مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

كيف نعيد قراءة التاريخ؟

كتبت قبل عدة سنوات بحثاً حول بوادر تاريخية لإصدار صحيفة في نجد تحت اسم (الرياض) تمتد إلى عام 1340هـ/1922م بعد أن وقعت على عدد من المصادر التي تؤكد هذه المعلومة (وثائق، مذكرات مخطوطة، تسجيلات صوتية، وغيرها)، وشاء الله أن أقدّم هذا البحث للنشر في إحدى المجلات المحكمة لأني كنت أزعم بجِدّة الموضوع وأسبقية الكتابة فيه. وبعد مدة طويلة أرسلت لي المجلة ملاحظات المحكمين -ومن الطبيعي تقبل الملاحظات وتعديل البحث على ضوئها- لكن المفاجأة التي صدمتني أن أحدهما كتب تبريراً لرفض نشر البحث هو حرفياً: (لو كان ذلك صحيحاً لما أغفله عشرات المحققين والباحثين السعوديين..). فسبب كتابة البحث تحوّل -بقدرة قادر- إلى سبب لرفض نشر البحث!
من هذه القصة تأكد لي أن السير على خطى الآخرين والاكتفاء بما كتبه السابقون في المدونات التاريخية التقليدية ومن ثم تكرار أفكارهم وإعادة تصديرها بشكل آخر أو لون آخر دون أي تحديث للمعلومات أو إضافة علمية حقيقية هو المسار المرغوب عند بعض الأكاديميين.
والحقيقة أن الكتابة في التاريخ تعُدّ فعلاً إنسانياً بالغ الحساسية والتشعّب، لأنها تتعامل مع زمن انطوى، ومع أحداث لا تُستعاد إلا عبر ما خلّفته من آثار وروايات. ومع ذلك، فإن جانباً كبيراً مما وصلنا من التراث التاريخي كُتب في أجواء سياسية أو معرفية محدودة، استند فيها المؤلفون إلى ما توافر لهم من أخبار، من غير أن يحيطوا بالمصادر إحاطة شاملة أو يمارسوا نقداً دقيقاً للوقائع. من هنا تتشكّل الإشكالية: فالمشكلة لا تكمن في التاريخ نفسه، بل في المدوّنات التي أرادت أن تستنطق الماضي وفق منظورها، أو وفق ما سمحت به ظروفها. وهكذا نفهم أن التاريخ أوسع من الكتب، وأن ما بين دفّاتها ليس بالضرورة تاريخاً خالصاً.
لقد أظهرت الدراسات الحديثة - المدعومة اليوم بوفرة الأرشيفات العالمية - اتساع المسافة بين ما سجّلته بعض المدوّنات القديمة وما تكشفه الوثائق والمراسلات الرسمية. وليس من شرط الحقيقة أن تُتّهم إحدى الروايتين بالتزييف، إذ إن كلاً منهما تنظر إلى الحدث من زاويتها الخاصة. غير أن استيعاب هذا التنوع لا يتحقق إلا بإعادة قراءة شاملة للمصادر كافة، قراءة نقدية لا تركن إلى رواية واحدة ولا إلى الإحالات المستهلكة من كتاب إلى آخر.
إنّ إعادة القراءة - لا إعادة الكتابة - تفترض وعياً بأن التاريخ لا يُصاغ بجهد فرد واحد، بل يحتاج إلى بيئة معرفية متكاملة: مؤسسات بحث، وأرشيفات مفتوحة، وترجمات موثوقة، وتعليم يُنمّي ملكة التفكير في الحدث التاريخي بدل الاكتفاء بحفظه. إنها تراكمات ضرورية تُقربنا من الحقيقة، وتُسهم في تفكيك الروايات الأحادية التي استأثرت بوعي الناس ردحاً طويلاً.
ولا ريب أن الكشف عن المصادر الغائبة، أو تلك التي تعذّر على المؤرخين السابقين الوصول إليها، يمثل منعطفاً معرفياً مؤثراً في الدراسات التاريخية، لأنه يعيد تشكيل (خريطة الفهم) من أساسها. وليست هذه الرؤية ضرباً من الترف العلمي، بل ضرورة منهجية تتبدى آثارها في ثلاثة ميادين: توضيح الحقيقة التاريخية، وتحرير السرديات من أحاديتها، وتحديث أدوات البحث.
وتتقاطع في هذا الشأن أطروحات المؤرخين والمفكرين غرباً وشرقاً على أن طريق إصلاح المعرفة التاريخية يبدأ من إعادة القراءة. فالألماني فون رانكه يدعو إلى النظر في المصادر بعين معاصرة، والفرنسي مارك بلوخ يحيل أزمة التاريخ إلى ضعف الاستقصاء في المصادر القديمة، والبريطاني كار يطالب بإعادة قراءة التاريخ نفسه. وعلى الضفة العربية يؤكد جورج طرابيشي أن المشكلة ليست في التراث، بل في طرائق قراءته، فيما يوجز عبدالله العروي الفكرة بالقول بأنه لا يمكننا أن نغيّر الماضي، ولكن يمكن أن نغيّر قراءته.

ذو صلة