استطاع الروائي الكبير إبراهيم الكوني أن يكون روائي الصحراء الليبية. كأن لا صحراء يمكن أن يكتب عنها دون الكوني. بالإضافة إلى تأملاته العميقة في لغة أهاليها، وفي معتقداتهم من آلهة وأساطير وشعب. ثمة إسهامات كبرى من مثقفين ليبيين: علي فهمي خشيم، وأحمد إبراهيم الفقيه.
هذا فيما يتعلق بإسهامات سابقة عن (أرض الجرمنت) التي تشير إلى منطقة فزان في جنوب غرب ليبيا، وهي موطن حضارة الجرمنت القديمة، شعب أمازيغي عريق ازدهر منذ آلاف السنين واشتهر بمدينته الأثرية جرمة، وكان يمثل حلقة وصل تجارية بين شمال أفريقيا والصحراء، لكن حضارتهم تدهورت بسبب الاستخدام المفرط للمياه الجوفية.
يُعتقد أنهم أسلاف الطوارق، وحضارتهم مثال تاريخي على أهمية الإدارة المستدامة للموارد المائية، وأن الاستخدام غير المستدام للمياه الجوفية ساهم في تدهورها، وهو ما يشكل تحذيراً عالمياً اليوم.
كتاب جديد يمزج بين الأدب والأنثروبولوجيا والفن التشكيلي.
هذا الكتاب الجديد يقع في 440 صفحة من القطع الكبير، وهو بعنوان (أرض الجرمنت: سوكنة - رحلة العبور إلى البداية)، من تأليف الباحثين والكاتبين محمد عبدالله الترهوني وحمزة محمود الفلاح، بمشاركة فنية متميزة من الفنانة التشكيلية شفاء سالم (رسوم ولوحات)، والمصور الفوتوغرافي عصام الصابري.
الكتاب ليس مجرد عمل بحثي أو توثيقي، بل تجربة متعددة الأبعاد تسعى إلى إعادة اكتشاف حضارة الجرمنت في عمق الصحراء الليبية، عبر بوابة مدينة سوكنة التي كانت مركزاً حضارياً وتجارياً في فزان. يمزج المؤلفان بين الرحلة الشخصية والبحث العلمي، وبين السرد الأدبي والقراءة الأثرية، مستندين إلى مفهوم حديث أطلقا عليه (الأركيو-شعرية)، وهو دمج أدوات علم الآثار والأنثروبولوجيا مع الكتابة الأدبية والشعرية.
رحلة عبر الزمن والذاكرة
يتنقل الكتاب بين فصول ثرية تحمل عناوين مثل: مواسم الحجارة، الشامانية في ليبيا، شعرية المشهد، قصة الذاكرة، سيرة المطر، حقبة الرؤوس المستديرة، حقبة الأبقار المستأنسة، سردية العبور على طريق العربات، الرحلة الإثنوغرافية، الصعود إلى مثلث الماء.. وغيرها. ومن خلالها يقدم المؤلفان قراءة متأنية للفن الصخري الليبي وما يحمله من رموز وأساطير وطقوس، تكشف عن علاقة الإنسان القديم بالأرض، بالحيوان، وبفكرة العبور نفسها من طور إلى آخر.
الكتابة رحلة استكشاف
يرى الترهوني والفلاح أن الكاتب (المستكشف) ليس مجرد راوٍ أو مؤرخ، بل باحث يحاول إعادة وصل خيوط الحاضر بالماضي عبر تجربة شخصية وجماعية. فالرحلة هنا ليست تنقلاً جغرافياً فقط، بل عبور في الزمن والذاكرة، وإعادة تأمل في معنى الوجود الإنساني في فضاء الصحراء. هذا المنهج يمنح الكتاب طابعاً فريداً يمزج بين السرد الأدبي والتأمل الفلسفي والتحليل الأنثروبولوجي.
البعد الفني والبصري
يمثل الجانب الفني أحد أهم ما يميز (أرض الجرمنت)، حيث تقدم الفنانة شفاء سالم رسومات دقيقة ولوحات مستلهمة من النقوش والجداريات الصخرية، تعيد إحياء الرموز القديمة بروح معاصرة وحساسية تشكيلية عالية. أما المصور عصام الصابري، فيصطحب القارئ بعدسته إلى تضاريس ووديان الصحراء الليبية، ملتقطاً صوراً تنبض بالشعرية وتحوّل المشهد الطبيعي إلى نص بصري موازٍ للنص المكتوب. هذا التزاوج بين الكلمة والصورة واللون يجعل الكتاب عملاً فنياً-أدبياً متكاملاً، يتجاوز حدود التصنيف التقليدي.
أهمية العمل
يشكل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة الليبية والعربية، إذ يطرح مقاربة جديدة للكتابة التاريخية والأثرية، تحررها من جفاف اللغة الأكاديمية لتضعها في سياق رحلة شعرية ومعرفية. كما يعيد الاعتبار لحضارة الجرمنت التي تعد إحدى الحلقات المركزية في تاريخ ليبيا ما قبل الإسلام، ويسلط الضوء على مدينة سوكنة بوصفها فضاءً لعبور الحضارات والطرق التجارية والثقافية.
الناشر: دار الفرجاني، طرابلس - القاهرة - لندن، 2026.