أصبح إنسان العصر الحالي -وخصوصاً الطّفل- محاطاً بالمواد الرّقميّة، بل وقارب أن يكون ساكناً في العوالم الافتراضيّة، فهو يكاد ينفصل عن المجتمع الحقيقيّ وينغمس في عوالم تهويميّة تتجسّد له على أدوات صمّاء في الأصل ولكنّها صاخبة بالحركة والحياة، ومغرية بالانغماس فيها، والسّبح في عوالمها التي تستعبده وتشدّه بسلاسل من الموادّ البصريّة المبهرة.
العبوديّة الرّقميّة
بسبب هذا الغزو الرّقميّ الافتراضيّ أصابت الإنسان كثير من الأمراض، فمنها ما هو جسديّ، ومنها ما هو نفسيّ، وسلوكيّ، واجتماعيّ، ولعلّ أخطرها العبوديّة الرّقميّة.
ليست العبوديّة الرّقميّة مجرّد تعرّض متواصل للشّاشات بحكم العمل أو الدّراسة، ولكنّه نوع من السّجن يحصل للمستعملين للأدوات الرّقميّة، والمتعاملين مع المواقع بكثافة خصوصاً في العبث، والفكاهة، واستهلاك ما تقدّمه من الموادّ الرّقميّة، فهذا سجن الإدمان، والاستلاب الفكريّ الذي كرّسه التّطوّر التّكنولوجيّ بجعل الوسيلة الرّقميّة محمولة، والدّخول إلى الشّبكات متاحاً في كلّ زمن ومكان، والبقاء فيها متطاولاً، والجولان في متاهتها ممكناً يسيراً تقنيّاً، وبجعل هذا التّرابط الشّبكيّ زائداً عن الحدّ، وهذا طبعاً له آثار خطيرة بالنّظر إلى الموادّ التي تعرضها للمستهلك سواء أكانت موادّ سمعيّة بصريّة أم كانت موادّ ثابتة يتعامل معها المستهلك هي بالذّات، ويخضع لقوانينها وشروط إقامتها مثل ألعاب الفيديو التي خضعت هي كذلك لعملية التّشبيك الإلكترونيّ، وأنشأت لها جلسات لعب تجمع بين أطراف متباعدة في المكان لا رابط بينهم إلّا الانغماس في اللعب.
من سجون الرّقمنة الاستعباديّة للنّاشئة كذلك الجماعات الرّقميّة الافتراضيّة المؤسّسة على الإبهار والتّواصل المغلق والسّرّي في بعض الأحيان، وهذه أكثر تدميراً للمجتمع الحقيقيّ، وأكثر تأثيراً في النّاشئة لأنّها تنشئ مجتمعات موازية تبنى على فكرة أو سلوك مكرّس للإدمان مثل الفئويّة التّمييزيّة، وهي تورّث العنف، والكراهيّة وتتيح ترويج الأفكار والممارسات غير الأخلاقيّة مثل الدّعارة.
إنّ غرق طفل اليوم في بحار الرّقمنة والعلاقات الافتراضيّة يجسّد مأزق الإنسانيّة اليوم، لأنّه أكثر تقبّلاً للإغراءات مهما يكن نوعها، وأكثر تعرّضاً للتأثيرات النّفسيّة، والتّواصليّة، والذّهنيّة من الكهل لأنّه في مراحل التّقبّل والتّكوين الجسديّ، والاجتماعيّ، والنّفسيّ.
الوعي أوّل مراحل الحماية
أمام هذه الظّاهرة يجد الأولياء أنفسهم عاجزين عن صدّ هذا التّيّار الرّقمي الهادر الذي يشتغل على اقتصاد لفت النّظر، وشدّ الانتباه، والإبهار، غير أنّ الوعي بخطورة هذه الحالة يمكن أن يكون أوّل مراحل التوقّي والعلاج، ويجب أن يتحقّق داخل العائلة، وكذلك داخل الدّوائر التي لها من القدرة على القياس، والدّراسة، والاستشراف ما يمكّنها من ضبط برامج لترشيد التّعامل مع هذه الشّبكات والموادّ الإلكترونيّة، ولكنّ البداية يجب أن تكون من العائلة عبر إدراك كلّ هذه المخاطر، وتوفّر الرّغبة في السّعي إلى التّقليل منها وعدم الاستكانة إلى قناعات العجز والضّعف، ومن هنا تتعاضد جهود الهيئات الرّسميّة والعوائل فتكون الخطط مناسبة وفاعلة.
المرافقة لا المنع
قد يذهب الظّنّ إلى أن منع الطّفل والشّابّ من الدّخول إلى المواقع الافتراضيّة والمنصّات الإلكترونيّة هو الحلّ السّحريّ لهذه الجائحة الإلكترونيّة المدمّرة غير أنّ ذلك خطأ عظيم، فالطّفل يمكن أن يدخل إلى المواقع بسبب كون هذه العوالم مفتوحة دائماً، وأنّها متاحة في كلّ زمن ومكان بسبب حركيّة الرّبط بالشّبكات، وحتّى إذا كان الهاتف الذّكيّ يوفّر إعدادات حماية من الموادّ ذات المظهر الجنسيّ وغير الأخلاقيّ موجّهة إلى الآباء، وأنّ المواقع المشبوهة لها إعدادات منع دخول الأطفال قبل سنّ البلوغ فإنّ تفعيل هذه الإعدادات كثيراً ما يلابسه نقص أو تقصير بسبب الجهل، أو السّهو، أو حتّى تعلّم الطّفل كيفيّات فتح الأقفال الإلكترونيّة الضّعيفة بطبيعتها، أو حتى الصّدفة المحضة عندما يكبس الطّفل على الأيقونة بدون إدراك منه لما وراءها، وحتّى الموانع التي تضعها الدّولة يمكن أن يصيبها الضّعف لأسباب كثيرة، ولأجل ذلك فإنّ مواجهة هذا الخطر لا يمكن أن تكون بالمنع، والمراقبة، والتّجريم، وإنّما بالتعاون بين كلّ الأطراف من دولة، وعائلة، وسياسات المواقع.
