في أغسطس من كل عام، تتجدد الذكرى وترتفع الأصوات لتستحضر عظمة رجل ترك بصمة لا تُمحى في سجل الأدب العربي والإسلامي، وهو أحد أعلام الفكر العربي والإسلامي في العالم، الذي كرّس حياته لدراسة الأدب الأندلسي وأثرى الساحة الأدبية والثقافية بإسهاماته الفذة في الدراسات الأندلسية والأدب الإسباني، إنه الدكتور محمود علي مكي، الذي عُرف بكونه حارس التراث الأندلسي وشاعر الحوار بين الثقافات. كان مكي، ذلك العالم الذي وُلد في صعيد مصر، مثالاً حياً على المثقف المتفرد الذي يرفض أن يكون العلم حكراً على الجامعات، بل يراه جسراً للتواصل بين الحضارات والشعوب.
نشأة شكلت وجداناً علمياً
عام 1929 وُلد الدكتور محمود علي مكي في محافظة قنا في بيئة صعيدية متواضعة، حيث نشأ في أسرة تعشق العلم وتقدره. منذ صغره، كان مولعاً بالقراءة والكتابة، مما جعله يتفوق في دراسته ويثير إعجاب أساتذته بذكائه وحبه للمعرفة. لم يكن الطريق سهلاً، فقد واجه تحديات الحياة بصبر وعزيمة، مؤمناً بأن التعليم هو السبيل الوحيد لتحقيق أحلامه.
رحلته إلى الأندلس
كانت رحلته العلمية إلى الأندلس نقطة تحول في حياته، بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة كوملوتنسي دي مدريد في منتصف الخمسينات، غاص مكي في بحر الأدب الأندلسي، مكرساً حياته لدراسة هذا التراث الزاخر الذي لم يكن مجرد تاريخ بالنسبة له، بل كان نافذة تطل على روح الحضارة الإسلامية في أوروبا. أدرك مكي مبكراً أن استيعاب التراث الأندلسي يعني فهم العلاقة المعقدة بين الشرق والغرب، بين الإسلام والمسيحية، وبين الماضي والحاضر.
من بين القصص المثيرة التي تُروى عن الدكتور مكي، ذلك اللقاء الذي جمعه بالكاتب الإسباني الشهير ميغيل ديليبس. كان اللقاء في إطار ندوة ثقافية بمدريد، حيث دار نقاش بينهما حول الأدب الأندلسي وتأثيره على الأدب الإسباني الحديث. ذكر مكي فيما بعد أنه شعر أن هذا اللقاء كان أكثر من مجرد تبادل آراء، بل كان فرصة للتقارب بين ثقافتين عريقتين. ويقول الدكتور مكي عن هذا اللقاء: (إن الحديث مع ديليبس كان مثل استكشاف عالم موازٍ، حيث يلتقي فيه الشرق والغرب على أرضية الأدب والشعر).
دور رائد في الحوار الثقافي
عمل الدكتور مكي كملحق ثقافي في السفارة المصرية بمدريد، حيث قام بدور محوري في تعزيز العلاقات الثقافية بين مصر وإسبانيا. كان يؤمن أن اللغة الإسبانية ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي جسر يربط بين الشعوب، ويسهم في تقريب المسافات بين الثقافات. وفي هذا السياق، أسس عدة برامج تعليمية تهدف إلى تعريف الطلاب العرب بالثقافة الإسبانية، ليكون بذلك أحد أبرز الشخصيات التي ساهمت في نشر اللغة الإسبانية في العالم العربي.
محاضراته في مكتبة الإسكندرية
من المحطات البارزة في حياة مكي محاضراته التي ألقاها في مكتبة الإسكندرية عام 2006. في تلك المحاضرات، استعرض مكي إسهامات الحضارة الأندلسية في مختلف العلوم والفنون، مسلطاً الضوء على تأثيرها العميق في الثقافة الأوروبية. كانت هذه المحاضرات فرصة نادرة للطلاب والباحثين للاستماع إلى رجل عاش بين صفحات التاريخ، وفهم بعمق ما وراء الكلمات والسطور.
