مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

السيوف العربية.. صناعة متأصلة في تاريخ العرب

كرّم العرب السيف؛ لأنهم منذ وجدوا كان رمز رفعتهم وقوتهم وبأسهم، فتغنوا به، وتفننوا في صناعته ونقشه وتزيينه وترصيعه. في هذا المقال عرض لما رافق صناعة السيوف وزخرفتها ونقشها وتزيينها، وأهم هذه السيوف وأشهرها.
صناعة السيوف العربية
اشتهرت مؤتة في بلاد الغساسنة بصناعة نوع ممتاز من السيوف، عُرف في النصوص العربية بالسيوف المشرفية، وكان العرب في الجاهلية يكثرون التحمس بها، ويجلبونها من طباعيها بنواحي العراق والأُبُلّة على شاطئ دجلة البصرة.
وفي اليمن ازدهرت صناعة السلاح منذ القدم، لدنوها من طرق الملاحة، ولكثرة ما كان يقصدها من السفن المحملة بمتاجر الهند ومن سلعها الحديد الجيد. واشتهرت اليمن بسيوفها وخوذاتها التي كانت تنسب إليها، فيقال سيف يمني أو يماني.
وقد تطورت صناعة السيف عند العرب بعد قيام الدولة الإسلامية وظهور الإسلام، حيث احتاج المسلمون إلى كثير من السلاح لتأمين حياتهم والدفاع عن دينهم والعمل على نشر تعاليمه، ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر سبى فيما سبى ثلاثين قيناً، وكانوا صناعاً وحدادين، فقال عليه السلام: (اتركوهم بين المسلمين ينتفعون بصناعتهم ويتقوون بها على جهاد عدوهم). فتركوا، لذلك فمن تعلم عليهم الصناعة سمي صانعاً أو معلماً، ومن كان من أصلهم سمي قيناً، فصاروا من يومئذ يلتجئون وينضوون إلى أكابر الناس.
وكان في بصرى في حوران مصانع للسلاح، وكان سلاحوها يطبعون السيوف. ويعتبر (بنو أسد) من أشهر القيون عند العرب، وموطنهم (قساس)، وقد وجد فيه منجم للحديد الجيد، وكان يقال سيف قساس نسبة إلى قساس، وتكاد معظم المراجع القديمة تتفق على أن أول عمل الحديد من العرب كان (لهالك بن عمرو بن أسد بن خزيمة)، ولذلك قيل لكل حداد (هالكي) ثم جناب بن الأرث من نصارى بني تميم، وكان قد سبي من موطنه وبيع في مكة حيث صنع الأسياف للمسلمين وتوفي عام37هـ.
نقوش سيوف العرب
يرجع الاتصال بين الفنون الجميلة والسلاح إلى أقدم العصور، فقد اعتاد الناس منذ أيام بدائيتهم الأولى أن ينقشوا على نصال أسلحتهم النقوش والزخارف والطلاسم. وكانت آلات السلاح من أهم ما يملكونه ويفضلونه على غيرها لأن فيها وقايتهم وحمايتهم وأمنهم من العدو، وفيها أيضاً مصدر رزقهم في الصيد والقنص، ولعل تلك الشعوب لجأت إلى تحلية سلاحهم بالنقوش والزخارف لاعتقادهم في سلطانها السحري أو لعوامل أخرى منها إضافة لمحة جمالية إلى أحب وأغلى ما يملكون ألا وهو السلاح، تلك كانت عادة شائعة بين معظم الشعوب البدائية والمتحضرة، ولو عدنا إلى الشعوب التي اعتنقت الإسلام لوجدناها في جاهليتها على ما جاء في كتب الأدب القديمة تصنع السيف وتنقش عليه الرسوم والطلاسم. فمن السيوف التي اشتهرت في الجاهلية صمامة بن عمرو بن معد يكرب الذي ضرب به المثل في كرم الجوهر وحسن المظهر والمخبر والمضاء. وقد أجاد عمرو استعماله في الجاهلية وعني به كثيراً بعد إسلامه وقيل عنه:
سناني ماحق لا عيب فيه
وصمامي يصم إلى العظام
ثم وهبه عمرو لخالد بن العاص عامل الرسول عليه السلام على اليمن، وقال فيه:
خليل لم أخنه ولم يخني
إذا ما الخطب أنحى بالعظام
حبوت به كريماً من قريش
فسر به وصين عن اللئام
ولم يزل في (آل سعد) إلى أيام هشام بن عبدالملك، فاشتراه خالد بن عبدالله القصري بمال وفير وأرسله إلى هشام، ولم يزل عند بني مروان حتى زال ملكهم في الشام، ثم طلبه السفاح والمنصور فالمهدي، فلم يجدوه، وجدّ الهادي في طلبه حتى ظفر به.
ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يوماً:
من أجود العرب؟
قيل له: حاتم الطائي.
قال: فمن شاعرها؟
قيل له: امرؤ القيس.
قال: فأي سيوفها أمضى؟
قيل له: صمامة بن معد كرب الزبيدي.
فبعث إليه عمرو سيفه المعروف بالصمامة. فبعث به إليه، فلما ضرب به وجده دون ما كان يبلغه عنه، فكتب إليه في ذلك فرد إليه: (إني إنما بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف ولم أبعث إليه بالساعد الذي يضرب به).
وهناك سيف الحارث بن ظالم الذي نقش عليه صورة حيتين ولقب بذي الحيتين:
علوت بذي الحيات مفرق رأسه
وهل يركب المكروه إلا المكارم
وتذكر كتب الأدب القديمة أن خزانة الكعبة المشرفة احتوت فيما تحتويه أيام الجاهلية على سيفين مزينين بالفضة والذهب. وذكرت الكتب، مثل الكامل لابن الأثير، في حوادث عام 32هـ أن عبدالرحمن بن ربيعة كان له سيف يسمى (النون)، ولذلك قيل له (ذو النون)، وكان مصنوعاً على مثال سمكة كسيف مالك بن زهير.
سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم
تحدثت كتب السيرة عن السيوف المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت إن رسول الله عليه السلام كانت له جملة أسياف، ولكل سيف اسم يخصه، منها: (البتار- المعصوب- الرسوب- الحتف- العضب- قلعي). وكان أشهر أسياف النبي سيفه (ذو الفقار) الذي غنمه يوم معركة بدر، وكان من قبل للعاص بن منبه السهمي بن الحجاج. وقد مات كافراً في المعركة، ومنذ ذلك اليوم كان سيفه الذي لا يفارقه في حروبه. وسمي بذلك الاسم (ذو الفقار) لحزوز مثل فقرات الظهر كانت في وسطه، وقد انتقل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي ثم صار لبنيه.
وذكر ابن وهب أن قبيعة أحد سيوف النبي كان من الفضة، وقال أيضاً إن نعل القراب كان من الفضة أيضاً، ويحتمل أن تكون تلك القبيعة لسيف ذي الفقار، وكذلك كانت حلقته وعلاقته من الفضة، وتذكر المراجع أن مرزوق الصقيل هو الذي صقل السيف المذكور وجلاه.
سيوف العصر الأموي
لم يصل إلينا من سيوف العصر الأموي إلا عدد يسير جداً محفوظ في متحف طوب كابي سرابي في إسطنبول، ونبه إلى وجودها العلامة الألماني ستوكلين مع زميله أدهم من علماء الآثار الأتراك، وهما سيفان مستقيما النصل، أولهما: سيف نقش عليه اسم الصانع بكتابة غير واضحة، وسنة صنعه مئة هجرية (719م)، واسم الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز الذي توفي عام (101هـ) (710م) بعد أن حكم دفعتين.
ثانيهما: سيف له مقبض مذهب وواقية من الحديد، نقش على نصله تاريخ عام (105هـ) (724م) واسم الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك الذي حكم دمشق (724 - 743م).
