كانت العربية قبل الإسلام لغة قوم متشاكسين، شُعثٍ غُبرٍ، يكاد يتخطفهم الطير، فهم قلة متفرقة بين شعاب الجبال وسهول الوديان، بينما كانت اللغات المحيطة بها غزيرة بكثرة متحدِّثيها، وقد غلبت العرب في السياسة والقتال والعلوم والفنون، أعني اللغات الفارسية واللاتينية والهندية. اقتضت حياة العرب في ذلك توسعاً في علوم بعينها، مثل معرفة الطرق بمواقع النجوم، ومعرفة منزل الغيث بشيم البروق، ولكن الأهم أنها اقتضت أن يطوِّروا أنماطاً لغوية خاصة، ففي أمة أمية كان الشعر نمطاً لغوياً يناسب نمط حياة لا يتيح رفاه الكتابة وأدواتها، فكان الشعر ديوان التاريخ وحافظ المآثر، وكانت الخطب في المواقف الجليلة، وكان السجع أسلوب الحكماء والثقات. هذه الخصائص النمطية في لغة العرب الأوائل كانت ضرورات لغوية تناسب تلك اللحظة التاريخية والاجتماعية، وهذه الخصائص - التي هي بالتأكيد من نعم الله على الأمة العربية منذ فجر ميلادها - تخبرك بخصائص عن العقل العربي القُحّ؛ إنه عقل ذكيّ وفطن واستثنائيّ على نحو مكَّنه من ابتكار أنماط وأساليب لغوية سهلة الحفظ والنقل شفاهة، تحمل بين طياتها رسائل خفية من المتكلم إلى المخاطب تخفى على الوسيط الناقل المتمكِّن من نفس اللغة. تأمَّل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حادثة الهجرة حين قال يجيب سائله: (من ماء)!
انظر كيف عرجت مخيلتك وعاطفتك تجاه العربية وأهلها من ذل الكفر والفقر إلى عز الإسلام وإبداع العقل! هذا بالضبط ما تقدمه المعاجم التاريخية، وهي تحفظ تاريخ كل كلمة وكيف فعل فيها أهل العربية في مدى يتجاوز عشرات المئات من السنوات، فكلمات تعلو معانيها وتتسامى، وكلمات تنحط دلالتها في مجتمعات وتحيِّدها مجتمعات أخرى، وكلنا نتحدث العربية ونمتّع من نبعها الأصيل، تلك البقعة المباركة التي اختارها الله لتكون منزل آخر رسالاته، وهذه اللغة التي ابتكر متحدِّثوها أنماطاً عجزت عنها بقية الأمم، وقصرت دونها رقاب اللغات، وذلك في زمن كانت فيه لغة القلة المتشاكسة، فأعزها الله وأعز أهلها بأن جعلها لغة المعجزة الخالدة (القرآن الكريم)، إذ نزل القرآن وقد علا كعب الأنماط اللغوية للعربية على اللغات، إلا أن أهلها كانوا مستضعفين في الأرض أذلة في عيون جيرانهم، يُضرَب بهم المثل في البعد عن الرفاه، فإذا بالإسلام يعيد خارطة العالم، ويمتطي العرب صهوة حصان الدعوة، فأعزهم الله بفتح العالم شرقاً وغرباً، وأبدلهم عن ظلمات الكفر والجهل والفقر أنوار الوحدانية والعلم والغنى، فصاروا هداةَ العالم إلى آفاق جديدة سرها تلك العقول الفذة التي توارثت اللغة العربية وأنماطها، فاللغة منظومة متكاملة للفكر والعمل.
سبر الخليل بن أحمد الفراهيدي خفايا إعجاز العربية، فاستطاع أن يستقرئ من أشعار العرب بحور الشعر، فرسم الدوائر من تفاعيل قوامها أوتاد وأسباب، وأسماه بيت الشعر، في إشارة واضحة إلى أن النمط اللغوي نتيجة حاجة حياتية لهؤلاء الناس الذين تقوم بيوتهم على دق الأوتاد وتثبيت الأسباب، فذلك عمود الشِّعر، وتلك بيوت الشَّعر! لكن إبداع الخليل لم يكن في رسم دوائر العروض، وإنما في رسم دوائر مغلقة سهلة الحفظ تكشف لحافظها كل معاني الكلمات العربية الشائعة في بوادي العرب وحواضرها، وفي التخوم التي اقترضت فيها العربية من رصيفاتها. إن إبداع الخليل ونباهته خُلِّدا في عمله الفريد (معجم العين)، العين الحرف الأعلى تكراراً في اللغة العربية، ولعل مرد ذلك يرجع إلى خصوصية مخرجه الصوتي في أقصى الحلق، فلعله يميز العربية أكثر من الضاد، هذه إحدى الفرضيات التي تتيح المعاجم التاريخية البحث في صدقيتها أو فسادها، ولعلَّ أول الثمار التي يمكننا قطفها من المعاجم التاريخية العربية الحديثة أن نقدِّم للعالم أبحاثاً تعتمد هذين المعجمين التاريخيين (أعني معجمَ الدوحة ومعجمَ الشارقة) تُري العالم مكانة العربية العريقة بين اللغات، ومكانةَ أهلها العلمية بين علماء الأمم الأخرى؛ إذ مثلاً في مجال المعاجم يبدأ التميز المعجمي من (كتاب العين) للخليل المتوفى سنة 175هـ.
