على مدى التاريخ الإنساني ظل البئر مرادفاً ملازماً للحياة، إلى الحد الذي أصبح هو مركز حركتها اليومية على مختلف مسارح الكائنات، دون أن يتوقف أحد بعقله وفكره في لحظة تأمل عميقة تعيد قراءة صلة البئر الموصولة بمعاني النماء والسُّكْنَى والبقاء.
وإذا كانت البئر قد شهدت تحولات متعددة على إيقاع تطور حياة الرعي والزراعة، واتساع التجمعات الحضرية واستخدامات المياه؛ فإن التحول الوظيفي للبئر من عين للماء، إلى نبع للنفط، تعد النقلة الأكثر تأثيراً في حركة الاقتصاد العالمي وتفاعلاته وتكتلاته سلماً وحرباً.
في هذا المادة الثقافية نحاول العبور من ضفاف ذاكرة التاريخ الوجودي لمفردة البئر، لتتبع حضورها في القرآن الكريم، والموروث الإنساني والعربي بتعدد أجناسه الأدبية والفنية، والسينما العالمية، متطرقين بإشارات خاطفة إلى الآبار التي عبرت الزمن، وصنعت التحولات العظيمة.
معجمياً، جاءت مفردة البئر من أصل الفعل الثلاثي بأر، أي حفر في الأرض (بؤرة) أو حفرة عميقة بغية الوصول إلى الماء. ورغم تعدد مسمياتها في التراث المعجمي الفصيح والشعبي كمسميات: (القَلِيب)، (الجُب)، (الرَّسّ)، (المعروشة)، (الماء)، (المَعِين)، (المورد)، (الموردة)، (المعْيَن) أو (المعْيَنة)، (المنزع)، (الجليب)، (الحاسي)؛ إلا أن التعدد يصب في واحدية المعني دلالياً ووظيفياً: (تعددت الأسماء والماء واحد).
البئر في القرآن الكريم
أخذ حضور البئر في القرآن الكريم مقامات مختلفة، بعضها أعطى مرجعيات ضمنية حول مركزية محتوى البئر (الماء) في الحياة، حيث يُعدُّ عنصر الوجود الكوني الأول، قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء الآية 30).
وفي مقام آخر وردت صفة البئر: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وثَمُودُ) (سورة ق الآية 12)، والرَّسّ تعني البئر العظيمة غير المطوية، وأصحاب الرس قوم من قرى ثمود كانوا يعبدون شجر الصنوبر العظام، فبعث الله نبياً يقال له حنظلة بن صفوان. فكذبوه وألقوه في البئر فقتل غرقاً.
ووردت مفردة البئر بصفتها الجُب (بئر قائمة منقطعة الماء) في سورة يوسف بن يعقوب عليهما السلام: (قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) (يوسف الآية 10).
ووردت مفردة (البئر) (حرفاً ووصفاً) في مقام الحديث عن مفارقات الموت والحياة على سبيل عقاب الله للكافرين بسلب نعمة الماء من الآبار التي لا تقرن بالحياة إلا عندما تكون دافقة بالماء الكافية للزرع والضرع: (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ). (سورة الحج الآية 45).
وورد مشهد تزاحم وتقاطر الناس على البئر، في قصة موسى عليه السلام: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ)، أي تمنعان أغنامهما من خوض ذلك الزحام، (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا)، أي ما خوفكما حتى تمنعان أغنامكما عن ورود الماء، (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ، وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص الآية 23). فاستفزت إجابتهما روح المبادرة عنده: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إلى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص- 24).
إن التصوير القرآني لمشهد الحركة على (ماء مدين) يحيل المتأمل إلى مركزية البئر في أي تجمع حضري، لدرجة أن كثيراً من المدن الكبرى التي كانت البئر نواتها الأولى استمدت أسماءها وشهرتها من البئر، كمدينة بئر السبع في فلسطين، ومدينة بئر مشارقة في تونس، ومدينة (بئر أحمد) في اليمن.. وغيرها.
البئر في الأساطير والأدب والغناء والسينما
منذ بدايات الوعي الإنساني، احتلت البئر موقعاً فريداً في المخيال الجمعي، بوصفها عمقاً يفضي إلى أسرار الوجود، ومسرحاً يتقاطع فيه الماء والظلمة، الحياة والموت، الحقيقة والأسطورة. فكانت منبعاً لحياة الإنسان، وفي الوقت نفسه مرآةً لعطشه الأبدي إلى المعنى.
