مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

الكتابة والتلقي في العصر الرقمي تحولات المعنى وحرية النص

تشهدُ الثقافة المعاصرة تحولاً جَوهريّاً تهزُّ فاعليته الأسس الرَّاسخة للفكر والأدب، حيث تتم إعادة تموضع المفاهيم التقليدية بشكل جذري مما يخلق فرصاً جديدة للفكر والإبداع والإثراء الثقافي، فمن المتوقع أن تستمر المفاهيم الثقافية في التطور، لتتوافق مع تدافع أمواج التغيُّر العالمي للتجسير بين الأصالة وعتاقتها والمعاصرة وحداثويتها، مادامت المجلة العربية تحرص على تضمين الملف الثقافي في إصداراتها، إعماراً للحقل الأدبي، فكان تناولها تحت هذا العنوان: (تحقيبات النقد والثقافة). فعند الوقوف على نظرية موت المؤلف عند بارت والتي أراها متناصَّة ولو نسبيّاً مع نظرية موت الإله عند نيتشه في أولى عتبات الولوج إلى عالم الفِكر والثقافة، ووجدت أن اسم الكاتب أصبح صدى في كهف النَّص، فاستمعت إلى دوي ارتداداته في المفردات والألفاظ التي كونت الجمل والعبارات، فعندما يبتلع ضوء المعرفة قصاصات الورق ويَشعُّ في دجى الوجدان يتكون المُنجز الكتابي وهنا تبادرني فكرة أن الكاتب لم يكن إلا نجماً قد أفَلَ وتعطل فيه قانون الضياء، تاركاً الأثر، فعندما يموت المؤلف يتوالد المعنى من إرثه الأدبي بعد تحرر النَّصِّ من صاحبه أي ذاته المنتجة، لأن موت المؤلف لم يكن غياباً، بل كان تحوُّلاً في طبيعةِ وجوده المتصل بإبداعه، إذ يصبح المنجز كائناً يفتقد روح مؤلفه، فيعيش في ضوء التلقي، ويتنفس عبر قارئه الحصيف النَّهِم بالاطلاع، فعندما أتحدث عن إشارة محور الملف المتمثل في انكسار السلطة القديمة للمعنى، وموت المؤلف من لدن رولان بارت إلى الواقع الرقمي الذي نعيشه اليوم، يتداركني تساؤلٌ عن تحول دور الكاتب بين النظرية والممارسة، فللإجابة على هذا التساؤل المحتشد، لا بدَّ لي من التعرُّف على ملامح نظرية موت المؤلف التي تعتبر واحدة من أهم النظريات الأدبية في العصر الحديث، فالفكرة الرئيسة التي تقوم عليها النظرية هي أن المؤلف لم يعد مصدراً أولاً للمعنى، بل صار المتلقي هو الذي يعيد استنطاق المعاني في زاوية نظره إلى النَّص، مكوناً الصورة التي جسدتها المفردات اللغوية، فعرفتُ أن هذه النظرية قد بينت تحرر النص وانعتاقه من سلطة الكاتب إلى سلطة المتلقي، الذي بات يفسر المعنى من زاوية نظره في آفق دالته، دون التقيد بما أراده المؤلف من مقصدٍ أو حالةٍ أحاطت بلحظة الكتابة.
فمع ظهور الواقع الرَّقمي يمكن القول إن الكتابة أضحت عملية تفاعلية بين كاتبٍ للنَّص وقارئ له، وهنا تغيرت الطريقة التي يتواصل بها المؤلف مع المتلقي، فأجد بروز إمكانية التفاعل المباشر بينهما، مما يعكس التجلي الواضح وتغير طبيعة العلاقة عما كانت عليه في العهود الماضية، إذ تغير دور الكاتب وأصبح يتطلب مهارات عديدة تماشياً مع الواقع الرقمي المعاصر، ورافد معلوماته المتدفق في كل لحظة وحين، لذا وجدتُ أن في الفضاء الرقمي كَمْ مِن مُؤلِفٍ لا يمتلك الوصاية على نصِّه، لأن النَّص قد بات يسبح في فضاء مفتوح لا ينتمي لكاتبه من حيث المكان، بل أصبح ولاءُ المعنى يَحظى به القارئ، فتموت ملكية المؤلف مباشرةً بعد نشره للموضوع، ليبدأ النص حياته المستقلة سابحاً في الفضاء، كائناً بلا حدود، ليعلن عن نهاية النَّص المقدَّس، بميلاد النص المتحول المتوالد المعاني، فالفضاء الرَّقمي غيَّر طرائق كتابة النَّص، فلم تعد تنام الحروف على الورق