كيفما يراد لنا أن نميز الوسائل الكتابية النقدية كمنهج منفرد عبر تصوراتنا الخاصة والتي تقع بين مزدوجي القبول والرفض والصحة والإخفاق؛ كلما كان علينا بذل الجهد للتمييز الأسلوبي الذي يحتاج أكثر مكابدة في قدرتنا على البحث المضني والتقصي للنقد المعاصر، فمن يقرأ مثلاً الإشارات الكلاسيكية في أبعادها المختلفة؛ لابد له من التعرف على منظومة المعتقدات والأعراف ونظم المشاعر المتدفقة طواعية كملمح يومي خالص وعابر يشير لتلك المشاعر، ومن كان عليه أن يقرأ للإشارات اللغوية والعالية في معجمها اللفظي؛ كان يحتاج لمعارف الجذور والمترادفات والتضادات اللغوية في دلالاتها ووظيفتها اللسانية الخالصة وتاريخيتها المفهومية ونموها الشعري العالي المعنى، ومن كان عليه أن يدرس اللاهوت والماوراء في القصائد المتعالية في فلسفاتها الحاذقة وتصويراتها الوجودية المتسعة؛ كان عليه أن يتردد على لغة الكشف والتركيب والنقش والنحت اللغوي للكلمات المفضي لطرق ترتيبها وتواشجها وما تتضمنه من ذهني منطقي وشعوري ومخيالي والتأثير الذي يلد المعاني المحكمة والمعاني المحمولة على تأويلها بمخاضاتها المؤلمة كمغامرة في سبيل الكشف والمخيال المتوثب وهو ينير الكلمات بمغامرة فنية يمارسها بعناء لتسعف القصيدة لبلوغها أبعد من حقيقتها المتوقعة والموفقة ومدى قوتها الكامنة للمعنى لا محاولاتها المخفقة والطائشة واللاجدوائية، فمن التدقيق بمعادلة الكلمات نستطيع أن نحدس ونشعر بشكل ما أن ما نجده من إشاراتها المنبثقة لقراءة ما نصل به لماهيتها النصية المفترضة والتماع الفكرة المدهشة فيها عبر قراءتها المحكمة والعناية اللغوية المنسجمة فيما بينها وروح النص كجادة أو طريقة قد ترهقنا في شحذ الهمم لنيل زمامها، ولكن بقفزة واثبة يمكن لنا أن نقبض على ناصيتها العالية من خلال كلماتها العظيمة كانتحاء شديد تغذيه الكلمات وكقسط كبير يؤديه المعنى في استعمالاته الناضجة ومفاتيح الكلمات التي تحددها طبيعة الشعر لدى الشاعر وندرة الكلمات في غاياتها الخاصة كقرينة تخرجك عن التفسير ولا تنفر بك في تبيان شأن القيمة الجمالية واللفظية وهذا ما يجعل للقصيدة الرؤيوية نظريتها الفنية الخاضعة للتفسيرية العميقة من خلال تماسكها اللفظي أولاً حتى في كلماتها الغامضة التي تشفّ عن قناع شفيف لا يشغل الذوق والوظيفة ولا ينتهي للنقص أو النفور في التركيب لكلمات طائشة وغير محددة المعالم أو الدلالة كإخفاق مفهومي سميك وموارب للغاية.
فمن فكرة الاستقصاء اللفظي نستطيع أن نثمن القصيدة الرؤيوية وحجم الإبداع المنطوي فيها من خلال انكشافنا الدقيق على مكونات المنهج في الطريقة التي تستعمل فيها الكلمات والاستعارات والتشبيهات والانزياحات بين ما هو مجاز منسجم ومجاز غير منسجم في انزياح يبتعد عن التجريد والتجريب في توافقاته اللفظية والوظيفية واللسانية وهو ما يقودنا أن نتعامل مع النص الشعري وشاعره على أنه غير جاد في اشتغالاته مع متلقيه ونقاده في محاولة الاشتراك معهم من خلال بذل الجهد المعقول لشحذ قواه الكامنة ومخيلته الناعمة لفرد اللحظة الشعرية واستطرادها كقطعة يسلط عليها الضوء لتثمين فرادتها ونذرتها المبدعة.
وبهذا المعنى تكون كتابة قصيدة عظيمة تستدعي من صانعها مراودة الكون وسماواته العالية كي يهبط ببصمته الشعرية الخاصة وغير المتعود عليه كعمل خلاق ودؤوب يورثه الاتساع ويؤثث لمرونة في تعابيره العذبة وصرامته الحثيثة لكتابة جادة متيقنة من متنها الوثيق ولقراءة ملهمة غير عابثة أو متشظية لا تدرك معنى الاشتغال النصي الذي تعكسه الجهود المبذولة والفارعة كمنجز يعزز القدرة التخيلية مع مكونها اللغوي المنسجم العريض في وظيفته ومعادلهُ الموضوعي عبر التماع فكرته.
ومن هذا الاستقصاء علينا أن نعي أن القصيدة لا تتطلب المغايرة غير المحكمة والطائشة والمشتتة في اللفظ والتركيب والكلمات بقدر ما تتطلبه منا النفاذ لعوالمها النصية المتسامية المفتشة عن مدركات اعتبارية تصعق الوجدان بعباراتها الشاهقة كعمل لا يستطيع أي ناقد من موازاته ما لم تكن لديه القدرة والدربة الكافية والكبيرة والجهد لبلوغ ذروة القصيدة الهائلة والمتجاوزة في التصويب والاجتراح النصي لهيولة محققة دون وصايا الوعي الفاقعة، وبقدر أيضاً ما يصبه من جهد في مكاشفة النص والقصيدة في لغتها وإيحاءاتها الكبيرة المغرية والضافية التي تعمل على الغوص في عوالم الإدهاش وهزّ وجدان الكون الشعري وكائنه الكثيف.
لنكتفي بالقول هنا إن المهمة التي نحتاجها في هذه الألفية الصاخبة هي أن نستكشف مواطن القصيدة عبر ما يتكلف كاتبها من جهد مضن في تحقيق مراتب القصيدة العالية ورؤيته المعرفية وما يحرزه من دربة لفظية تتوازى مع كل هذا البذل العظيم المؤدي لرصانة النص عند قراءته المتلقية أو النقدية دون ميل أو هوى لمدرسة تجديدية أو حديثة من غير أن نكترث للجهد المشتغل عليه خارج الأطر المعروفة أو ما تحدث القصيدة من ضجتها الخاصة وأثرها الفني الخاص وجذوتها المتسعة.
ولهذا القدر من الجهد المبذول والصبر تكوين القصيدة الحديثة المنسجمة مع عصرها وفكرتها وأسلوبها اللغوي والتركيبي محققة لعلو كعبها دون خلل ينازعه الذوق عليها أو جمال وجزالة أو مثول ومخيال جذاب لا صخباً ذائعاً.