(.. ذلك لأن الكتاب مشتق من حياة الأسرة المصرية القاهرية اشتقاقاً، فهو قطعة منها، وهو يُصوّرها في أساليبه، فأنت لا تكاد تأخذ في قراءته حتى يُخيّل إليك أنك لا تقرأ، وإنما أنت تسمع وترى، وأنت تظن أول الأمر أنك تسمع هذه الفتاة، وتراها تتلطف لجدتها وتدور حولها تلتمس منها القصة والحديث، وأنك ترى هذه الجدة مستجيبة للفتاة في حب وحنان، متحدثة إليها في صدق وصراحة وإخلاص، ولكن الحديث لا يلبث أن يأخذك، وإذا أنت تنسى الجدة والفتاة، وترى هؤلاء الأشخاص الذين يدور الحديث عليهم بين الجدة والفتاة يسعون ويعملون، وتسمعهم يجدّون ويهزلون، وإذا أنت واحد منهم، وإذا أنت تشاركهم في حياتهم، وتشاطرهم آلامهم ولذاتهم، كل ذلك دون أن تبذل جهداً أو تتحمل مشقة أو تكلفة عناء، لأن الكتاب قد أفرغ في هذا اللفظ المصري الحلو الذي نصطنعه حين يتحدث بعضنا إلى بعض، فلا نجد في اصطناعه ولا فهمه إعياءً ولا عسراً). مقدمة الدكتور طه حسين لقصص أحاديث جدتي، تأليف الدكتورة سهير القلماوي، كتاب الهلال، العدد 330، يونيو عام 1978، مؤسسة دار الهلال بالقاهرة، ص 14، وص 15.
السيرة والمسيرة
ولدت سهير محمد القلماوي يوم 20 يوليو عام 1911 في مدينة طنطا شمال القاهرة (بفتح السين وهو النطق الصحيح)، ومعناها في العربية (سحر). والدها الدكتور محمد القلماوي من أصل كردي من تركيا، كان يعمل طبيباً جراحاً، ومثقفاً منفتح العقل، فحرص على تعليم بناته. وكان جدها لأمها ضابطاً بالجيش التركي وصل إلى رتبة أميرلاي من مدينة ديار بكر، كردستان تركيا، حُكم عليه بالإعدام، فهرب إلى مصر، وعمل في قصر الخديوي إسماعيل مديراً لرعاية الشؤون الملكية.
(وقد بث تليفزيون بغداد بداية عام 1965 لقاء جمع الدكتورة سهير القلماوي مع كبار رجال الدولة العراقية، وسألها الرئيس العراقي عبدالسلام عارف، رئيس جمهورية العراق: من أية محافظة مصرية أنت؟
أجابت: نحن أصلنا كردي، وجدي ووالدي كانا محكومين بالإعدام من قبل زمرة الاتحاد والترقي العنصري التركي، ثم هربا والتجآ إلى سوريا، ثم رحلا إلى مصر، وقد كتبنا كثيراً عن استهتار السلطانين عبدالحميد الثاني ورشاد بالشعوب غير التركية، وبخاصة الشعب الكردي، حيث كانت أسرتنا آنذاك تقيم في إحدى ضواحي مدينة ديار بكر في كردستان تركيا، وكشفنا جرائمهم وجرائم من بعدهم، بمن فيهم كمال أتاتورك مؤسس جمهورية تركيا الحديثة. ثم أضافت الدكتورة القلماوي، وبصوت أعلى، وقالت إنها ولدت في مصر، وإن أسرتنا وأسرة كل من الأسرة التيمورية والباحث محمد علي عوني وعباس العقاد وأحمد شوقي الشاعر والقارئ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد وغيرهم من بناة النهضة المصرية المعرفية، هم جميعاً من الكرد الذين هربوا حفاظاً على أرواحهم من جور العثمانيين وحكام تركيا). مقال فاضل عباس الجاف، ملاحق جريدة المدى، 9 فبراير 2016.
أمها: زهرة إبراهيم راجي، من أصل شركسي، تعلمت في مدارس الجاليات الأجنبية، تجيد اللغات: الفرنسية والإيطالية والكردية.
