تعد المعاجم التاريخية مرايا دقيقة لملامح اللغة عبر الزمن، فهي لا تُخلد الألفاظ فحسب، بل تحفظ أثر الإنسان، بمفرداته، وأساليبه، ورؤيته للعالم. وحين تؤرخُ المعاجمُ للغة، تتجاوز رصد الكلمات المجردة، وتستعيد سياقها الحضاري، ونبضها الثقافي، ومسار تشكلها عبر القرون.
وعلاوة على المزاج العربي المعاصر الذي يتصاعد حماسه لتتبع تاريخ اللغة العربية ورصد تحولاتها، نشهد في العصر الحديث تطوراً لافتاً في صناعة المعجم التاريخي، لا يقتصر على المنهج والأدوات، بل يمتد ليشمل المضمون وصانعيه، الأمر الذي يستدعي تسليط الضوء على الأنامل الناعمة التي صار لها حضورها الفارق في مسار التأليف المعجمي، ولم تعد مُساهِمة ثانوية، بل عنصراً جوهرياً في فِرَق البحث والصناعة المعجمية، وصاحبة بصمة منهجية واضحة.
تجلت براعة النساء في توسيع زاوية النظر إلى المادة المعجمية، وفي قراءة الألفاظ ضمن شبكات دلالية وسياقية غير مسبوقة، مستفيدات من بيئاتهن واهتماماتهن الفطرية التي غُذيت بتعلم رفيع المستوى متعدد في المجالات ومتنوع في الاتجاهات، وحس تحليلي حدَّثَ طبيعة الأسئلة المطروحة وآليات الاشتغال، وقد انعكس حضورهن في إعادة تشكيل صورة المعجم التاريخي الذي يُصنفُ سجلاً جامداً للماضي، ليُصبح مشروعاً حياً يتجدد مع كل قراءة، ويغتني مع كل إضافة، ويشهد - عبر هذه المشاركة النسائية الواعية - مرحلةً جديدةً من الوعي اللغوي والعلمي تليق بتاريخ اللغة ومستقبَلها.
وإذا كانت أغلفة المعاجم القديمة قد خلت من أسماء النساء، فإن هوامش المخطوطات وخواتيمها تحتفظ بأقلام نسائية عريقة، وقد أدت الناسخات، مثل: مريم بنت عبدالقادر، وست الكتَبة، ولبنى القرطبية، وفاطمة بنت زكريا بن عبدالله، وعائشة بنت أحمد القرطبي، وتونة بنت عبدالعزيز بن موسى، دوراً بارزاً في حفظ النصوص اللغوية وضبطها، وهو دور لا يقل شأناً عن التأليف، إذ لولا النسْخُ الأمين لما استقرت المادة التي قامت عليها الصناعة المعجمية العربية، والناسخات لم يكن مجرد ناقلات ميكانيكيات للنصوص، بل كن يمارسن فعلاً معرفياً واعياً، ولاسيما حين يتعلق الأمر بكتب اللغة والمعاجم، فالنسخ في هذا السياق يقتضي معرفة دقيقة بالفروق اللفظية، والتمييز بين المتشابه، والانتباه إلى الحركات، والقدرة على كشف التصحيف والتحريف، وهي مهارات لا تنفصل عن جوهر الصناعة المعجمية نفسها.
ومن هنا، فإن الانفتاح العلمي الذي تشهده النساء اليوم، ومشاركتهن في مشاريع المعاجم التاريخية الحديثة لا تُمثل تحولاً، بقدر ما هي استعادة واعية لدور قديم حدثت المؤسسات العلمية المعاصرة اسمه، وعززت مكانته. فالمرأة التي تعمل اليوم على تأريخ اللفظ، وتحليل تحولاته الدلالية، وبناء مداخله المعجمية، إنما تقف - من حيث تدري أو لا تدري - في امتداد تاريخي لنساء تعهدن اللغة بالصون والرعاية.
وأسهمت النساء عبر التاريخ صراحةً أو ضمناً، في مادة المعجم التاريخي للغة العربية واستقرار نصوصه، ولاسيما أن المعجم لا يُصنع دفعةً واحدة، ولا يولد مكتمل البنية، بل يتكون عبر قرون من التدوين، والاستشهاد، والنسخ، والمقابلة، والضبط، والتعليق. ومن هنا، فإن كل صوتٍ قال كلمة، أو طورها مبنى أو معنى، وكل يد أمسكت بالقلم لتحفظ نصاً لغوياً، أو تُثبت شاهداً، أو تُراجع لفظاً، هم جميعاً شركاء في صناعة المعجم، وإن غاب الاسم الصريح عن صفحة العنوان.
