حين ضحكتُ يومها، في الوقت الذي كان يجب فيه أن أفزع، أو أبكي، أو أصرخ؛ أدركت أن الضحك قد يكون سلاحاً لمن لا سلاح له، أو أنه عصا سحرية يتكئ عليها الوعي حين تهتز الأرض تحت قدميه، أو هو قوة عظمى وضعها الله في عباده؛ لإصلاح ما تهشم عبر صوت فريد، يرمم ما لا يمكن ترميمه أبداً.
وقد استدعت هذه اللحظة مثلاً دارجاً: (شر البلية ما يضحك)، وهو قول يضع الضحك في منطقة مريبة، تكشف أن الفواجع قد تخلخل المنطق، وتعطل قدرة الإنسان على الاستيعاب، فيأتي الضحك في صورة عجزٍ عن الفهم، أو اختلالٍ في التوقعات، أو ربكة وجدانية، أمام شدة المصيبة ووحشية الألم، في محاولات يائسة للتعامل مع (شر البلية) بوسيط مغاير، ومنطق غير مألوف. كما أفصحت تلك الضحكة، التي خرجت في غير ميعادها، عن أن الضحك ليس مظهراً عاطفياً بسيطاً، إنما ظاهرة نفسية وثقافية تستحق التأمل.
يمكن فهم الضحك وتفكيكه في سياقه الأوسع، فقد ارتبط الضحك بفطرة الإنسان منذ أن خُلق على هذه الأرض، فهو العلامة الأكثر فرادة على تجربته الوجودية، والميزة التي فضله الله بها على سائر المخلوقات. يضحك الإنسان لأن شيئاً ما استفز دهشته المكنونة: كائناً، أو كلمة، أو موقفاً، أو حدثاً، أو مشهداً خارجاً عن المألوف والمعتاد، وكما يقول تشارلز داروين (Charles Darwin): «الضحك من الناحية المبدئية هو تعبير عن الحبور.. الحبور عندما يكون مكثفاً يقود إلى حركات متعددة بلا غاية، التراقص، التصفيق باليدين، دَقّ الكعب، وهكذا، وصولاً إلى الضحكة المجلجلة. تبدو الضحكة مبدئيّاً تعبيراً عن الجذل والسعادة».
ولكل إنسانٍ أسلوبه وطريقته وأسبابه للضحك، فهو منتج شخصي وفعل فردي، لا تتطابق مثيراته عند البشر، لكنه يشترك في كونه انفعالاً جسدياً واستجابة غير واعية، في عملية اتصالية بين ضاحك ومضحك، ضمن موقف ساخر أو فكاهي، باستعمال إيماءات، وأصوات، وحركات، كإطباق العينين، أو الشهقات مثلاً، أو ظهور التغضنات في الوجه، وانفراج الثنايا وانبلاجها، أو ضرب يدٍ بيد، أو حتى نزول دمع العينين، وهذه الحركات تترجم الفرح، أو السرور، أو الشعور السعيد في الأصل.
وتختلف هوية الضحك وأدبياته باختلاف المجتمعات والأمم، فالإسلام، مثلاً، يعدُّ الابتسام صدقة، وهو مرحلة من مراحل الضحك، كما ينظر إلى الضحك، بالخوض واللعب والاستهزاء؛ خطوة نحو الخطيئة، وقد قيل لنا كثيراً في قاعات الدراسة: (الضحك بلا سبب، من قلة الأدب)، في إشارة ضمنية إلى أن الضحك مخالف للاتزان والأدب واللباقة، وكبحه وضبطه ضرورة واحترام. كما تردد في بعض مجالسنا: (الله يستر من كثرة الضحك)، في علامة حمراء تحيل إلى توقع حزن مفاجئ بعده. وبينما ترفض بعض الثقافات صخب الضحك وعلوه وكثرته، وتفسره فراغاً نفسيّاً يشير إلى قلة المعرفة؛ تعده ثقافات أخرى تعبيراً صحياً، وعلاجاً مضاداً لمرض العبوس الذي ينبغي مقاومته.
ولم يعد الضحك في سياقات كثيرة مجرد استجابة آلية لباعثٍ أو حافزٍ ما، وإنما أصبح موضوعاً فلسفيّاً معقداً استقطب اهتمام الفلاسفة، والنقاد، والأدباء، فدخلت تحت دائرته الكثير من المصطلحات والمفاهيم لتشمل الهزل، والمزح، والدعابة، والنكتة، والنادرة، والسخريَّة، والفكاهة، والتعجب، وكل ما هو مثير للضحك أو له علاقة به، كما صار تعبيراً عن انفعالاتٍ أخرى لا علاقة لها بالبشارة والسرور، كضحكة الحرج، أو الخجل، أو ضحكة التكلف، أو الضحكة الصفراء الزائفة، أو ضحكة الخبث، أو ضحكة البلاهة الفاترة، وهذه بعض بواعث الضحك وأنواعه التي ذكرها العقاد قائلاً: «هناك ضحك السرور والرضا، وهناك ضحك السخرية والازدراء، وهناك ضحك المزاح والطرب، وهناك ضحك العجب والإعجاب، وهناك ضحك العطف والمودة، وهناك ضحك الشماتة والعداوة، وهناك ضحك المفاجأة والدهشة، وهناك ضحك المقرور، وضحك المشنوج، وضحك السذاجة، وضحك البلاهة، وما يختاره الضاحك وما ينبعث منه على غير اضطرار. بل ربما كان لكل مضحكة من هذه المضحكات ألوان لا تتشابه في جميع الأحوال».