عاشت والدتها عدة سنوات مع والدها في طنطا بعد مولد سهير، لكنها عادت للقاهرة لتعيش مع شقيقتها في منزل والدها بحي العباسية، واضطر الأب أن يسافر يومياً إلى طنطا ليمارس عمله كطبيب. التحقت سهير القلماوي من صف الروضة عام 1915، حتى حصلت على الشهادة الثانوية (البكالوريا) بتفوق من كلية البنات الأمريكية بالقاهرة عام 1928. وكان لديها رغبة في دراسة الطب لتكون طبيبة مثل والدها، لكن رغبتها لم تتحقق، لأن الجامعة رفضت قبولها في كلية الطب. كانت واحدة من أول خمس فتيات يلتحقن بالجامعة المصرية عام 1929، وهن: نعيمة الأيوبي، فاطمة سالم، زهيرة عبدالعزيز، سهير القلماوي، فاطمة فهمي. وكانت سهير القلماوي الطالبة الوحيدة التي تدرس في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) وسط أربعة عشر طالباً، تفوقت عليهم وحصلت على ليسانس الآداب عام 1932، وكانت الأولى على دفعتها.
وشجعها الدكتور طه حسين على استكمال دراساتها العليا، فحصلت على الماجستير في الآداب برسالة عنوانها: أدب الخوارج في العصر الأموي عام 1937. وشجعها أيضاً للسفر إلى فرنسا، وحصلت على منحة دراسية لاستكمال دراساتها العليا وإجراء البحوث في باريس لشهادة الدكتوراه من دائرة اللغات العربية والشرقية، جامعة السوربون، عام 1940. وأصر طه حسين عليها أن تسافر إلى أوروبا، فقال: (أبيت إلا أن تسافر إلى أوروبا لتلقى جماعة من المستشرقين الذين يعنون بهذه الدراسات، فتسمع منهم وتتحدث إليهم، وتستعينهم على مهمتها الشاقة. ومنذ ذلك الوقت اختارت من الأدب الشعبي جزءاً من أدق أجزائه وأشقها وأشدها عسراً على الباحث، وهو كتاب ألف ليلة وليلة).
وكانت أول طالبة تحصل على دكتوراه الآداب من جامعة السوربون برسالة عنوانها: ألف ليلة وليلة عام 1941، وأول محاضرة تدرّس الأدب الشعبي في الجامعة المصرية عام 1943، ومن خلالها وضعت أسس علم المأثورات الشعبية (الفولكلور). ومن تلامذتها في الأدب الشعبي: الدكتورة نبيلة إبراهيم، الدكتور أحمد مرسي، الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي، الدكتور صلاح الراوي.
وأثناء دراستها في فرنسا تعرفت على الدكتور يحيى الخشاب، وبعد عودتهما من باريس تزوجا، وشهد على عقد الزواج الدكتور طه حسين، وأنجبا ابنة واحدة، وولدين؛ الدكتور الجراح عمر الخشاب، والمهندس ياسين الخشاب. وبعد عدة سنوات رحل الدكتور يحيى الخشاب مخلفاً وراءه خسارة كبيرة في مجالات الدراسات الشرقية وأدب الشعوب الإسلامية.
نُشرت مقالاتها أثناء دراستها بالسنة الثالثة بالجامعة عام 1931، فكتبت في مجلة الرسالة الأسبوعية ومجلة الثقافة، وكانت تنشر قصائدها الشعرية في مجلة أبوللو بتوقيع: الآنسة سهير. ولا تزال لها قصة بعنوان: وهدمنا الجبل، متاحة للقراءة بالإنترنت، العدد الأول من مجلة القصة، يناير 1964، التي كان يرأس تحريرها محمود تيمور.
وبعد تخرجها من الجامعة، عيّنها الدكتور طه حسين مساعد رئيس تحرير مجلة الجامعة عام 1932، وأصبحت سهير القلماوي أول امرأة تحصل على رخصة للعمل بالصحافة. وعند افتتاح الإذاعة المصرية عام 1934، رشحها الدكتور طه حسين لإلقاء حديث بالإذاعة كل ثلاثاء، وكذلك رشحها للإشراف على صفحة الأدب بمجلة الراديو (مجلة الإذاعة والتلفزيون فيما بعد) مقابل 150 قرشاً في الشهر.
