مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

سيميائية الحياة عند كتاب اليوميات

إن السيميائيات في تصور (بورس)، تدخل في حركية الفعل الإنساني، حيث تجعل من الإنسان علامة وتجعل منه صانعاً للعلامة، فهو المنتج والمستهلك والمروج لها. وهي في حقيقتها تساؤل عن المعنى، وهذا ما يسمى بسيرورة (السميوز) المبني على التأويل، المنطلق نحو آفاق جديدة تضع الدلالة داخل سيرورة (اللا متناهي)، وهذه السيرورة لا تعتمد التعيين الثابت للمعنى، بل هي خزان لا ينتهي من الدلالات، وبعبارة أخرى: هي مستوى المؤول الديناميكي الذي يخرج المعنى من دائرة التعيين إلى دائرة التأويل بمفهومه الواسع، (فلا يمكن البحث عن المعنى خارج العلامات، ولا يمكن أن نفكر دون علامات، فالمعنى موجود في العلامات، والعلامات وحدها هي السبيل إلى إنتاج الدلالات وتداولها). ويحيط بالعلامة الجامعة علامات فرعية داخل النص ترفد وتساعد وتشير إلى العلامة الجامعة، وتحيل إلى مناطق التأويل، وتسمح لنا في فهم الصلة بين ظاهر النص ومقاصده، مما يتيح لنا أن نرسم حدوداً متحركة لإنتاج دلالات متعددة للنص الأدبي. فالنص الأدبي عند السيميائيين (كالسماء: غائمة المعالم ولكنها تبهرنا بعمقها).
وبهذا المعنى أردت أن أوظف البعد السيميائي في قراءة نص سردي، وهو نص (اليوميات)، سعياً إلى اكتشاف بنيته الدلالية العميقة وبحثاً في مختلف العلاقات التي ينسجها كاتبها يوماً بيوم. كما أشار جورج ماي في كتابه السيرة الذاتية (أن مفهوم اليوميات يتحدد في الكتابة يوماً بيوم). وهي نص سردي ذاتي. كما عرف خالد أبوحكمة اليوميات بقوله: (تعد أحد الأنماط السردية التعبيرية لربط اتصالاتنا بالعالم، وتعتمد هذه اليوميات على تقنية الحضور الذاتي للمؤلف بمرجعيته الاجتماعية والتاريخية، فهي تسجيل شخصي للأحداث، والتجارب، والأفكار، والملاحظات، خلال فترة زمنية محددة، باستخدام لغة حكائية يمتزج فيها الواقعي بالاحتمالي)، وهذا يعني أنها سجل يومي لأنشطة شخصية ومشاعر وانطباعات وتأملات كاتب في الحياة، يوميات مرتبطة بالحميمية، (فأصبحت تكتب لتنشر، ولا تزج في الأدراج، وتحت الوسادة والمخابئ).
ولما كان مدار القراءة حول سيميائية (الحياة) عند كتاب (اليوميات)، توقفت عند مصطلح (الحياة) باعتباره علامة جامعة، وبصفته مفهوماً إنسانياً روحياً يقوم على سيطرة مفاهيم السعادة والفضيلة والمعرفة والتأمل والوجود لدى بعض كتاب اليوميات. فالحياة في السياق الفلسفي هي: ذلك الشكل من أشكال الوجود الذي يتقدم وينمو، ويتفاعل، وتستخدم فيه الطاقة من أجل التطور والنمو على الصعيدين الجسدي والعقلي. وبمعنى آخر: هي تركيب بيولوجي عقلي معرفي قابل للنمو والتغير والتسامي. يقول شايع الوقيان: (الوجود البشري وجود حي والحياة هي الطاقة التي تدفع الموجود لكي يحقق ذاته).
ووفق العلامات اللسانية نسج كتاب اليوميات سيميائية خاصة بيومياتهم، فجعلوا للحياة معنىً مبتكراً يتصل بالحرية، والسعادة، والقدرة على احتمال الصمود في وجه الصراعات، والاستقرار وتقرير المصير.
الحياة/ الحرية
تقول الكاتبة (أنا ييس نن) في يومياتها: (وعلى الرغم من هذه المعرفة أجدني أواصل التحديق من نافذتي إلى بوابة السجن الحديدية العملاقة، وكأنني أرجو أن أجد عبر هذه التأملات انعكاساً للحواجز الداخلية في أعماقي والتي تحول دون حياة حرة طليقة).
