مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

علاقة الفن بالذكاء الاصطناعي.. وفاق أم صدام؟

كان أول مَنْ أطلق مصطلح (الذكاء الاصطناعي) Artificial Intelligence، واختصاراً (AI) هو عالم الحاسوب (جون مكارثي) (1927 - 2011م)، في مقترحه الذي قدمه عام 1955م في (مؤتمر دارتموث) Dartmouth Conference، وعرفه حينها بأنه: (علم هندسة صنع الآلات الذكية). أما من حيث الأهداف والأفعال، فقد عرفه الألماني (أندرياس كابلان)، المولود عام 1977م، بأنه: «قدرة النظام على تفسير البيانات الخارجية بشكل صحيح، والتعلم من هذه البيانات، واستخدام تلك المعرفة لتحقيق أهداف ومهام محددة من خلال التكيف المرن».
كما أن هناك تعاريف أخرى ترى أن الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة للذكاء البشري، وقدرته على التعلم واكتساب الخبرة، واتخاذ القرارات باستقلالية. في القديم كان رهان التعلم الذاتي على (الروبوت) ROBOT (الإنسان الآلي)؛ ثم انتقل الرهان بعد توظيف عدة تطبيقات تعتمد على البيانات العملاقة BIG DATA، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي العام General AI، ومن خلال نماذج ما زالت تحت التجربة، تعرف بالذكاء الاصطناعي الخارق Super AI؛ إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على الخلق والإبداع، وفهم الانفعالات والأفكار البشرية التي تؤثر على سلوك البشر.
علاقة البشر بالذكاء الاصطناعي
في رواية (دير ساندمان) رجل الرمال، يروي الكاتب الألماني إرنست هوفمان (1776 - 1822م) كيف أن الشاب (نثنائيل) وقع في حب (أولمبيا) ابنة جاره، التي كان يراقبها طوال اليوم. بيد أن (أولمبيا) ليست بشرية، إنها إنسان آلي (روبوت). هذا الاكتشاف يغرق بطل الرواية في أوهام الهذيان، وشيئاً فشيئاً، سيفقد السيطرة، وسيقوده ذلك إلى حالة من الدوار المجنون. إنه يرفض كل مَنْ يحاول أن يعيده إلى رشده، ويجعله يرى الواقع الحقيقي، لا الواقع الذي يحلو له أن يراه. وقد استلهم العالم النمساوي (سيجموند فرويد) (1895 - 1939م) من هذه الرواية مفهومه عن (الغرابة المزعجة): ما نشعر به أمام غرض مألوف يبدو لنا، في حالة معينة من الوعي، غريباً، وينتهي بنا الأمر إلى حالة من الخوف والفزع.
ويمكن لهذا المفهوم أن يسلط الضوء على العلاقة التي تجمع بيننا وبين الذكاء الاصطناعي، وذلك على مستوى أبعاد عدة. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي، الآن، جزءاً من حياتنا اليومية، سواء أكان عن طريق الروبوتات، أم الخوارزميات، أم مختلف الآلات الإلكترونية.
علاقة الفن بالذكاء الاصطناعي
هذه العلاقة هي من النماذج التي يمكن دراستها بشكل خاص، من خلال أثر الذكاء الاصطناعي العام على مجمل حياة الإنسان، وهي أكثرها حدة وتنميطاً، إذ تتجلى في الفنون على اختلاف مذاهبها ومدارسها. فعلى الرغم مما قدمته التكنولوجيا من خدمات واسعة للإنسان في مجالات الاتصالات والتواصل العام، وتدخلها في مناحي الحياة، إيديولوجياً وسيطرةً وتقنيةً، لتجعلها أسهل؛ إلا أن لها آثاراً سلبية قد تتجاوز معقولية السلبية إلى الاستلاب والتنميط وغياب الروح الإبداعية، ليكون الشكل الدال وحده موضع محاكمة العمل الفني، ضمن معايير مردها الأساس هو السوق وخلق الاحتياجات. في الوقت الذي تغلغلت فيه التقنية ليصبح معها من الصعوبة الفصل بين الواقع والفضاء السيبراني الافتراضي، الذي فرض قواعده ومعاييره التي طالت حتى الحالة الإبداعية والفنون الإنسانية.