ففي الأساطير، اتخذت البئر بعداً غيبياً يتقاطع فيه المقدس بالمدنس، فكانت رمزاً لصراع الخير والشر، كما في بئر برهوت باليمن، التي نُسجت حولها الحكايات عن الجن والأرواح، وظلت رمزاً للغموض والرهبة في الذاكرة الشعبية.
وفي الموروث الشعبي، غدت البئر موطناً للأمثال ومجالاً رمزياً للأسرار، كما في مثل (سِرّك في بِير)، الذي يعكس مفارقة الإخفاء والانكشاف، ويجسد مكانة البئر بأنها ملتقى أسرار المجتمع وذاكرته الجمعية.
وفي الحكايات، ارتبطت البئر بصدف التعارف الإنساني وبدايات الزيجات الأسرية الصالحة، كما ارتبطت بالمرأة وكيدها الرمزي، كما في قصة الحكيم الذي سأل امرأة عند بئر، عن كيد النساء، فكان ردها أن سكبت الماء على جسدها، متظاهرة بالنجاة من الغرق، وأن ذلك الحكيم هو من أنقذها، فاجتمع الناس يشكرون الحكيم على (إنقاذها). وعندما واجهها الحكيم لاحقاً، قالت له: هكذا نحن النساء، إن رضينا أسعدنا، وإن غضبنا أهلكنا!
وحضرت البئر بقوة في عيون الأغاني العربية، وبأشهر الأصوات الشرقية، فمثلاً في أغاني فيروز وَرَدَت كثيراً مفردة البئر ومرادفاتها، بل نجد أغنية كاملة باسم: (على البئر المهجورة) من كلمات وألحان الأخوين رحباني، وشكلت البئر ومرادفاتها أساساً موضوعياً لكثير من الأغاني اليمنية الأصيلة، ومن تلك الأغاني (خطر غصن القنا) من كلمات الشاعر الغنائي مطهر الإرياني، وغناء فنان اليمن الكبير علي بن علي الآنسي، ومغناة الشاعر أحمد الجابري (يا صبايا فوق بير الماء)، والتي غناها الفنان أيوب طارش عبسي.
وفي السرد العربي، حضرت البئر رمزاً للحياة والذاكرة والبحث عن المعنى، فمن عرس الزين للطيب صالح، إلى البئر الأولى لجبرا إبراهيم جبرا، وامتدت رمزيتها عند إبراهيم الكوني لتجسد الظمأ الوجودي والانتقال بين الصحراء والواحة، في استدعاء ماضوي لما شكلته البئر من أساس لحياة التنقل، ومبعثاً لظاهرة الأطلال في المعلقات العربية.
وفي الأدب المعاصر، غدت البئر عتبة نصية وعنواناً رمزياً لعشرات الإصدارات العالمية والعربية الشعرية والروائية والمسرحية، أما سينمائياً فقد تحولت البئر إلى مشهد درامي مكثف للإنقاذ أو الحصار أو الطمع، فمن الفيلم الأمريكي The Well (1951)، إلى الجزائري Le Puits (2016)، إلى There Will Be Blood (2007)، وصولاً إلى الفيلم الشهير The Dark Knight Rises للمخرج البريطاني كريستوفر نولان.
البئر.. البدايات والتحولات
تشير المراجع التاريخية إلى أن اتساع التجمعات البشرية بعيداً عن مراكز الحضارات التي أقيمت بمحاذاة الأنهار، كانت البدايات الأولى لحفر الآبار، وإليها نسبت الحضارات الزراعية والعمرانية التي قامت في المناطق الجبلية والصحراوية الجافة الخالية من مصادر المياه السطحية، كحضارات اليمن ونجد والحجاز، وما جاورهما من التجمعات البشرية في شبه الجزيرة العربية، التي اشتهرت بحفر الآبار الجوفية، العميقة في آباط الجبال، وبطون الأودية، وواحات القيعان الزراعية.
وظلت الآبار من الناحية الشكلية على ما كانت عليها من الحفر البدائي الغائر في الأرض والمقطورة جدرانه الداخلية بالأحجار، بينما ظل الدلو والحبل هما الوسيلة البدائية لسحب الماء من البئر، سواء بشكل يدوي فردي، أو جماعي أو باستخدام الثيران لجر الماء من الآبار في عملية عرفت في المنطقة العربية بالسناوة، لري الزرع والضرع.