وعرض عليها أحمد أمين، صاحب مجلة الرسالة الأسبوعية، كتابة ثلاث مقالات كل شهر مقابل خمسة جنيهات، وأشرفت على صفحة المرأة في جريدة الوادي، وأصدرت مجموعتها القصصية الأولى: أحاديث جدتي، عن دار التأليف والنشر بالقاهرة عام 1935، وبدأت مشوارها المهني كأول محاضِرة بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول عام 1936، وحصلت على درجة أستاذ الأدب العربي الحديث بقسم اللغة العربية بكلية الآداب عام 1956، ثم رئيس قسم اللغة العربية من عام 1958 حتى عام 1967، وأول رئيسة للبيت الفني للفنون الشعبية عام 1961، ورئيسة الاتحاد النسوي المصري، وأول رئيسة لمؤسسة التأليف والنشر (الهيئة المصرية العامة للكتاب حالياً) من عام 1967 حتى عام 1971، وأسست أول معرض للكتاب بالقاهرة عام 1969، وساهمت باكتشاف العديد من المواهب الأدبية.
بدأت الدكتورة سهير القلماوي عملها السياسي عندما تم تعيينها عضواً بمجلس الأمة عام 1958، وأصبحت عضواً بمجلس الشعب عن دائرة حلوان من 23 يونيو عام 1979 حتى 30 مارس عام 1984، وتولت رئاسة لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشعب، وتولت الإشراف على الهيئة العامة للرقابة على المصنفات الفنية من عام 1982 حتى عام 1985، وكانت من الأعضاء المؤسسين لاتحاد كتاب مصر عام 1975، وعضواً بمجلس إدارة اتحاد كتاب مصر، ورئيسة لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضواً بالمجالس المصرية المتخصصة. وبعد رحلة طويلة من التدريس بالجامعة والعمل الثقافي، توفيت الدكتورة سهير القلماوي بالقاهرة يوم 4 مايو عام 1997 عن عمر 86 عاماً.
المنجز الأدبي
أصدرت ثلاث مجموعات قصصية: أحاديث جدتي، الطبعة الأولى عن لجنة التأليف والترجمة والنشر عام 1935، والثانية كتاب الهلال عام 1978، الشياطين تلهو، قصص مستوحاة من ألف ليلة وليلة، دار القلم للنشر عام 1964، ثم غربت الشمس عن قصة سقوط الأندلس وحياة الشاعر محمد بن يوسف بن زمرك عام 1965.
وأصدرت عدة دراسات نقدية، منها: ألف ليلة وليلة عام 1943، أدب الخوارج في العصر الأموي عام 1945، في المعبد عام 1950، في النقد الأدبي عام 1955، المحاكاة في الأدب عام 1955، أهرامات عربية عام 1959، فن الأدب عام 1973، ذكرى طه حسين عام 1974، العالم بين دفتّي كتاب عام 1985.
وأشرفت وشاركت في تأليف عدة موسوعات: حول مائدة المعرفة عام 1964، والموسوعة الميسرة عام 1965، وأول موسوعة باللغة العربية للطفل عام 1990.
وترجمت عدة كتب، منها: القصص الصينية للكاتب بيرل باك عام 1950، ترويض النمرة، مسرحية ويليام شكسبير، عام 1964، عزيزتي أنتونيا، رواية الكاتبة الإنجليزية ويلا كاثر، رسالة أيون لأفلاطون، وعشر مسرحيات لشكسبير، وأكثر من 20 كتاباً في مشروع الألف كتاب الذي أصدرته الهيئة المصرية للكتاب.
ومن أبحاثها: المرأة عند الطهطاوي، وأزمة الشعر.
الجوائز الأدبية
نالت الدكتورة سهير القلماوي الكثير من الجوائز، أهمها: الجائزة الأولى لمجمع اللغة العربية عن كتاب: ألف ليلة وليلة عام 1943، جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عن كتاب: المحاكاة في الأدب عام 1955، جائزة ناصر المهداة من الاتحاد السوفيتي السابق عام 1976، جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1977، وسام الاستحقاق/ الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1978.
وفي يناير عام 2019، وبمناسبة مرور خمسين عاماً على بدء معرض القاهرة الدولي للكتاب، تم تكريم اسم الدكتورة سهير القلماوي، لأنها أسست أول معرض للكتاب بالقاهرة عام 1969.