وقد حضرت المرأة في مفصلين حاسمين من تاريخ المعجم: مفصل المادة، ومفصل النص، فهي من جهة مصدر لغوي استشهد بكلامها وبإبداعها الأدبي، وأسهمت في تثبيت الدلالة في طورها التداولي المبكر، وصقل الذائقة اللغوية، ومن جهة أخرى فهي حارسة للنصوص التي انتقلت عبر الأجيال، ومنها كتب اللغة والمعاجم الكبرى التي نعتمدها اليوم. وهذه الصورة المركبة تفرض علينا إعادة النظر في الفهم التقليدي لتاريخ المعاجم العربية، الذي اختزل الصناعة المعجمية في فعل التأليف وحده، وأغفل ما سبقه وما أحاط به من عمليات معرفية متراكمة، وتكشف الشواهد المنقولة عن نساء عربيات قبل الإسلام وفي صدره عن حقيقة منهجية بالغة الأهمية، هي أن المرأة لم تكن مصدراً لغوياً ثانوياً أو هامشياً، بل كانت في كثير من المواضع الوعاء الأقدم لتداول اللفظ وتثبيت دلالته، فحين نستقرئ هذه النصوص بوصفها شواهد معجمية، لا باعتبارها مجرد أقوال أدبية، يتبدى لنا أن التاريخ الدلالي لكثير من الألفاظ قد وصل إلينا عبر أصوات نسائية مبكرة.
وقد نجحت الجهود العلمية الحديثة في إعادة الاعتبار إلى النصوص المهمشة أو الأقل حضوراً في المدونات التقليدية، سواء أكانت نصوصاً أدبية، أو وثائق اجتماعية، أو كتابات علمية، وأسهم هذا التوسع في إثراء قاعدة الشواهد، وتوسيع الأفق الزمني والدلالي للألفاظ، وإغناء ذاكرة اللغة بأصوات لغوية غُيبت طويلاً حتى كادت تُنسى!
ولعل هذه الحقيقة هي إحدى مغانم المعاجم التاريخية المعاصرة، فنجد أن معجم الدوحة التاريخي مثلاً، رصد عبر النصوص التي جمعها في مدونته الضخمة، العديد من الشواهد المبكرة في التاريخ لألفاظ كان أول من استعملها: امرأة، مثل قول هند بنت الخُس الإيادية في وصف أحب الرجال إليها: (السهْلُ النجِيب، السمْحُ الحَسِيب، الندْبُ الأَرِيب، السيدُ المَهِيب)، وهو قول بمثابة وثيقة لغوية كثيفة الدلالة، تعكس وعياً دلالياً بالبنية القيمية للمجتمع العربي، وقدرة على تمثيلها لغوياً بألفاظ دقيقة استقرت لاحقاً في المعجم بوصفها معاني معيارية، وقد استُشهد بهذا النص في أكثر من مادة معجمية لأسبقيته في اللفظ والدلالة، إذ يُقدر تاريخ وفاتها: 202 قبل الهجرة/ 426 ميلادية، وهي الأولى في استعمال المباني أو استحداث المعاني للألفاظ الآتية: السهل، والسمح، والحسيب، والندب، والأريب، والمهيب، الأمر الذي يُعيد توجيه السؤال من: مَن ألف المعجم؟ إلى: مَن صنع مادته؟
إن المعجم التاريخي، في حقيقته، هو ثمرة جهد جماعي ممتد، شاركت فيه النساء بطرق متعددة: كتابةً، ونسخاً، وضبطاً، ونقداً للاستعمال، وتثبيتاً للدلالة، وبذلك، فإن حضور المرأة في صناعة المعجم العربي اليوم، لم يعد مسألة تمثيل رمزي، ولا تداركاً متأخراً لغياب تاريخي، بل يتجلى بوصفه عنصراً بنيوياً في تشكل الذاكرة اللغوية العربية. فاللغة التي تشكلت عبر تعدد الأيدي والأصوات لا يُستعاد تاريخها بقراءة أحادية، والمعجم الذي يطمح إلى استحضار الزمن اللغوي في كليته لا يكتمل إلا باستيعاب تضافر جميع العقول التي أسهمت في صناعته، جهراً أو همساً، متناً أو هامشاً.