غير أن التوسع في الإنتاج الزراعي والغذائي والصناعي دفع بالبشر إلى تطوير الآبار والبحث عن مياه أوفر من أعماق أكثر، فظهرت الآبار الأرتوازية، حيث حُفرت أول بئر أرتوازية للمياه في العالم في مقاطعة (أرتواز Artois) الفرنسية عام 1126م على أيدي رهبان فرنسيين.
البئر والتحول الوظيفي من الماء إلى النفط
شكلّتْ بئرُ الماء الخيط الأول الذي قاد الإنسان إلى أعماق الأرض، فتأسست على حركة البحث عن الماء اكتشافات ما في باطنها، من مناجم المعادن النفيسة والأملاح المهمة في الحياة، ثم فحم الوقود، وفي القرن الرابع الميلادي، اكتشف عمال صينيون أثناء حفرياتهم مادة النفط الخام، وكان يتم إحراقها لإنتاج الملح من خلال تبخير الماء.
وفي القرن التاسع الميلادي ظهرت حقول نفطية في أذربيجان، لكنها لم تكن بالمعنى الاقتصادي، وفي 1853 تم اكتشاف عملية تقطير النفط للحصول على مادة الكوريسين (السليط)، التي اكتشفت على يد الصيدلي الأمريكي صمويل كيرك.
هذه الفتوحات الاقتصادية التي كانت الحفريات محورها، لا تعني أن باطن الأرض المصدر الوحيد للنفط، فبداياته تعود إلى 4000 سنة قبل الميلاد، على يد البابليين الذين استخلصوا مادة النفط من (خام القطران)، لكن أعماق الأرض أكثر سخاء بمادة النفط الخام. لتشكل بداية التحول الوظيفي المحوري للبئر، من تزويد المجتمع المحيط بالماء العذب، إلى تزويد العالم بالنفط، ليصبح بئر النفط مركز الحياة الاقتصادية، ومحور التكتلات والعلاقات الاقتصادية والسياسية العالمية.
قصة أول بئر نفطي في العالم
بدأت قصة أول بئر نفطي في العالم في ولاية بنسلفانيا الأمريكية في 1849 أثناء حفر بئر لاستخراج أملاح الأرض المستخدمة حينها لأغراض التبريد، فاندفع فجأة من جوف الأرض سائل كثيف السواد لزج القوام حتى ملأ الحفرة، وبدأ في السيلان خارجها، ما دفع العمال لردم البئر معتبرين تلك المادة اللزجة فاسدة، ولم يخطر ببال أحدهم، أنها المادة التي ستغير خارطة العالم.
بعد ردم البئر لم يتوقف التسرب من طبقات الردم، ففكرت (شركة بنسلفانيا للأملاح) بضرورة إعادة فتحها، وفي العام 1856م بعثت المهندس الأمريكي دوين ديريك (المولود في نيويورك في 1918 لأب كان يعمل مزارعاً، انضم للشركة في بدايات الأربعينات)، فعمد ديريك إلى تحليل المادة المتسربة، عبر تقطيرها إلى ناتج نجح استخدامه في الإضاءة فأدرك قيمته، فطور أساليب الحفر، حتى ابتكر طريقة آلية لاختراق الأرض بمثقاب حاد وعبر استخدام محرك بخاري يُدير بقوة 6 أحصنة -وبشكل ضاغط- مواسير حديدية برؤوس ماسية، يتم وضعها تباعاً لإكمال الحفر العمودي وبطريقةٍ دقَّاقَة نحو أعماق الأرض.
وبهذه الطريقة التي ابتكرها دوين ديريك -المتوفي في نوفمبر 1880م، دون أن يمنح حق براءة الاختراع- ظلت الولايات المتحدة تستخرج النفط وفق تطور متسارع، حتى بلغ إنتاجها النفطي في عام 1920 فقط نحو 23 مليون برميل.
فتح إنجاز ديريك الباب واسعاً فتوالت اكتشافات البترول في ولايات كولورادو وتكساس وأوكلاهوما، واتجهت غرباً حتى ولاية كاليفورنيا، ثم توالت خارج أمريكا: (بولندا وكندا 1858م، رومانيا 1860، بيرو 1863، روسيا 1868، إيران 1908، فنزويلا 1914، العراق 1923، السعودية 1936، قطر 1940، الجزائر 1949، ليبيا 1985، اليمن 1986).