تصرح الكاتبة (أنا ييس نن) بالعلامة الجامعة (الحياة) تصريحاً مباشراً تعيينياً (دون حياة)/ أي التقييد وسلب الإرادة والأسر، وعند النظر في علامة الحياة يمكن أن يتجلى مفهوم للكاتبة مقصود، ذو مضمونٍ عالٍ، قائم على حرية الإرادة من الظلم والاستعباد، وثمة علامات فرعية ترجع إلى (دون الحياة) رجوع الفرع إلى الأصل (المعرفة أواصل التحديق السجن الحديدية حواجز حرة طليقة)، فالكاتبة جعلت بينها وبين الحياة علاقة متينة بتجاوز هذه القيود بالإرادة وتحقيق الذات، وإن توظيف علامة/ السجن يؤكد ويحقق هذا التكثيف وهذه الدلالة الإيحائية لمعنى القوانين القاسية، وأداة القمع، وجحيم القهر. وما تحيله علامة/ التحديق من تركيز وشك وخوف وتحد لتقييد هذه الحياة، وإن القول بحرية إرادة الذات/الكاتبة يجعل من وجودها الإنساني مرتهناً لكونها حرة/طليقة، فتحقق ذاتها، بناءً على قدرتها على الاختيار بين الممكنات/ أرجو أن أجد عبر هذه التأملات. فيصبح وجدانها مصدراً لليقين (حقيقة) الحياة، وللشعور الإيجابي (سعادة) الروح والجسد. كما أن الوجدان المنتمي إلى القلب/ انعكاساً للحواجز الداخلية في أعماقي. فيه مسحة صوفية قادرة على أن تؤمن بموضوع أن الحياة هي، إرادة الحرية، إيماناً مطلقاً. وهذا يعني أن الحياة لن يعبر عنها إلا وجدان قادر على أن يعتنق الحقيقة بصفة أبدية، (لأن الحرية بمعناها الإيجابي هو أن يكون الإنسان قادراً على أن يفعل ما يشاء لتحقيق وجوده).
الحياة/ الاطمئنان والاستقرار
ويقول العقاد في يومياته تحت عنوان «فتش عن الحب»: (هذه السيدة هي (اللادي هستر ستانهوب) التي أصبحت في الأدب الغربي أسطورة مشهورة، منذ كانت بقيد الحياة قبل أكثر من مئة سنة. هجرت بلادها وعولت على الإقامة في الشرق بقية حياتها، فحجت إلى بيت المقدس، واختارت لها مكاناً بجوار صيدا بين عشائر الدروز، أقامت فيه من سنة 1812 إلى أن أدركتها الوفاة بعد ست وعشرين سنة وهي تناهز الثالثة والستين.
أما سر هذه الهجرة فهو (هوسة حب) قلبت بهوسة دين، فقد كانت تحب (السير جون مور) فمات فيئست من الدنيا، واعتزمت أن تتبتل بعيداً عن كل ما يذكرها بهواها، ثم تطور معها شعور الحب المفقود إلى شعور الزهد والأمل في البعث القريب).
تجسد الحياة، هنا، عند العقاد، دلالة اطمئنان واستقرار من خلال العلامات الفرعية للحياة (هجرت، الإقامة، اختارت مكاناً، أقامت، حب، تتبتل، هواها، الحب، الزهد، الأمل، البعث).
ونلاحظ أن الدلالة السيميائية لهذه اليومية تجنح نحو المعاني الصوفية: الهجرة (الترحال للصفاء والمعرفة)، بيت المقدس (عمق الدين والروح)، الحب (الفناء في المحبوب)، التبتل (انقطاع القلب مع بقاء السعي في الحياة)، الهوى (شهوة النفس)، الزهد (عدم المبالاة بوجود الدنيا أو فقدانها)، الأمل (الرجاء المقترن بالعمل واليقين). فكأن جمالية الحياة إنما تستند في أسسها اللسانية والدلالية إلى التماس المعاني العلوية والسامية، وكأن النص كان يريد أن يرتقي إلى الكمال الإنساني، إلى التسامي والمعرفة عن طريق الكشف الروحي. حيث تدور العلامات السيميائية على الرغبة في الحياة في مناخ روحاني هادئ مستقر/ إقامة أقامت حجت. وهذه إشارة إلى أن الإنسان أكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة طالما وجد البديل المناسب لذلك/ هجرت بلادها حجت إلى بيت المقدس اختارت مكاناً لها بجوار صيدا.