نماذج من النتاج الإبداعي للذكاء الاصطناعي
1 - في فن الرسم:
كان (للذكاء الاصطناعي التعبيري) Expressive AI في عام 2018م، (وهو مجال فرعي من الذكاء الاصطناعي يستعين بالممارسات البحثية لكل من الفن والذكاء الاصطناعي، ويوصف بأنه ممارسة هجينة بين الفن والعلم)؛ الفضل في توليد لوحة بعنوان: (إدموند دي بيلامي) Edmond de Bellamy من دون تدخل بشري. وقد عُرضت في دار المزادات البريطانية (كريستيز) Christie. وأمام دهشة العالم ووسائل الإعلام تم بيع اللوحة مقابل (432500) دولار، وقد ساهم في إنتاجها مجموعة من الفنانين والباحثين أعضاء فريق Obvious. أما (إدموند) (موضوع اللوحة) فهو رجل خيالي يرتدي معطفاً داكناً مع ياقة بيضاء، وتبدو هذه اللوحة وكأنها صورة شخصية لأحد نبلاء أوروبا.
كما يمكن، بعد إدخال أعمال فنان معين من خلال برامج الذكاء الاصطناعي، أن تعمل الأخيرة على توليد عمل فني جديد، وكأنه من رسم الفنان نفسه، حيث قام فريق من الخبراء بإدخال كثير من لوحات الرسام الهولندي (رامبرانت) (1606 - 1669م) إلى الحاسوب، وأنتجوا لوحة جديدة بأسلوب هذا الفنان، وكأن (رامبرانت) نفسه هو الذي رسمها بعد وفاته بحوالي 350 سنة!
2 - في صناعة الأفلام:
تستطيع تقنية الذكاء الاصطناعي أن تتدخل في جميع مراحل عملية إنتاج الفيلم السينمائي، من تأليف أو تحليل السيناريو، وتفضيل أو تقديم أو تأخير مشهد ما، واختيار موقع العمل أو تصميم البيئة، كما يمكن تبسيط العمليات ما قبل الإنتاج مثل اختيار الممثلين، وتفضيل ممثل على آخر من خلال تحليل أدائهم السابق، وتفاعل الجمهور مع الملامح المختلفة للعواطف، كما يمكن استخدام وجه رقمي للممثل، أو جسد كامل رقمي يمكنه متابعة التصوير حتى في حال وفاة الممثل، وأيضاً كل ما يتعلق بالموسيقى التصويرية، وأغاني الفيلم والمونتاج والمؤثرات البصرية.. انتهاء بالخطة التسويقية والترويجية من خلال تحليل قاعدة الجمهور وتعليقاته، واستطلاع البيانات العامة على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع البيع، واستهدافهم بالإعلانات والحملات الترويجية المخصصة. وعلى جانب آخر يمكن أن يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً رقابياً على معدل العنف في المشاهد، ويتم توظيف هذا الدور الرقابي على العنف والإباحية في العديد من المنصات، مثل: يوتيوب وفيسبوك.
3 - في العزف وتأليف الموسيقى والأغاني:
تقوم شركة Amper التي تأسست عام 2014م بتأليف الموسيقى من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يقول مؤسس الشركة (سيلفر شتاين): «إن مستقبل الموسيقى سيتم إنشاؤه من خلال التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي، نحن نعلم أن الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يؤدي إلى تطور نحو حقبة جديدة من الإبداع». وكانت الشركة قد أطلقت عام 2017م أول أغنية، بعنوان: break free، من تأليف وتلحين وتوزيع الذكاء الاصطناعي، أدتها المغنية (تارين سوثيرون) Taryn Southeron ضمن ألبوم (I am AI)، ليكون الألبوم الأول من ألحان وتوزيع الذكاء الاصطناعي من دون رتوش بشرية. تتحدث كلمات الأغنية عن امرأة ترغب في التحرر من قيود الوجود البيولوجي والدخول في أشكال أخرى من الوعي.
إبداع حقيقي أم تخريب للذائقة الفنية؟
إن حرية الفن تبقى على ارتباط وثيق بشروط الاقتصاد السلعي. أما الأعمال الفنية التي تنفي صفة البضاعة في المجتمع، فقد ظلت في الوقت نفسه بضائع. وبقدر ما شكل مقتنو الأعمال الفنية حتى القرن الثامن عشر حماية للفنانين تجاه السوق؛ فإن هؤلاء كانوا بالمقابل تحت وصاية مقتنيّ الأعمال الفنية ومع أهدافهم.
كان هذا مع سيطرة وسائل بسيطة في قدرتها للوصول إلى الجماهير، ولم يغب مثل هذا التوجه الفلسفي في عصرنا الرقمي بعد التضاعف القوي لقدرة التقنية في التحكم والتوجيه، وسلطتها النافذة من خلال احتياجات الناس التي صارت قادرة على خلقها وتجديدها، وضبط التوجه الفني بما يخدم أسواقها، يمكننا أن نفهم بطريقة أفضل لماذا يفرض على الفنانين العمل وفقاً لأهداف السوق أكثر من الأهداف المرتبطة بعملياتهم الإبداعية.