ثم تحول الضحك من صورته الفيسيولوجية البسيطة الناتجة عن مؤثر، إلى سبيلٍ يفهم به الإنسان نفسه ويواجه به العالم، فتجاوز اللاوعي إلى الوعي، وغدا دواءً خافضاً للتوتر، وتنصلاً من وطأة القيود الاجتماعية وحصاراتها، وخطاباً نقديّاً ساخراً، وسلاحاً ناعماً للرفض، وشكلاً من أشكال التهكم والذم للواقع.
وهذا التحول ينطلي على الفن والأدب، حين يُقرأ الضحك بوصفه أداةً كاشفة عن تناقضات الحياة والأشخاص والمواقف، وعن التعارض بين ما قيل وما يُفعل، وعن الازدواجية بين المُثُل والأخلاقيات، وبين ما يراه أو يسمعه أو يفعله الإنسان، في مقابل ما يؤمن به ويعتقده، وهنا يخرج الضحك من فعل التسلية إلى فعل المواجهة، إذ يضع الموقف أو المخاطب أمام هشاشته الداخليَّة ويقدمه للمساءلة والفضح، وتتولد (الكوميديا السوداء) التي تسلط الضوء على الجانب المأساوي للحياة عبر عدسة الفكاهة، وتحول المأزق الإنساني إلى ضحكة تخفف وطأته، وتزين قبحه، وتقدمه على مائدة التقبل والقبول. أو (الضحك كالبكاء) الذي يعبر فيه الفنان والأديب تعبيراً درامياً مأساوياً في صيغ تهكمية وساخرة يرفض فيها الواقع، ويعري ارتباكه، ويفضح مفارقاته.
وفي سياقات أخرى، كالسياقات الاجتماعية والسياسية، يتحول الضحك إلى وسيلة للمقاومة ضد الاستلاب، والظلم، والقهر.. وغيرها من مظاهر التعنيف، فيغدو موقفاً يعيد تعريف الإنسان وعلاقته مع ذاته والآخر، ويخلق بواسطته فضاءً ساخراً يخلخل بنية السلطة ويرفض الانصياع لها، ويقوض خوفه تجاهها، ويحول عجزه عن ردة فعل جادة أو مباشرة، إلى رفض خفي في صورة استعارية تحمل الضحك محمل فعل التحرر والتحدي والمجابهة، وهنا تبرز السخريَّة، نوعاً من وجوه الضحك وأنماطه، فنّاً للتندر على العيوب المجتمعيَّة والفكريَّة، لكنها لا تتندر على العيب لتضحك عليه وتزدريه فحسب؛ لكنها تُعيد صياغة الوعي بهذا العيب؛ لإصلاحه وترميم أعطابه، ويتسق هذا التصور مع ما ذكره هنري برجسون (Henri Bergson) بقوله: «أما العيب المضحك فما أن يشعر بأنَّه مُضحك حتى يحاول التغيير ولو خارجيّاً على الأقل... وبهذا المعنى يكون الضحك نوعاً من القصاص، فهو يجعلنا نحاول أن نظهر بما ينبغي أن نكون عليه، وما سنصير إليه فعلاً في ذات يوم»، وهكذا تبرز قيمة الضحك بوصفه وسائل تربويَّة، تصحيحاً وإصلاحاً وتأديباً، بهدف التغيير والتحسين.
ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الضحك من منظور علم النفس، على أنه طاقة فائضة يختزنها الجسم أو النفس، وتعبير عن مكبوتات العقل الباطن، ووسيلة للتنفيس عن الألم أو الغضب أو المشاعر السلبيَّة، إذ أشار (سيغموند فرويد) (Sigmund Freud) إلى أن الفكاهة قد تعيد الإنسان إلى طفولته وحريته ونقائه قبل وعيه بسلطة الرقيب، وأحكام الأنا الأعلى، فالضحك يمنح النفس قوة العبور والاستمرار عن طريق متعة الفكاهة، ويحارب الضيق بالبهجة العابرة، وهنا يؤدي دوره في تخفيف حدة الإحباط، وعلاج الروح، وإعادة توازنها، فيغدو جزءاً من حركة الوعي الإنساني في مواجهة قسوة الحياة وتناقضاتها، بعيداً عن بُعده الغريزي الأول. وقد يستعمل الضحك بطريقة واعية وقسريَّة ليتحايل به الإنسان على الألم أو المرض أو المصائب، أو يخفي حالة ذهنية مغايرة كالغضب، أو الغيظ، أو الخجل، أو الخزي، فمنهم من يضحك عندما يغضب أو يفزع، وآخرون يصابون بنوبة ضحك هستيرية في أكثر الأوقات جدية كمقابلات العمل، والمناسبات الرسمية، كما نعرف كثيراً ممن اعتاد أن يضحك أثناء البكاء، أو يبكي وسط الضحك، وعليه، يغدو الضحك قناعاً ومخرجاً يتوسل به الإنسان لترميم مشاعره أو تمريرها.
وهكذا، يتبدى الضحك فعلاً مركباً، ولغة عميقة، وإستراتيجية للنجاة والمقاومة، وتعبيراً عن حالات شعورية ملتبسة وكثيرة، ومتجانسة ومتناقضة، وفردية ومجتمعة، تحاول الروح عبرها أن تحفظ كيانها أمام متغيرات العالم، الأمر الذي يفسر قول (مارسيل بانيول) (Marcel Pagnol): «قل لي مِمَّ تضحك؟ أقل لك من أنت».