تحتل المعاجم التاريخية للغات مكانةً بارزة في سجل المعرفة الإنسانية، مثل: معجم اللغة الفرنسية التاريخي، ومعجم أكسفورد الإنجليزي، ومعجم اللغة الألمانية. وعربياً هناك: معجما الشارقة والدوحة للغة العربية وقبلهما معجم القاهرة. وتعد هذه المعاجم كيانات مرجعية موثوقة، ومنظمة تستقصي رحلة الكلمة، منذ ولادتها حتى موتها أو تحولها مبنىً ومعنى، إذ تستتبع المعاجم التاريخية ولادة المعاني والمفردات وتحولاتها وتطورها، فضلاً عن اختلاف الاستعمالات باختلاف الأقطار والأمصار.
اليوم ومع ما أفرزته الحضارة الرقمية من معطيات وسلبيات، وقبل هذا ما أوجدته من معانٍ ودلالات واستعمالات ومفردات لم تكن موجودة في السابق، بل لا جذر في اللغة العربية لها، فضلاً عما تحوّر وتبدل وتطور من أساليب وكلمات؛ فإن الضرورة تحتم استحضار هذا المستجد الكبير، والأخذ بعين الاعتبار ما يُيسر أداء المعاجم التاريخية للغة العربية في سياقها الرقمي، وأولها سهولة إضافة المعاني ودلالاتها عبر وسيط رقمي من شأنه أن ييسر مواكبة الجديد المطرد. ثانيها ضرورة الاستعانة بالعقول الشابة والانفتاح على مصادر الأجيال الجديدة، التي فيها تولد المعاني وتتطور الاستخدامات، وعدم الانكفاء والاقتصار فقط على خبرات الأجيال السابقة الضليعة في ثقافة أزمنتها. وأخيراً ضرورة تيسير عمليات التعديل الفوري عبر ما يصل من ملاحظات وتصويبات.
إن المعاجم التاريخية للغة أيّاً كانت، ومنها اللغة العربية، وهو ما يعنينا في هذا العدد من مجلتكم (المجلة العربية) التي خصَّصت ملفها الرئيس حول هذا المبحث؛ تمر اليوم بمرحلة فاصلة في التاريخ المعرفي الإنساني، الأمر الذي يُلحّ بشدة عالية على أهمية تسخير الجهود وتوفير الدعم والطاقات للنهوض بهذه الكيانات اللغوية التي تتخصص في صون الهوية ورعاية المعاني.
فأهلاً بكم إلى مائدة المعاجم التاريخية للغة.