آبار عبرت الزمن وصنعت تحولات العصر بئر زمزم
تعتبر أهم وأشهر بئر مائية في العالم، وتعود نشأتها إلى عهد سيدنا إبراهيم (2000 ق.م) الذي أسكن زوجته هاجر وابنه إسماعيل، موضعاً قرب الكعبة، لا زرع فيه ولا ماء، ولم يكن معهما سوى قربة ماء صغيرة مصنوعة من الجلد سرعان ما نفدت، لكنه دعا الله دعوة غيرت وجه المكان: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (سورة إبراهيم الآية 37)
تحكي الأحاديث النبوية أن هذه الماء المباركة نبعت استجابة لدعوة إبراهيم، وفي اللحظة الحرجة بعد نفاد قربة الماء التي بحوزة هاجر، فتحركت سعياً بين الصفاء والمروة بحثاً عن الماء لها ولطفلها إسماعيل، وبعد سبع مرات من السعي رجعت إلى ابنها فسمعت صوتاً فقالت: (أسمع صوتك، فأغثني إن كان عندك خير)، فضرب جبريل الأرض، فظهر الماء فأحاطته هاجر برملٍ خشية أن يفوتها، وهي تقول: (زم زم زم زم) أي تجمع باللغة السريانية، وهذا سبب التسمية.. إلى آخر القصة.
ولم تنقطع بئر زمزم منذ أكثر من 4000 سنة، باستثناء اندثارها في زمن الجاهلية، وحفرها عبدالمطلب بن هاشم بعد رؤيا منام دله الله على مكانها، وهذه قصة طويلة. وتعد البئر من أهم مكونات الحرم المكي، إذ تقع شرقي الكعبة على بعد 21 متراً منها، ويبلغ عمقها 30 متراً، وتغذيها ثلاث عيون، أقواها من ناحية الحجر الأسود، حيث تضخ هذه العيون نحو 11إلى 18.5 لتراً في الثانية الواحدة. حسب الدراسات العلمية.
ومرت البئر بتحولات عديدة في التاريخ الإسلامي، ففي 145هـ شيّد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور قبة فوقها وكساها بالرخام لأول مرة في التاريخ، وجددت قبتها في عهد الخليفة العباسي المعتصم سنة 220هـ، وفي عهد الدولة السعودية الثالثة شهدت البئر سلسلة من التحولات، ففي 1345هـ تكفل الملك عبدالعزيز آل سعود، بإنشاء سبيل للسقاية جوار حجرة الأغوات من الجهة الجنوبية للبئر، وفي عام 1383هـ استبدلت دلاء رفع الماء من البئر، بالصنابير في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز الذي أمر بتوسعة المطاف، وإنشاء قبو عمقه (7.2) أمتار، لينزل عبره الحجيج إلى ساحة البئر من خلال سُلِّمَين حجريين (درج)، أحدهما للرجال وآخر للنساء، وفي عام 1399هـ أمر الملك خالد بن عبدالعزيز بتنظيف البئر.
بئر بدر
تقع في أسفل وادي الصفراء الكائن بين مكة والمدينة، وكانت تشكل مركزاً اقتصادياً لواحدة من الأسواق التي كانت تجمع العرب للتبادل التجاري والمفاخرة بشكل موسمي أيام عرب الجاهلية، حسب (ياقوت الحموي) في معجم البلدان.
واقترنت البئر بغزوة بدر الكبرى التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، بأول مواجهة بين الحق والباطل، انتصر فيها الأول، فأسماها الله بالفرقان، وشكلت البئر عامل الحسم في تحقيق النصر، وبقي جيش الإسلام قرب ماء بدر ليشربوا منها ويمنعوا المشركين وخيولهم من شرب الماء، فكسب المسلمون المعركة.
بئر هدّاج
يصل عمر بئر هدّاج، وهي في محافظة تيماء شمال غرب المملكة؛ إلى 2500 عام تقريباً، إذ حفرها الملك البابلي يونيد المتنحي لابنه عن حكم المملكة البابلية عام 539 ق.م، ونزح إلى تيماء، وعاش فيها أكثر من 10 سنوات، حسب المراجع التاريخية.
وبنيت البئر من الحجارة المصقولة، وكانت تنقل الماء من البئر عن طريق إحدى وثلاثين قناة حجرية، وقد أطلق المستشرقون عليها لقب (شيخ الآبار) في جزيرة العرب، إذ تعد أشهر وأقدم وأكبر آبار شبه الجزيرة العربية، ويبلغ قطرها 50 قدماً، وعمقها 40 قدماً.
