بقدر ما كثر الحديث عن التواصل بين الحضارات والأديان، كثر كذلك اليوم الحديث عن الهوية بشكل غير مسبوق، في ظل الثورة التكنولوجية التي جعلت العالم قرية صغيرة، فأصبح الشعور بالانتماء الديني والثقافي، بل الدفاع عنهما هاجس دول العالم. إذ أصبحت قضية الهوية قضية محورية لأهميتها، لكون التفريط فيها هو تفريط في الوجود، سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع أو الجماعات. ودون الدخول في بسط الحديث عن هذا الموضوع المتشعب، سأكتفي بالحديث عن الهوية وأسسها عند أليكس ميكشيللي.
مرجعيات الهوية
الهوية على حد تعبير أليكس، مجموعة من السمات التي تسمح بتعريف موضوع معين، ومن تم فالتحديد الخارجي للهوية يكون بالبحث عن تلك السمات وتحديدها، معتبراً أن بعض المجالات لا يطرح فيها تعريف الهوية أية صعوبة، حالة الأشياء المادية والفيزيائية عموماً أما خلاف هذا فذلك شأن آخر، يقول: (ليس من السهولة بمكان تحديد هوية الأشياء في مجال العلوم الطبيعية ولا سيما في مجال العلوم الإنسانية. وتعود صعوبة التحديد إلى التنوع الكبير في العناصر الأولية المكونة للمسائل الاجتماعية، وهي في أغلبها مفاهيم تنطلق من التجربة المعاشة، ومن نسق التصورات والأنماط السلوكية المتنوعة).
يرى أليكس، أنه عندما نريد معرفة طفل ما، فالأمر يتطلب مواجهة العديد من الخيارات اللانهائية الخاصة بالمعايير المحددة لهوية الطفل مثل: العمر، الجنس، المقاس، الوسط العائلي، الوسط الثقافي... ولمعرفة وسطه العائلي، هناك أيضاً إشكالية التحديد، إذ يتطلب معرفة نظام العلاقات، والنظام السيكولوجي. يقول أليكس بخصوص الفئات الخاصة بالهوية: (إن تحديد هوية مجتمع، أو جماعة، أو فرد، يقتضي العودة إلى جملة من العناصر، التي يمكن تصنيفها في المجموعات التالية:
أولاً: عناصر مادية وفيزيائية وتشتمل على كل من الحيازات وهي: الاسم، الآلات، الموضوعات، الأموال، الملابس، السكن، ثم القدرات ومنها: القوة الاقتصادية، والمالية، والعقلية، وكذلك التنظيمات المادية مثل: التنظيم الإقليمي، نظام السكن، نظام الاتصالات الإنسانية، وأخيراً التنظيمات الفيزيائية وهي: الانتماء الاجتماعي، والتوزعات الاجتماعية، والسمات المورفولوجية.
ثانياً: عناصر تاريخية وتتضمن: الأصول التاريخية: الأسلاف، الولادة، الاسم، المبدعون، الاتحاد، القرابة، الخرافات الخاصة بالتكوين، الأبطال الأوائل. والأحداث التاريخية المهمة: المراحل المهمة في التطور، التحولات الأساسية، الآثار الفارقة، التربية والتنشئة الاجتماعية. والآثار التاريخية: العقائد والعادات والتقاليد، والعقد الناشئة عن عملية التطبيع أو القوانين والمعايير التي وجدت في المرحلة الماضية.
ثالثاً: عناصر ثقافية نفسية، وهي النظام الثقافي: المنطلقات الثقافية، العقائد، الأديان والرموز الثقافية، والأيديولوجيا، ونظام القيم الثقافية، ثم أشكال التعبير من أدب وفن. ويليه العناصر العقلية كـ: النظرة إلى العالم، نقاط التقاطع الثقافية، الاتجاهات المغلقة، المعايير الجمعية، العادات الاجتماعية. وأخيار النظام المعرفي والمقصود به: السمات النفسية الخاصة، اتجاهات نظام القيم.
رابعاً: عناصر نفسية اجتماعية، وفي مقدمتها أسس اجتماعية مثل: اسم، مركز، عمر، جنس، مهنة، سلطة، واجبات، أدوار اجتماعية، نشاطات، انتماءات اجتماعية. ثم القيم الاجتماعية: الكفاءة، النوعية، التقديرات المختلفة. وأخيراً القدرات الخاصة بالمستقبل منها: القدرة والإمكانية، الإثارة الإستراتيجية، التكيف، نمط السلوك).
إذاً، حسب أليكس، هذه الأمور تعد بحق كافية لتحديد هوية جماعة أو فرد.
نواة الهوية الثقافية
حال الثقافة، كحال اللغة، إذ يمكن إدراك الثقافة بنفس الطريقة التي تدرك بها اللغة، يقول أليكس: (إذ تشتمل الثقافة على قواعدها الخاصة وصيغها المختلفة. وهي كاللغة لأنها تنطوي في ذاتها على صور إدراكية للعالم والكلمات، وهي أيضاً كالرموز الثقافية إذ تشكل فئات إدراكية متقطعة للعالم الخارجي). ثم يضيف: (فالثقافة في واقع الأمر كل مكتسب مشترك بين أفراد الجماعة وتشتمل على كل أشكال التعبيرات المختلفة والفعاليات المتنوعة التي تنبثق عن النظام المعرفي المكتسب). وعليه، تكون الثقافة في صيغتها الأنتربولوجية تشتمل على منظومة العقائد والمعايير والقيم والتصورات والعادات والأخلاق. إذاً، الهوية على حد تعبير كارديني (kardiner) سواء على المستوى الشخصي أو الفردي أو الثقافي، هي نظام من الفعل وعملياً التكيف مع الوسط الذي يحيط بالفرد. وهو الذي يشكل المصدر الأساسي للقلق الذي يجب على الفرد أن يتجنبه ويدفعه عن نفسه. فالفرد كما هو الحال بالنسبة للجماعة الثقافية يبذل جهوداً للتكيف مع المخاطر التي تواجهه. هكذا تكون الهوية هي الدافع سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الجماعة التي ينتمي إليها الفرد.