أوّل عنصر في برنامج الحدّ من أثر السّجن الرّقمي الذي يمكن أن يقع فيه الطّفل هو المرافقة ما يدلّ على دور العائلة والوالدين بالذّات في برامج التّحرير من السّجن الرّقميّ، والمرافقة تؤدّي إلى اقتراح نظام تعامل تبادليّ مع العوالم الرّقميّة، وكذلك أنظمة نشاط تعويضيّ، فباجتماع هذه الخطوات يمكن للطفل بداية من عمر الثلاث سنوات إلى سنوات ما قبل البلوغ والرّشد أن يتخلّص من الإدمان الرّقميّ، ومن تحوير سلوكه الرّقميّ إلى أن يكون آمناً.
عبر المرافقة لا المنع تعزّز ثقة الطّفل وبعد ذلك الشّاب في علاقته بالرّقمنة والمواقع الرّقميّة، ويكون ذلك عبر توفير الفضاء الآمن للجواز الرّقميّ، الفضاء الذي يجعل الطّفل يحسّ الحريّة وفي نفس الوقت ينضبط للنظام فيدرك أنّ التّعامل مع المواقع مسؤوليّة مكّنه الأب أو المجتمع من تحمّلها، ومن وسائل تعزيز هذا المسار الحوار مع الطفل، فالحوار يعزّز الثّقة، ويصحّح الأفكار الخاطئة حول الإنترنت، والحرّية، والمعرفة الرّقميّة، ولعلّ أفضل الوسائل تقديم النّموذج، وجعل الممارسة الشّخصيّة الأبويّة مع المواقع مثالاً يحتذى، ولا يكون ذلك إلّا بالظّهور، والشّفافية، والمشاركة، أي مشاركة الطّفل أو الشّابّ في نشاطات رقميّة مفيدة ومغنية حتّى يرى الجانب المشرق من الحداثة التّواصليّة، ومن الرّقمنة الغازية.
يمكن كذلك إدراج موادّ تربويّة ذات توجّه صحّي في علاقة بالمنتجات المعروضة على المواقع الإلكترونيّة سواء أكانت متعلّقة بالجوانب الجسديّة في حالة الحديث عن موادّ الاستهلاك الضّارّة مثل الأشربة، والمخدّرات، أو الجوانب النّفسيّة والاجتماعيّة في حالة الحديث عن البرامج المنافية للأخلاق، أو خطر الابتزاز الرّقميّ، ويكون ذلك في برامج التّعليم، وبرامج المرافقة العائليّة علماً وأنّ التّركيز على الجانب الأخلاقيّ قد يكون غير مفيد في هذه الأمور بسبب كون النّاشئة ألفت العالم الرّقميّ، وهي متصالحة معه أصلاً ومبدأ.
من وسائل المعالجة كذلك دفع الطّفل إلى الانخراط في العمل الاجتماعيّ، والقطع مع العزلة الاجتماعيّة المفروضة بقوّة الإبهار التّقنيّ عبر تنظيم أوقات الجواز إلى العوالم الافتراضيّة ومحاولة ضبط إيقاع الحياة اليوميّة من نوم، واستيقاظ، وعمل، والتّقليل من ساعات الجلوس والسّكون لصالح ساعات النّشاط الحركيّ التي تبعد الطّفل عن ملامسة الأداة الرّقميّة.
اللعب اللعب
يمكّن الابتعاد عن الواقع الافتراضيّ من إعادة تفعيل الأدوار الحقيقيّة للحياة الاجتماعيّة الطّبيعية التي تقتلها المواقع وتعوّضها بنشاط اصطناعيّ لا تفعّل فيه إلّا بعض الأعضاء، ولا يستهدف إلّا بعض الإدراكات، فاستعادة النّشاط الطّبيعيّ لدى الطّفل سيكون مساراً علاجيّاً ووقائيّاً مهمّاً، وأهم نشاط طبيعيّ للطّفل اللعب سواء أكان موجّهاً أم عفويّاً، فاللعب يسهم في بناء الشّخصيّة وتنميتها، وفي تكريس الاندماج الاجتماعيّ، وفي تمثّل الأدوار الاجتماعيّة التي تنتظر الطّفل في مستقبل أيّامه، وله أبعاد مختلفة جسديّة، وعقليّة، وانفعاليّة، فهو يكرّس الحركة، ويقاوم السّكون، ويمكّن من التّعامل مع الأشياء واستثمارها في حلّ المشكلات، ويمكّن الطّفل من استكشاف المحيط الطّبيعيّ، وتعرّف حقائق المدركات جميعها إن كانت صوتيّة، أو بصريّة، أو شمّية، أو لمسيّة، وبالتّالي يمكّن من تطوير القدرة الذّهنيّة والتّصوريّة لدى الطّفل، والقدرة على التّخييل، وعلى تثمين الذّات في العالم المحيط سواء أكان عالم الموادّ أم عالم البشر والعلاقات، وهذا أفضل أسلوب للتّوقّي من أخطار الرّقمنة والحياة الافتراضيّة على المواقع.