مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

حواديت الفسيفساء.. في لوحات روماني سمير

بين الأحجار والألوان التشكيلية واللوحات ينشغل الفنان المصري روماني سمير برسم الفسيفساء في مرسمه ليصنع لوحات جميلة يضع فيها سحراً لا يقاوم وموهبة قل نظيرها بين صناعات الحرف اليدوية. فمن أحجار بسيطة، تكون بداية لوحة فسيفسائية تُحاكي الخيال؛ تخرج من تحت أنامله لوحات تجبر العين والقلب على التأمل بها.
وتعتبر (الفسيفساء) من الفنون العريقة، حيث تعود نشأتها إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وتتميز بالتقنية العالية في تصنيعها الذي ارتبط منذ القدم بالعمارة والزخرفة، وهي من أقدم أنواع الفنون، إذ تمتد جذورها إلى أيام السومريين والبيزنطيين والرومان والعرب الذين تفننوا في إظهار أشكال لتعكس تطوّر الحضارات.
وُلد الفنان روماني سمير في مدينة قليوب، إحدى المدن المصرية العريقة التي اشتهرت بحرفييها ومشاغلها الفنية. في طفولته، لم يكن الرسم مجرد هواية، بل كان نافذته إلى عالم مليء بالألوان والأحلام. لاحظت عائلته شغفه المبكر، لكن الداعم الأكبر كان أخته الكبرى التي شجعته على الاستمرار، مؤمنةً بأن موهبته تستحق أن تُصقل وتنمو. كان لهذه البيئة دور أساسي في تشكيل شخصيته الفنية، وبخاصة أنه نشأ في مجتمعٍ يقدّر الصناعات التقليدية والفنون الحرفية، ما جعله منذ الصغر قريباً من تفاصيل العمل اليدوي المتقن، وهو ما انعكس لاحقاً في أسلوبه الفني.
لكن التأثير الأعمق في مسيرته جاء من عمه الأصم والأبكم، الذي كان يعبر عن مشاعره بالرسم دون حاجةٍ للكلام. من خلاله، أدرك روماني أن الفن لغة قائمة بذاتها، تُحس ولا تُقال، وهو ما دفعه إلى البحث عن أسلوبه الخاص، بعيداً عن التقليد، ليبدأ رحلة استكشاف الذات والتعبير عن رؤيته الفنية المتفردة. في بداية حياته كان يرسم بالأقلام والأحبار على الورق، فكان يبحث دائماً عن شيء مختلف، ومع مرور السنوات بدأ انجذابه نحو فن الموزاييك، ذلك الفن العريق الذي يعتمد على تجميع القطع الصغيرة لتكوين لوحاتٍ نابضة بالحياة. لكنه لم يكن راضياً عن اتباع الطرق التقليدية، فبدأ في تطويع الخامات، مستخدماً جذوع الأشجار والمواد الطبيعية، ليبتكر أسلوباً فريداً خاصاً به.
لم تقتصر أعماله على اللوحات، بل امتدت إلى الجداريات الفنية، حيث نفذ أعمالاً متميزة زينت أماكن متعددة، سواء في الكنائس أو الجوامع، مؤكداً أن الفن يتجاوز الحدود الدينية، ويجمع بين الجمال والتراث في تناغم فريد. وقد تضمن معرضه الأخير (حواديت الفسيفساء) قسماً رئيساً استوحاه من (بورتريهات الفيوم) التي تؤكد أن المصري القديم هو أول من أبدع وبدأ هذا الطريق في عالم الفن، وبورتريهات الفيوم هي مجموعة من اللوحات الواقعية للشخصيات، رسمت على توابيت مومياوات مصرية في الفيوم إبان فترة الوجود الرومانى في مصر. وقد أبدع في رسم هذه النظرات الهادئة للوحات المستوحاة من بورتريهات الفيوم، وهي تتطلع إلى الحياة الأبدية، بوجوه لها عيون واسعة تبرق بالهدوء، وتحمل أملاً وتفاؤلاً، وفي هذه الوجوه تعبير عن حيوية الحضارة المصرية القديمة.
ولأن الفنان روماني سمير من عشاق السيدة أم كلثوم فقد رسم لها عدة لوحات، فلم تكن أم كلثوم مجرد صوت، بل هي إرث إنساني، يعكس جانباً مهماً من وجدان وعاطفة العالم العربي. وجعل من هذه الصناعة التقليدية خيالاً. وعلى الرغم من طغيان الآلة والتكنولوجيا في هذا العصر يظل العمل الحرفي المتقن تحفة فنية لا تتأثر بمرور الأعوام.
تميزت أعماله بقدرتها على المزج بين التراث والمعاصرة، حيث أبدع في تقديم أعمال قبطية وإسلامية ذات طابع فريد، ونفّذ لوحات مستوحاة من الفن القبطي التقليدي، لكنها جاءت بروحٍ متجددة، تجمع بين الدقة والابتكار. وفي الجوامع، استطاع أن يضيف إلى الزخارف الإسلامية لمسةً حديثة، مستوحاة من العمارة الفاطمية والمملوكية، ليخلق حواراً فنياً خاصاً. لقد مر فن (الفسيفساء) بمراحل تطور فيها على مر التاريخ، منذ أن كان يصنف على اعتباره ضمن الفنون التطبيقية أو الحرفية، وصولاً إلى أن أصبح من الفنون ذات الطابع الخاص، حتى اتخذ لنفسة ملمحاً خاصاً، وكذلك لغة تشكيلية وتعبيرية مميزة.
إن الفنان روماني سمير تخطى برؤيته لهذا الفن من كونه فناً مستقلاً ذا ملامح وخصائص نابعة من طبيعته المائلة للتجريد؛ إلى حالة من التجديد والتنوع، بشكل مذهل في مجسمات دقيقة بالموزاييك.

ذو صلة