فحسب، إنما خرجت متجاوزةً حدود الصفحة وعتمة الحبر، إلى الفضاء الحر، فأضحى كل نص يُفصح عنه يشكل حالة وجود عبر الفضاء الرقمي الذي غيَّر جوهر الكتابة فأصبحت الكلمة وسيلة للتدفق النصي الذي يخلق ذاته في كل قراءة له، وهذا يدفعني نحو تحَدٍّ كبير في ماهية الملكية الفكرية للنَّص، فالحرف لم يعد فكرة تحتبس في الورق بل صارت موجة ضوئية عظيمة، تستنسخ وتعاد صياغتها، وتتلاقح فكريّاً لتولد من جديدٍ في مهدٍ آخر، وفي مسودة أُخرى، فالتطور الرقمي قد حرَّر النَّص وجرَّده من سياجه الشائك الحصين، لتجد الملكية الفكرية نفسها أمام اختبارٍ وجودي آخر غير مسبوق.
وهنا لابد من الإشارة إلى الإحساس بأزمة النقد عندما أرى المتراكم المعرفي من المنتوج الأدبي المتصاعد الدال على موت الناقد، وتقاصر قامة النقد الأدبي، فأجد حقيقة أن موت الناقد كمصطلح قد ورد في كتاب رونان ماكدونالد، كتعبير رمزي عن تراجع دور الناقد في الفعل الأدبي والثقافي في الحياة الفكرية المعاصرة، فليس المقصود هنا موته بالفعل، بل المقصود أن الناقد قد افتقد مكانته المركزية التي كان يتمتع بها سابقاً، إذ كان الناقد يمتلك السلطة الثقافية للكشف عن العوائق المعرفية للَّحاق بركب النمو الإبداعي، وتوجيه الذوق العام، وتحديد قيمة الأعمال الإبداعية، ومن ثم يبرز النقد الثقافي كمنهجٍ ذي أهمية في قراءة الخطابات الاجتماعية والسياسية والفلسفية إذ يساعد في فهم عمق الثقافة وتأثيراتها على المجتمع، وتقديم أدوات لفهم السلطة والمعرفة والهوية داخل الخطاب، وإعادة لتعريف الثقافة بوصفها فضاء مفتوحاً حول المعنى وليست مجرد إنتاج رمزي أو فني يسمي صاحبه.
تناولت أيضاً بروز النقد الثقافي الذي كان رَدَّ فعلٍ على محدودية المناهج النقدية التي ركزت على النص الأدبي بمعناه الإبداعي، متجاهلة الأبعاد الاجتماعية والسياسية والسلطوية الكامنة فيه، إذ يركِّز النقد الثقافي على ثنائية السلطة والهامش بوصفهما الجوهر لكل نظام ثقافي أو فكري.
فالسلطة تمثل الخطابات المهيمنة التي تفرض قيمها ورؤاها في دواوين الدولة، بينما الهامش يمثل الأفراد أو الجماعات التي تُقصَى وتهمَّش في التنمية الثقافية وتشعر بعدم المواكبة فتثور، عَلَّها تتساوى مع النهضة الموازية لها في المحيط، ومن هنا يعمل النقد على تفكيك مركزية السلطة ليمنح الهامش المستضعف صوتاً جديداً في المشهد الثقافي المشتمل على خطاب يحوي مصل الدفاع عن حقوق القطاعات الاجتماعية والسياسية والجندرية.
ففي ظلِّ هذا التطور الذي نشهده يطلُّ شبح نهاية الكتاب، لا بوصفة موتاً للقراءة والاطلاع إنما كسلٌ ثقافي مقدور على تفاديه. أما الحديث عن مستقبل القراءة والكتابة في زمن الشاشات البلورية، والذكاء الاصطناعي، فلقد أصبح حديثاً عن مواضيع شائكة، إذ ثبت أنه لن تموت القراءة ولا الكتابة لكنهما ستتغيران تغيراً جذرياً، لتصبح الكتابة أكثر حظّاً في التعاطي الجماعي، وتصبح القراءة أكثر تفاعلية، وسيبقى الإنسان مركزاً للمعنى ما دام يتمتع بالقدرة على التساؤل والتأمل والإبداع، فالتحدي الحقيقي ليس في وجود الذكاء الاصطناعي إنما في وجود الوعي المتنامي لدى الإنسان ليقوم بتوظيفه التوظيف الصحيح، واضعاً بصمته في كل حرفٍ يكتبه، مؤرخاً لذاته الإنسانية في مسيرته الحياتية. وإنَّ التأريخَ ليسَ نَصّاً، كما يقول (فريدرك جيمسون):
«إنَّ التأريخَ ليسَ نَصّاً، ولكنَّا لا نَسْتطيعُ الإمْسَاكَ بِهِ إلَّا في صِيغَةٍ نَصِّيَّةٍ».

ذو صلة