة إلى أخرى، كنا على موعد مع فن جينغتايلان، المعروف باسم (المينا ذات الأسلاك على قاعدة نحاسية) في مصنع بكين للمينا، هذا الفن الذي دخل إلى الصين من المناطق العربية قديماً، حيث اندمج مع فنون الرسم التقليدي الصيني، والزخارف الرمزية، فن مبهر وعريق يمكث فيه مجموعة من الفنانين لساعات في العمل اليدوي على قطع فنية متنوعة، بين التحف والاكسسوارات، والقطع الفتية، ويعد المينا اليوم من العلامات التجارية الصينية المهمة، كما يعد المصنع قاعدة نموذجية وطنية لحماية التراث الثقافي غير المادي. خرجنا بكثير من الهدايا القيمة، وبشعور أننا كنا نتجول في قطعة فنية كبيرة.
وبين لقاء ساحر في دار الأوبرا الصينية، والمدينة المحرمة، هذه المساحة الكبيرة، التي تجعلك جزءاً من تاريخ عريق وحضارة كبرى في دقائق، تملؤك جمالاً بتفاصيلها وقصصها، تمضي أيام بكين الغائمة طيلة الوقت.. وصولاً إلى اختياري
-مع مجموعة من الشعراء ليمثلوا بلدانهم- لقراءة كلمة ختامية عن الصين في متحف الأدب الصيني الحديث، بحضور رؤساء وأعضاء اتحاد الكتاب الصينيين، والمسؤولين في عدد من المراكز الثقافية والأدبية.
صحيح أنني ودعت الأصدقاء، حملت حقيبتي، ركبت الطائرة، وأغلقت هاتفي المحمول، لكنني لم أغادر بكين بعد..
هذا ما شعرت به، بقيت هناك مثل سر تحت غيومها التي تعمل كمظلة فوق رأسي، تنحاز مثل ظل، حتى لو ظهرت بقعة من شمس الربيع، لم أغادر بعد.. ستجدونني هناك، على مقعد تحت شجرة الجنكة في المدينة المحرمة أنصت إلى قصيدة كتبها التاريخ والحاضر في وقت واحد. أو على معقد من خشب معتق بعد أن دخلت المدينة المحرمة وقصور الأباطرة ببطاقة إلكترونية، مازلت هناك، لم أغادر القصائد العربية في صوت فتاة صينية تعرف امرأ القيس والأعشى، وتدافع بعمق عن عنترة وطرفة، لم أغادر الموسيقى في صوت آلة (الغوكين) أخذتني من سفح سور الصين العظيم على وترها الوحيد وتركتني لسنوات قادمة في كلمات الأغنية.