لقد كشف النص عن نيته في التعامل مع الحياة في شكل تجليات باعثة للاطمئنان والاستقرار، تبرز في نزعة ذاتية إشراقية، من خلال توظيف إشارات صوفية، لتجميل الحياة وتطهيرها، المناجاة/ تتبتل. واستيلاء ذكر المحبوب على القلب/ كل ما يذكرها بهواها. وفقدان الأمل والانكفاء للعزلة/ يئست من الدنيا. ويقابلها تضادياً شعور الرجاء والإحياء والوقوع الحتمي/ والأمل في البعث القريب.
كما تتسم هذه اللوحة السردية من يوميات العقاد بثنائية الحياة والموت للتعبير عن فناء العاشق في المعشوق والذي يرجع مرده إلى قيمة (تداولية) تتمثل في البعد التواصلي بين العاشقين/ فقد كانت تحب (السير جون مور) فمات فيئست من الدنيا.
الحياة/ تقرير المصير
يقول كافكا في يومياته: (تجري حياتي هنا كأنني واثق أن ثمة حياة أخرى غيرها، فالإخفاقات التي آلمتني في باريس أطمح في هذه الأيام كي أستعيدها، وبهذا يقع منظر النور الحاد المفصول، وأجزاء الظل على الرصيف. للحظة كاملة شعرت بأنني مكسو بالفولاذ، ما أبعد مثلاً عضلات الذراع).
ثمة في هذا النص علامات ترجع إلى الحياة، ومرتبطة بها برباط التجاور والاستلزام، وهذه العلامات هي: (تجري، واثق، إخفاقات، آلمتني، باريس، أطمح، أستعيد، لحظة، شعرت)، وعند التقاط هذه العلامات أمكنني النظر في العلاقات التي تشدها إلى الرؤية المركزية للحياة، فكانت هذه النتائج:
1 - الانفعالات النفسية: (الثقة الإخفاق الألم)
اقترنت الحياة في هذا النص بمشاعر الثقة المتجددة غير الثابتة/ تجري. والتي ترمز إلى الاستمرارية، وتحديد الاتجاه بدقة نحو الهدف (نحن نعلم أن البحث عن حقيقة الحياة هذه ليس سهلاً أبداً، طالما أننا ندرك أنه ليس هناك سوى حياتنا في ديمومة الصيرورة، مثلها مثل مغامرة الحياة نفسها). كما أن الثقة تستوعب سمات الإيمان الراسخ بالقدرة، والصدق، والقوة، واتخاذ القرارات، ومواجهة التحديات/ تجري حياتي كأنني واثق أن ثمة حياة أخرى غيرها. وهذا ما يحقق للذات/ الكاتب رغبة في مواصلة الحياة وما يترتب عليها من إخفاق وألم وتضحية، لأنها تنتظر حياة أخرى مجهولة المصير.
2 - البحث عن المفقود
يمكن القول إن البنية الرمزية لعلامتي/ أطمح أستعيد. تحيلان على معاني الرغبة القوية والحافز الداخلي للبحث عن التميز والتطور والارتقاء، ويمكن وصف هذا الطموح بأنه البحث عن حياة مفقودة باعتبار أن البحث عن الحقيقة طقساً من طقوس العبور إلى حياة أخرى، حياة ما بعد الإخفاق.
3 - القوى الخفية
لما كان الكاتب يدرك صعوبة التحول في الحياتين، استخدم النور، لدلالة الإرشاد/ وبهذا يقع منظر النور الحاد المفصول. واستخدم الظل، لدلالة وجود قوى خفية تمنع هذا النور من الوجود كالتردد والازدواج بين الحضور والغياب، والخوف/ وأجزاء الظل على الرصيف.
وهذا الوضع يجعل علاقة الكاتب بالحياة قائمة على صورة فولاذ حديدي/ للحظة كاملة شعرت بأنني مكسو بالفولاذ. وهي إشارة جسمية اشتغلت فيها الحواس مع العقل، لإبراز هذه الصورة المتمثلة في التعبير عن حالة القوة، ولتعميق الإحساس بحقيقة هذه الحياة، وهو أيضاً أي: مكسو بالفولاذ، علامة جسمية/ الكساء. تحيل على الصلابة الشديدة والقدرة على التحمل.

ذو صلة