نواة الهوية الجماعية
يذهب أليكس إلى القول بخصوص هذه النقطة، إلى القول: (يمكن أن ننظر على الجماعة كما يحددها كيرفتش Gurvitch بوصفها وحدة جمعية حقيقة، قابلة للملاحظة بشكل مباشر، وتقوم على أساس مواقف جمعية مستمرة ونشطة، وتسعى إلى تحقيق هدف مشترك، وهي وحدة المواقف، ووحدة المهمات والسلوك، وهي إذ ذاك تشكل اطاراً اجتماعياً بنيوياً يتجه نحو تحقيق تماسك نسبي لمظاهر الحياة الاجتماعية). أي أن الجماعات ليس بمجموعات منتقاة من الأفراد المتجانسين، تجمعات عفوية من الأفراد، وهي ليست نقابات أو منظمات واسعة تسعى إلى تحقيق أهداف عامة.
إذاً حسب أليكس: (يمكن أن نتحدث عن نظام ثقافي للجماعة -فلكل جماعة محددة ثقافتها الخاصة- وفي هذا السياق يمكن أن نتحدث وبكل بساطة عن ذهنية الجماعة). يضيف أليكس: (إن مفهوم الذهنية يغطي مفهوم الثقافة المستبطنة وذلك على نحو شمولي. فالذهنية هي الخبرة المكتسبة التي يشترك فيها جميع أعضاء الجماعة. وحال هذه الخبرة كحال الثقافة المستبطنة تأخذ وضعية مرجعية مستمرة ولا شعورية وذلك من أجل تحديد الأحداث وتوجيه السلوك). هكذا يمكن القول، إن الذهنية تنطوي في ذاتها على رؤية خاصة للعالم وعلى طريقة للتعامل مع الأشياء وعلى مواقف خاصة بعناصر الوسط الذي يحيط بالإنسان. ومهما كانت صورة الذهنية حسب أليكس، كنظام منطقي، أو نظام مرجعي، أو نظام للتصورات، أو مصدر لتفسير العالم، أو ينبوع للتعبيرات الخاصة بالجماعة؛ فإنها في نهاية الأمر تشكل نواة الهوية الجماعية.
نواة الهوية الفردية
بخصوص هذه النقطة انطلق ألكيس من الطفل كنموذج، حيث تلعب الأسرة دوراً حاسماً في تحديد هوية الطفل. لكن هناك مشكل، يكون في حالة تسلط الأبوين، يقول أليكس: (عندما يكون الأبوان متسلطين، ويعمدان إلى القصر والإكراه في حرمان الطفل من حرياته ومتطلباته فإنهما يحطمان عند الطفل كل إمكانيات تأكيد الذات واستقلاليتها. وتحت تأثير يقتنع الطفل أخيراً بإيعازات الأبوين: فهو لا يصلح لشي، ولا يستطيع أن يقول بأن عمله جيد وليس له الحق في القيام بأي عمل). ومن هناك سيصبح الطفل تحت تأثير الأسرة مجرد آلة افعل كذا ولا تفعل كذا، وبالتالي يكون هؤلاء من يحدد هويته منذ البداية، وهذا سيكون له انعكاس سلبي على شخصية الطفل، إذ سيجد صعوبة في تجسيد حضوره مجتمعياً، مما يجعلنا نقول إن فقد هويته، إذ سيعيش غربة داخل المجتمع.
هذا الأمر يعده أليكس مرضاً، يقول: (ترتبط أغلب اضطرابات الهوية التي تظهر عند الكبار مع طبيعة الهوية التي تحددت في مرحلة الطفولة، فالسمات الخاصة بالهوية قلما تكون متكاملة وبالتالي فإن اللاتكامل ينمي مخاطر الاضطرابات اللاحقة للهوية). هذا الانفصام في الشخصية والذي يعتبر مرضاً نفسياً يشوش فعلاً على علاقات الفرد بالوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه. يقول أليكس: (وفي هذا الخصوص يشير باتسون Batson بأن هذه الهوية المرضية هي نتاج لإيحاءات متناقضة وأوامر مصدرها الوسط العائلي للفرد في مراحل مختلفة من طفولته). وهنا يركز ألكيس على التربية والتنشئة، مركزاً على الجانب الثقافي، معتبراً أنه سيساهم فعلاً في جعل الفرد يعرف نفسه بنفسه، ويحس بوجوده وانتمائه وبالتالي هويته.
أخيراً وليس آخراً، إن الواجب اليوم على كل أسرة والمجتمعات، أن تكون يقظة في التعامل مع موضوع الهوية، صحيح أنه يجب الحفاظ على الهوية كي لا يفقد الإنسان وجوده، لكن في المقابل يجب عدم السقوط في متاهات العنف والتعصب تحت غطاء الهوية، فقبل هذا وذاك على الجميع الوعي بدوره في بناء الهوية، هوية الإنسانية من أجل غد أفضل.