سيوف العصر العباسي
لم يصل إلينا من سيوف العصر العباسي إلا سيف مستقيم النصل له واقية من الحديد ومقبضه من الذهب، وقد نقش على نصله اسم الخليفة أبي أحمد المستعصم بالله الذي ولي الخلافــة فيمـا بيـــن (460 - 656هـ) (1212 - 1258م)، واغتيـــل فـــي غـــزوة المغول، وقد نجح بعض أفراد أسرته في الفرار إلى الشام، وظلوا فيها حتى أقام الظاهر بيبرس على أكتافهم الخلافة العباسية الثانية في مصر، ولعل أحد هؤلاء قد نقل معه إلى مصر سيف الخليفة المستعصم المذكور، ويحتمل أيضاً أن يكون السلطان (سليم الأول) قد نقل هذا السيف مع الغنائم الأخرى إلى إسطنبول بعد سقوط دولة المماليك (1517م). يروي الغزولي أنه لما ولي أبو موسى محمد الأمين الخلافة في عام (193ه / 809م) أراد الفضل بن الربيع أن يحصي ما في الخزائن من الكسوة والفرش والآنية والآلة فعثر على عشرة آلاف سيف محلى بالذهب. فأين هذه السيوف؟ ترى هل وقعت غنيمة في أيدي جحافل المغول (1258م)؟
السيوف في المصادر العربية
ذكرت الكتب الأدبية العربية القديمة ومصادرها عدة أنواع من السيوف، نقشت عليها الصور والكلمات والطلاسم، ومن هذه الكتب الكامل لابن الأثير الذي ذكر سيف عبدالرحمن بن ربيعة المنقوش عليه سمكة، وسمى سيفه (النون) ولقب عبدالرحمن بذي النون.
كذلك أشار الكندي والبيروني إلى أن بعض أنواع السيوف كانت تنقش عليها صور حيوانات وأشجار.. وغيرها، على ضربين: أحدهما أن تكون الصورة في أحد متني السيف بتمامها، وفي الأخرى أن بعض الصورة في أحد المتنين وباقي أعضائها قد نفذت حتى ظهرت في الجانب الآخر، وهو على ما يذكر البيروني أنفس ضريبة، فإن كانت الصورة إنسية فإن النصل يكون أقيم. وتتناقل المصادر العربية أنه كان لعمرو بن معدي كرب سيف في وسطه تمثال سمكة. وتذكر المصادر أيضاً أن بعض الملوك كانوا يصورون الإمام علي بن أبي طالب على سيوفهم للتفاؤل والنصر، وقد قال ابن أبي الحديد في هذا الصدد: (وما أقول في رجل.. تصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عبادتها حاملاً سيفه مشهراً الحرية.. وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها).
وكان على سيف عضد الدولة بن بويه (367 - 372هـ) صورته، وكان على سيف ألب أرسلان ملك شاه صورته، كأنهم يتفاءلون به للنصر والظفر. ومع ذلك فإننا لا نكاد نعلم سيفاً إسلامياً ينسب إلى العصور الأولى عليه صورة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
أنواع وأساليب الكتابات المنقوشة على السيوف
تقابلنا عدة أساليب في الكتابات على النصال في طليعتها:
1 - الآيات القرآنية التالية: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس)، وهي منقوشة على نصل سيف بمتحف الفن الإسلامي تحت رقم (7645).
2 - (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً)، وهي منقوشة على نصل السيف رقم (496) في دار السلاح الملكي في تورينو بإيطاليا.
3 - (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم أن لا تعلوا علي وائتوني مسلمين)، وهي منقوشة على السيف رقم (318) في دار السلاح الملكي بإيطاليا. ويقابلنا كثير من السيوف عليها أسماء لفظ الجلالة والنبي والخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم أجمعين).
كما تقابلنا بعض أسماء الصحابة: طلحة والزبير وسعد.. وغيرهم. وهناك سيوف نقش على نصلها أبيات من الشعر، ومن هذه السيوف سيف نقش عليه بيت من شعر أبي تمام، وهو موجود بمتحف الفن الإسلامي تحت رقم (3647). ونقش عليه:
السيف أصدق إنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف
في متونهن جلاء الشك والريب
فلا يخفى أن مجال الصانع العربي الذي ينقش على النصال محدود، فأمامه نصل طويل ضيق غير منتظم في السعة يقوم بتحليته وزخرفته بموضوعات فنية تنسجم مع الفراغ الذي ينقشه، ولم تكن تحلية السيوف مقصورة على نصالها فقط بل كانت تحلى مقابضها وأغمادها بالذهب والجواهر والفضة. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على روعة وإتقان وفن الصانع العربي الذي بهر أوروبا في كل عصورها.

ذو صلة