كان جدي يعدُّ رملَ الوطنِ كلَّ صباح
خوفاً أن يسرقه أحد.
جدي الذي قالت له أمه
وهو ذاهبٌ للحرب:
لا تُقتل من الخلف
محذّرةً إياه:
ستقطعُ ثديها الذي أرضعته منه
وسترميه للكلاب.
كان اللبنُ في صدرِ أمي وطناً،
عرانيسُ الذرةِ في حقولِ أبي،
الماءُ المتدفّقُ من حناجرِ الأرض،
الصافيةِ حيناً
والمعكّرةِ بفكرةِ الجفافِ حيناً آخر.
صباحاتُ الموانئ
الضاجّةُ برقصةِ الأسماكِ الأخيرة
تجاه التنانير،
اليدُ الخشنةُ التي صفعتني
في عودةِ البيتِ المتأخرة،
واليدُ نفسها التي لمست السماءَ
بالدعاءِ لي،
كلُّ هذه كانت وطني.
الوطنُ الذي تنشده الأمهاتُ في طفولتنا
ونحن نبكي،
مانحةً لنا هناديل أشجارها
المجدولةِ بالسعفِ
لنَّنام.
كبرنا… واتسع الوطن
في لوحةٍ أمطرت غيومُها يوماً
لشجرةِ بُنٍّ شعرت بالعطش،
في رائحةِ الطين
وليس الطينَ ذاته،
في الريح
التي جعلت من الرملِ نحّاتاً
على أكتاف الجبال،
وفي البحر
الذي سكبه شاعرٌ في مخيلتهِ… ومضى.
الوطن فينا
ما يشبه حنينَ النافذةِ إلى الشجرة،
ظلّ يحبو على صدورنا
في صالاتِ المغادرة،
في غربتنا الممتدة
من السماءِ إلى السماءِ،
وفي الحنينِ نفسه
الذي يأكلنا للعودة
من بلادِ الثلج
إلى القيظِ اللائذِ بالنخل،
منتعلين الطينَ كعباً عالياً
إلى إبلنا وصحرائنا،
تاركين خلفنا
مدناً تشبه الجنة
لكنها ليست الوطن.