وبالتالي كلما تورط الفن في الاقتصاد والحياة اليومية، كلما قلت حمولته الروحية والجمالية. وبعد أن كان اصطلاح الفن التخريبي يطلق على الفن الذي يتحدى الأفكار ذات العلاقة بالمؤسسات الاجتماعية الراسخة؛ يوظفها الفيلسوف الكندي (آلان دونو) المولود في عام 1970م، بمعناها الحرفي لتصبح: (الفن التخريبي المدعوم من السلطة)، ففي حديثه عن أحد العروض الفنية في مدينة مونتريال عام 2015م، يصف العمل بالتخريبي ضمن نطاق الحدود المقررة من قبل مؤسسات الفن الممول: «هذه التخريبات النمطية المدارة بأجهزة التحكم عن بعد، لها أيضاً أثر أكثر عمقاً وإقلاقاً، إننا نشعر بالتقزز من دون أن نعرف سبباً واضحاً لذلك. هل لأنها تبدو كنكات الطلبة السيئة؟ هل يتعلق الأمر بافتقار الفنان للشجاعة؟ الشعور بأن الأمر يتعلق بألفة الرؤيا؟ ربما كانت الإجابة توجد في القرب الخطر (للتخريب) من (الانحراف)».
هل تحول الفن إلى سلعة؟
بدايةً لا يمكن تبرئة خوارزميات الذكاء الاصطناعي بوصفها إيديولوجياً أسواق لا ترى في البشر إلا زبائن أو سلع (انطلاقاً من المقولة: حين لا تدفع ثمن سلعة فأنت السلعة)، ولا تفتقر تقنيات الذكاء الاصطناعي ببياناتها الهائلة على الشبكة العنكبوتية، وقدرتها على التحكم بالتفضيلات الإعلانية، وتحكمها بما تريد أن يصل للقارئ أو المشاهد، بما لديها من تقنيات ومواد التحكم في السلوك، والتحكم في الشخصية وصولاً إلى تنافر إدراكي يعمد إلى تغيير السلوك، بما يتناسب مع الاعتقاد وليس العكس. المعرفة سلطة، ومن المفارقة أن الأمر وصل ظاهرياً إلى أن علماء الطبيعة والتقنيين قد اكتسبوا قوة هائلة ومتنامية في مجال توجيه العالم وتغييره، كي يعيش الناس مدانين ومتنعمين بالامتيازات!
بالتالي لا يمكن تبرئة الخوارزميات الذكية من تحويل الفن والفنان إلى سلعة ضمن سوق، الهدف فيه من السلع الثقافية تشكيل الجماهير، الذين يمثلون كتلة الزبائن والداعمين، لتكون القرارات المتعلقة بما يجب استهلاكه هي المحدد لإنتاج خطوط التجميع.
الفنان والسوق الرقمي
لم ينجُ الفنان نفسه من نظم السوق الذي تتحكم فيه خوارزميات الذكاء الاصطناعي وأدواته. وفي طريقه لتحرير هذا الفنان من أذواق الأكاديميات والمؤسسات الثقافية؛ زج الفنان في سياق سوق العصر والممولين والمستثمرين، وديناميكيات السلطة داخل المؤسسات وتوجهات وصولها. ولكي ينجح في تسويق نفسه وفنه صار لزاماً عليه مجاراة السوق الرقمي ومعاييره، على حساب عملياته الإبداعية الخاصة. إن الفنانين الذين يقدرهم المستثمرون الآن هم من يحاولون أن يكونوا (خالقين) بلغة المستثمرين الخاصة.
التكنولوجيا والفنون الإنسانية
يقف العديد من المفكرين على العنصر الإبداعي في التكنولوجيا، وعلى أن المُبرمج هو فنان عصره، كما نادى المخترع الأمريكي من أصول سورية (ستيف جوبز) أو (عبداللطيف الجندلي) (1955 - 2011م) بأن: «التقنية بمفردها غير كافية، فعندما ترتبط التكنولوجيا بالفنون الليبرالية والإنسانيات، حينها تستطيع أن تطرب عقولنا»، وأن التقنية بقيمتها الثقافية والأداتية لها الفضل في ظهور أنماط حديثة من الفن، أو ما يسمى في يومنا هذا الفن الرقمي، كالرسم الرقمي، والتصوير الرقمي، والموسيقى الرقمية، وتقنية الهولوغام (وهي تصوير تجسيمي متطور يعتمد على أشعة الليزر لتسجيل وتخزين وعرض صور ثلاثية الأبعاد في الفراغ)، والطباعة، والصور ثلاثية الأبعاد؛ ضروباً من محاكاة رقمية في عوالم وسيطة وعوالم كائنات عاقلة.

ذو صلة