غير أن العاملين في المعاجم التاريخية في كل اللغات، إن اختلفوا في اللغات المستهدفة ومناهج التحرير المعجمي وأهدافهم الفكرية من المعاجم، فإنهم جميعاً يتفقون في أن أي معجم تاريخي لأي لغة كانت لا يمكن أن يُنجَز إلا بتكلفة باهظة وجهود فكرية وعلمية وعملية جبارة، لذا لو تخيلنا أن بإمكان اللغات أن تتمنى، فلا أظن أن لغةً كانت في أكثر أمانيها تطلعاً تأمل في أكثر من معجم تاريخي يعتني بها، إلا العربية؛ إذ لم يكن ممكناً أن يكفيها معجم واحد، ولا فريق تحرير من بلد واحد. فالعربية التي اختارها الله لتكون لغة الدين الخاتم، أراد لها الله أن تجمع الإنسانية كلها على (لا إله إلا الله)، و(بالحكمة والموعظة الحسنة)، و(مكارم الأخلاق)، ظلت تبهر العالم بتعدد الشعوب المختلفة الأقطار التي لا ترى أقدس منها. وها نحن نقف منبهرين أمام ما حققته مشاريع المعاجم التاريخية للغة العربية من جمع وتأليف بين أفراد الأمة العربية، فإن بذرة المعجم التاريخي بدأت في مجمع القاهرة سنة 1932م، وأثمرت تلك البذرة بعد أن اختمرت وتغذت بجهود سلسلة متواترة من مفكري الأمة وعلمائها ونخبة من لغوييها شجرة طيبة فرعها في السماء سنة 2018م، حين أطلق أمير قطر الشيخ تميم بن حمد بوابة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية بعد الفراغ من تحرير مرحلته الأولى بمئة ألف مدخل معجميٍّ تؤرخ لألفاظ العربية من 500 ق.هـ إلى 200هـ، وتباهت العربية سنة 2021 عندما أطلق الدكتور سلطان القاسمي موقع معجم الشارقة التاريخي، وأعلن اكتمال العمل في الحروف الخمسة الأولى من الألفبائية العربية، وبحلول سبتمبر 2024 أعلنت الشارقة اكتمال المعجم التاريخي مطبوعاً في 127 مجلداً بنحو 78 ألف مدخل معجميٍّ، وفي ديسمبر 2025 أهدت الدوحة للأمة العربية معجمها التاريخي الأول بعد اكتمال تحرير المداخل المعجمية حتى تاريخ 2023م، فبلغ عددها 300 ألف مدخل معجميٍّ، وقدمت الدوحة هدية مليارية للباحثين العرب في شتى المجالات، إذ أتاحت لهم مدونة المعجم (أكثر من مليار كلمة) على بوابة المعجم، ولا شك عندي أن هذه المدونة ستفاجئ الباحثين بمصادرها الغنية والمميزة، إذ اعتمد معجم الدوحة على عدة مدونات حسب احتياجات كل مرحلة، ما جعل مدونته المتاحة على موقعه حالياً تسمح للباحث بالاستقصاء أو الانتقاء.
إن التباين الشاسع بين عدد المداخل المعجمية في معجم الشارقة ومعجم الدوحة يرجع إلى اختلافهما المنهجي، إذ اختار معجم الدوحة التفصيل منهجاً، فداخل كل جذر يورد أي لفظ مستعمل منه استعمالاً طبيعياً في مدخل منفصل، بينما اختار معجم الشارقة الإجمال والجمع بين أكثر من صيغة اشتقاقية في مدخل زمنيٍّ واحد، لذا يبدو معجم الدوحة أكثر تلبية لاحتياجات الفئات المختلفة (طلاب، باحثين، مثقفين، عامة الناس)، بل ويلبي احتياجات المتعلمين للغة العربية من الناطقين بغيرها، إذ يقدم معلومات صرفية عن اللفظ (الوسم). بالمقابل يلبي معجم الشارقة احتياجات من يهمه الإجمال والتطور الدلالي على مستوى الجذر أكثر من تفصيل ذلك على مستوى الفروع، فخلاصة الأمر أن هذا الفرق الشاسع بين المداخل المعجمية للمعجمين يضيف لكل منهما قيمةً علميةً تخدم اللغة ومستخدميها.
والأمر نفسه ينطبق على معيار منهجيٍّ آخر تباين تعامل المعجمين معه، ألا وهو معيار الاستعمال، إذ يحفظ معجم الشارقة من اللغة ما حفظته المعاجم السابقة حتى وإن لم يرد في سياق استعماليٍّ، بينما يلتزم معجم الدوحة بضرورة أن يرد اللفظ في سياق استعماليٍّ، أي في سياق حديث حقيقيٍّ غير مصنوع من قبل اللغويين، كالأمثلة المصنوعة التي ترد في كتب الصرف مثلاً، فكأن معجم الشارقة أرَّخ لبعض الألفاظ باعتبار الممكن، بينما حصر معجم الدوحة تأريخه في الكائن على الحقيقة.
أما ما اتفق فيه معجم الدوحة ومعجم الشارقة فهو التأكيد على عراقة وثراء اللغة العربية، وعلى أن هذه الأمة لا تزال على قلب رجل واحد، فكلا المعجمين حظي بفِرَق عمل ذات همم جبارة عملت فيهما ليل نهار لسنوات متواصلة، فقد أُنجز العمل في معجم الدوحة في نحو 13 عاماً، بدءاً من سنة 2013م، واستمر العمل في معجم الشارقة سبع سنوات بدأت سنة 2017م، وقد وقف خلف كل معجم جيش جرار ضم فئات مختلفة من الإداريين واللغويين والباحثين والتقنيين، ولا يزال كل من المعجمين في تحديث ومراجعة، وقد وضع العاملون في هذين المعجمين كل انتماء إلى غير العربية جانباً، فاتحدت الأمة وبارك الله العمل.