ترجماته وأعماله الأدبية
ترك الدكتور مكي وراءه إرثاً علمياً وأدبياً غنياً، لم يقتصر على الدراسات الأكاديمية فحسب، بل شمل أيضاً ترجمات رفيعة المستوى، فقد كان مترجماً بارعاً، حيث نقل العديد من الأعمال الأدبية الإسبانية إلى العربية، منها (بيت برنارد ألبا) للشاعر والمسرحي الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا، و(الأشجار تموت واقفة) لأليخاندرو كاسونا. كانت ترجماته تتميز بالدقة والروح الأدبية، إذ كان يسعى دائماً للحفاظ على الجمالية اللغوية في النص الأصلي، وهو ما جعلها مقروءة ومحبوبة في العالم العربي. ويقول مكي عن الترجمة:
(الترجمة هي عملية خلق جديدة، تتطلب ليس فقط فهم اللغة، بل أيضاً الشعور بنبض النص وروحه).
أثره على الطلاب والأكاديميين
لم يكن تأثير مكي مقتصراً على أعماله الأدبية والعلمية فقط، بل امتد ليشمل جيلاً كاملاً من الطلاب والأكاديميين الذين تتلمذوا على يديه. كان مكي أستاذاً ملهماً، يحرص على غرس حب العلم والبحث في نفوس طلابه. كثيرون منهم أصبحوا اليوم من رواد الدراسات الأندلسية، يحملون شعلة العلم التي أضاءها مكي في دروبهم.
التكريمات والإنجازات
لم تمر مسيرة الدكتور مكي دون تقدير، فقد حصد العديد من الجوائز التي تعكس حجم إسهاماته الفكرية والثقافية. من أبرز هذه الجوائز جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب، إضافة إلى العديد من الأوسمة التي منحتها له الحكومة الإسبانية تكريماً لدوره في تعزيز العلاقات الثقافية بين العالم العربي وإسبانيا.
حارس التراث الأندلسي
لم يكن مكي مجرد باحث أكاديمي، بل كان حارساً لتراث الأندلس، محارباً للحفاظ على ذاكرة الحضارة الإسلامية في أوروبا. كان يدرك أن هذه المهمة تتجاوز حدود الكتب والمقالات، لتصل إلى قلوب وعقول الناس. وقد ألقى عدة محاضرات في مكتبة الإسكندرية، استعرض فيها إسهامات الحضارة الأندلسية في مختلف العلوم والفنون، مسلطاً الضوء على الدور الحضاري الذي لعبته في تشكيل هوية أوروبا الحديثة.
شخصية ملهمة
يظل الدكتور محمود علي مكي شخصية ملهمة لكل من يسعى للبحث عن الجذور والتواصل مع الآخر. كان يؤمن أن الحوار بين الثقافات ليس خياراً، بل هو ضرورة تفرضها الحياة المعاصرة. وفي إحدى مقولاته الشهيرة، قال:
(الثقافة ليست ملكاً لأمة بعينها، بل هي إرث إنساني يجب علينا جميعاً الحفاظ عليه وتعزيزه).
كان محمود علي مكي يؤمن أن الحوار بين الثقافات هو السبيل الأمثل لبناء جسور التفاهم والتعايش السلمي بين الشعوب. وقد عبّر عن هذا المفهوم في إحدى مقولاته: (الثقافات ليست جزراً منعزلة، بل هي بحار متلاطمة الأمواج تتلاقى فيها الأفكار والتجارب، وحوارنا مع الآخر هو ما يجعلنا نكتشف ذواتنا).
رحل عن عالمنا الدكتور محمود علي مكي في أغسطس عام 2013، وفي ذكراه، نستحضر روح هذا الرجل العظيم الذي جمع بين العلم والأدب، وبين البحث الأكاديمي والروح الإنسانية، وبين الشرق والغرب. ترك لنا مكي إرثاً يجب أن نحتفي به ونستلهم منه قيم الحوار والتسامح والتعايش السلمي. لقد كان حارساً لتراث لا يموت، وشاعراً للحوار بين الثقافات، ورائداً في مجال الدراسات الأندلسية. ستظل ذكراه خالدة في قلوب كل من عرفه، وقرأ أعماله، وتأثر بفكره وعلمه.