وتتميّز بئر هدَّاج بقدرتها على إرواء عطش نحو مئة رأس من الإبل في وقت واحد، بالإضافة إلى آلاف الهكتارات من المزارع والبساتين من حولها، حتى أصبحت مضرب المثل في الكرم عند العرب فيقلون: (إن فلاناً هداج تيماء).
بئر تشاند باوري أو بئر الدرج
تعد هذه البئر التي تقع في قرية (أبهنري) مقابل معبد هرست متى كى ماندير، بولاية (راجستان) الهندية؛ معجزة معمارية مذهلة، شيدها حاكم الهند الملك تشاندا (800 - 900م). وينتصب في أعلى إحدى الجهات الأربع للبئر التي تأخذ شكلاً مربعاً جناح ملكي مرصع بالمنحوتات المزخرفة بالشعارات الدينية والجداريات الفنية البديعة، خصص لإقامة العائلة الملكية.
وتبطن الجهات الثلاث الأخرى بأعداد كثيرة من السلالم الحجرية المزدوجة، وكانت سبباً لتسمية البئر ببئر الدرج، وذلك وفق نسق معماري يدهش الناظر بلوحتها المعمارية المكونة من 13 طابقاً وقوام درجي يتجاوز 3500 درجة، تنحدر إلى الأسفل بمسافة 30 متراً حتى قعر البئر التي كانت مصدراً رئيساً يزود مناطق كثيرة من قرى وأحياء ولاية (راجستان) بالمياه، ولعدة قرون.
بئر الدمام رقم (7) النفطية وتحولات المملكة
لم يكن أول بئر في السعودية، لكنه كان الأهم على مسار تحويل المملكة إلى واحدة من أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم، فقبل قرابة 90 عاماً كانت المملكة تحاول جاهدة التنقيب عن النفط، وفي 29 مايو 1933م توجت مساعي الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود بتوقيع اتفاقية الامتياز الأساس مع شركة (ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا) (سوكال) التي بدأت التنقيب في المنطقة الصحراوية المحيطة بالدمام، وحفرت حتى منتصف 1936م ستة آبار أخفق بعضها وبعضها كان إنتاجه قليلاً جداً.
وفي يوليو 1935م صدر القرار الملكي بإعداد بئر الدمام رقم (7) لتكون بئر اختبار عميقة، وتبعاً لذلك بدأ فريق العمل في 7 ديسمبر من العام نفسه عمليات الحفر في ظرفٍ قُرن بالتحديات التاريخية والإصرار الأسطوري، وفي 16 أكتوبر 1937 شاهد الحفارون أولى بشائر عصر التحول الحقيقي، حيث لاحظوا 5.7 لترات من النفط في طين الحفر المخفف العائد من البئر، مع بعض الغاز، وفي أواخر العام 1937 أخفقت معدات التحكم في السيطرة على البئر التي قذفت بما فيها من السائل والغازات، لكن ذلك اختفى عند بلوغ الحفارين عمق 1382 متراً فلم يلاحظوا أي كمية أخرى من النفط.
تلك النتيجة لم تفت من العزيمة والأمل بمواصلة الحفر حتى عمق 1440 متراً تحت سطح الأرض، وفي مطلع مارس عام 1938م، تغيرت النتائج للأفضل، وأنتجت البئر في اليوم الرابع من الشهر نفسه، نحو 1585 برميلاً في اليوم، وفي السابع من مارس ارتفع الإنتاج إلى 3690 برميلاً، ثم إلى 3732 برميلاً، ثم 3810 براميل يومياً، لتواصل البئر عطائها على ذلك المنوال مشكلة قفزات متسارعة على مسار صعود السعودية النفطي.
وفي مطلع مايو 1939م أدار مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبدالعزيز آل سعود صمام الأنبوب الممتد بطول 69 كيلومتراً من حقل الدمام إلى ميناء رأس تنورة على الخليج العربي، ليتدفق النفط الخام إلى ناقلة عملاقة كانت راسية في الميناء لتصدير أول شحنة نفط سعودي إلى العالم.
بعد ذلك، استقرت البئر رقم (7) وتَحَسَّنَت مواصلة التدفق لأكثر من أربعة عقود وبمستويات إنتاجية عالية، منتجة أكثر من 32 مليون برميل وحدها من النفط الخام، وكانت هذه البئر المرجع الأول في تأسيس وإنشاء عملاق النفط العالمي (أرامكو).