مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الميلودراما العوائق أمام الاعتراف النقدي

الميلودراما العوائق أمام الاعتراف النقدي

يثرب الصدير: الدمام
«أغمض عيني، لا لأهرب من العالم، بل لأراه أوسع» (طاغور)
بهذا المعنى العميق لطاغور جاءت السينما الهندية مدفوعة بواقع مأساوي نحو حاجة وجودية، فإذا ضاق العيش نفتح نافذة للحلم. وفي السينما الهندية تتجلى الأحلام فننسى الجوع ساعة، ونمشي نحو الأمل لنصدق أن العالم من الممكن أن يكون أعدل وأجمل. ففي الشاشة البيضاء يرى الفقير نفسه بطلاً، وانتصار العدل حتمي، والنهاية سعيدة. ومن خلال نافذتها التي فتحت من جدار واقعي شديد القسوة، حين كان الفقر واقعاً يومياً، والاستعمار ثم ما بعد الاستقلال عبئاً ثقيلاً؛ لم يرغب الجمهور الهندي أن تشبه السينما حياته، لذا منح نفسه حياة أخرى من خلالها، تبدو أكثر عدلاً، أكثر حباً، وأكثر احتمالاً.

لذا راحت حبة الأرز الهندية تكبر وتضخمت حتى صارت جبلاً في لمح البصر. ومن الحكايات الضاربة في القدم التي خلقت الأسطورة، ولدت الصور المتحركة، وكطفل في بداية نموه راحت تعالج حاجاتها بالعاطفة المفرطة، ولكنه طفل أعجبته لعبته وصارت تلازمه حتى بالكبر.
شكلت الميلودراما أحد أكثر عناصر السينما الهندية إثارة للجدل النقدي. فمنذ بداياتها، ارتبط الفيلم الهندي في المخيلة النقدية العالمية، خصوصاً الغربية، بنموذج عاطفي مفرط، شخصيات واضحة الانقسام بين الخير والشر، صراعات أخلاقية حادة، أداء تمثيلي عالي النبرة، وموسيقى بإيقاعات تُضخم الشعور. هذا النموذج، الذي استجاب في الأصل لحاجات شعبية وثقافية عميقة، تحوّل مع الوقت إلى عائق أمام أخذ السينما الهندية على محمل الجد نقدياً.
نظر كثير من النقاد إلى الميلودراما بوصفها نقيضاً للواقعية، وقرؤوها باعتبارها افتقاراً للنضج الفني. فتم اختزال السينما الهندية في مظاهرها الخارجية: الرقص، الغناء، الدموع، النهايات الأخلاقية الصارخة، دون الالتفات إلى السياقات الاجتماعية والنفسية التي أنتجت هذا الشكل التعبيري. وهكذا، جرى التعامل مع الميلودراما بعيداً عن كونها لغة ثقافية تترجم الحالات داخل مجتمع مليء بالمتناقضات بشتى أنواعها، وتمت قراءتها بوصفها مبالغات تجارية تُضعف القيمة الفنية للعمل.
زاد هذا التصور ترسخاً بفعل المقارنة الدائمة مع السينما الأوروبية الواقعية، التي اتُخذت معياراً عالمياً للجدية والحداثة، خصوصاً أنها كانت السباقة في خطوة السينما، ما جعل السينما الهندية تبدو، في نظر النقد السائد؛ سينما عاطفية أكثر من اللازم، أو شعبية أكثر مما ينبغي. وبذلك، لم يكن الإقصاء النقدي ناتجاً عن ضعف السينما الهندية بقدر ما كان نتيجة تحيز معياري يفضل أنماطاً سردية وجمالية بعينها.
لكن لنقل إن هذا العائق بدأ يتآكل تدريجياً مع بروز السينما الهندية الموازية، ثم مع التحولات السردية المعاصرة، التي أعادت تعريف العلاقة مع العاطفة. لم تختفِ الميلودراما كلياً، لكنها تحولت، من انفجار شعوري خارجي إلى توتر داخلي، ومن دموع غزيرة إلى صمت محمل بالمعاني والسياقات. ومع هذا التحول، بدأت السينما الهندية تستعيد مكانتها النقدية قليلاً، واستدارت الرؤوس النقدية العالمية ناحيتها دون أن تتنكر هذه السينما العريقة لماضيها، لكنها أعادت صياغته بذكاء واستدراك للحاضر بلغة أكثر هدوءاً وتعقيداً.
لم تكن الميلودراما عائقاً بحد ذاتها، بقدر ما كان العائق هو عدم الاعتراف بأنها لغة ثقافية مشروعة، قبل أن تعيد السينما الهندية المعاصرة تفكيكها من الداخل، وهذا النقد للميلودارما لم يأتِ فقط من الخارج، بل من داخل الهند نفسها أيضاً.
فقد أشار عدد من النقاد الهنود، وفي مقدمتهم (أشيش راجادياكشا) وهو أحد أهم منظري السينما الهندية، إلى أن إقصاء السينما الهندية نقدياً لم يكن ناتجاً عن ضعفها الجمالي، بقدر ما كان نتيجة إخضاعها لمعايير واقعية أوروبية لا تنتمي إلى سياقها الثقافي. فالميلودراما، التي عُدت طويلاً علامة على الابتذال؛ لم تكن سوى لغة تعبيرية شعبية أسيء فهمها، قبل أن تعيد السينما الهندية المعاصرة تفكيكها من الداخل. بينما كان للناقد والمؤرخ السينمائي (تشيداناندا داسغوبتا) وجهة نظر أكثر جدية؛ فقد انتقد هيمنة الميلودراما التجارية، لكنه في الوقت ذاته دافع عن فهمها بأنها استجابة شعبية بعيداً عن الانحطاط الفني الذي وصمت به، فطالب بالتفريق بين صناعة سينما شعبية وسينما الخطاب الفني، دون إقصاء أي منهما.
فهل كانت السينما الهندية تشبه ما وصف به الكاتب (ليوناردو بادرو) الأدب الكوبي في الفترة السياسية العصيبة التي مرت بها البلاد في السبعينات والثمانيات بأنه (أدب متعة وانبساط) للهروب من الحالة العامة للبلاد. أم أنها كانت كما قال عنها الناقد (تشيداناندا داسغوبتا) استجابة لحالة شعبية؟

ذو صلة