في ظلال السينما السردية، وهي الشائعة في صناعة الأفلام، نجد أن هناك نوراً يضيء طريق من ارتمى في عالم السينما بنية الارتباط بالمعنى. تتحدد السينما الشعرية بعدة عوامل بسيطة، أولها (الصورة). ما نراه من مشاهد اعتيادية في حياتنا هو أمر شبه خصوصي، لا نخبر به أحداً عادة إلا بتعبير عاطفي وتأملي، كعصرية يوم حار يسودها الفراغ والملل، أو المشي في ليلة باردة دون وجهة. هي أمور نستشعر أثرها في ذواتنا، لكننا لا نبوح بها. تتجلى الصورة في السينما الشعرية لكونها أساس المشهد، فامرأة مستلقية على سريرها لدقائق معدودة دون تفاعل تعبر عن حياة كاملة لم نرَ منها سوى لحظات منهكة.
حتى نعرف أكثر عن ماهية السينما الشعرية، علينا أن نعرف أن هناك جوانب متعددة نستطيع التطرق لها. من الجانب العملي، يُظهر هذا النوع من السينما تحرراً أكبر في مفاهيمه، حيث لا يتطرق المشهد لحدث معين، ولا توجد خطط موضوعة بعناية لسير العمل.
أتذكر حديثاً للمخرج التايواني تساي مينق ليانق (tsai ming – liang) عندما سُئل عن طريقته في صناعة الفيلم، قال إن الفيلم بالنسبة له، والعمل الفني بشكل عام، كمن يزرع بذرة شجرة، يعلم أنها ستنبت لكن لا يعلم كيف سيكون مظهرها. نعرف من خلال حديثنا أن الكاميرا هنا ليست سوى جزء ثانوي من شيء أكبر يحدث، تعمل كمراقب، تشاهد الناس بدقة وتتطفل بحجة البحث عن معنى.
تترقب الكاميرا أن يتكلموا بعد سبات طويل، أن يفعلوا أي شيء ليثوروا على الصمت المحدق. وحين لا يبدر منهم تصرف، يتحولون إلى نافذتنا المطلة على حياة كاملة ومنشغلة، نسترق النظر من خلال أعينهم ونعلم عن مشاعرهم من خلال حركة أيديهم. ومع مرور الوقت، يصبحون، حيناً في حين، انعكاسنا، متظاهرين في حياة لم نعرفها.
في فيلم المخرج الإيراني الشهير عباس كيارستمي (كلوز آب) (1990) الذي يروي قصة حقيقية عن حسين سبازيان وهو شاب محب للسينما، يتقمص شخصية مخرجه المفضل محمد مخملباف ويتواصل مع عائلة إيرانية بنية التصوير في منزلهم، تتوطد العلاقة فيما بينهم، وتكثر زياراته لهم، يخبرونه بقصصهم ويحكي عليهم هو الآخر عن تجاربه في المجال، حتى يتم القبض عليه في نهاية المطاف، لم يكن له مطمع هو فقط رغب أن يعيش حياة مختلفة، حياة لم يستطع أن يختبرها سوى خلف شاشة التلفاز.
يعلم فيما بعد المخرج عباس كيارستمي عن هذه الحادثة ويقرر صنع فيلم عن قصة حسين سبازيان. فقرر أن يتواصل معه، ثم تواصل مع القاضي الذي نظر في قضية حسين وأفراد الشرطة الذين قبضوا عليه وعلى العائلة التي نصب عليها وعلى المخرج محمد مخملباف الذي تقمص شخصيته حسين، ثم أقنعهم بالتمثيل في فيلمه، حيث صور هذه القصة بشخصياتها الأصلية.
لم يكن فيلماً وثائقياً، بل كان فيلماً روائياً طويلاً، أعاد فيه عباس تصوير الواقع، أعطى حسين فرصته في تغيير مصيره وبالتالي استطاع أن يعطي الناس القدرة على تغيير حكمهم عن حسين سبازيان. كان تمريناً لخلق واقع مختلف، نعلم أن ما حدث بالتأكيد لا يمكن تغييره، لكن السينما تعطينا هنا إجابة مغايرة نتحدى فيها الزمن.
لا أعلم ما إذا كانت أحلامنا هي دليلنا الحي في هذه الحياة، ولا أعلم ما مقدار معرفتنا لذواتنا في نهاية الأمر. يتوق المرء لشعور استوطن نفسه ثم ارتحل، فيظل متلبثاً بتلك الذكرى المشوهة لما قد يعود، كمثل الذي لا يكف النظر في صورة قديمة، محدقاً باستنجاد لأي تفصيل يألفه، فيعجز!
تأتي السينما هنا بمثابة المرشد لطريق لا آخر له، فتطلب منك أن ترى ثم تسمع ثم تشعر. وستخبرك بعدها أنه لا توجد وسيلة، فتعرف أنه لطالما كان هذا الشعور حبيساً في داخلك، يتلبس ألف وجه ليزورك.
يتحدث فيلم (كايلي بلوز) (2015) للمخرج الصيني بي جان (Bi Gan) عن طبيب يقطن في مدينة ريفية، يتفاجأ بيوم ما باختفاء ابن أخيه في مدينة أخرى، فيستقل قطاراً يمر من خلال زمن مختلف ليأخذه هناك، في تلك المدينة يقابل معارفه، بعضهم قد ماتوا منذ زمن وبعضهم أحياء. تتعمد القصة دمج العالم الروحاني مع الملموس في إطار رتيب وواقعي، حيث تناقش اختلال الذكريات والأحلام وتلبسها للواقع بطريقة مذهلة.
لطالما كانت السينما الشعرية أداة مهمة تجعلك مقدراً لما حولك من حياة، تعلمك أهمية الصمت، وتهذب النفس عند حاجتها للتهذيب. وترى من خلالها الأمور بمنظور مختلف. ولكن في خاتمة هذا المقال، لا أكف عن سؤال نفسي: كيف يمكن للسينما أن تؤثر على جوانب من حياتي لم أكتشفها بعد؟