مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

سر اختفاء القمر

في تلك الليلة أصرَّ القمر على الاختفاء، وكأن السواد ضريبة فُرضت على الكون. نظر قيس فيما حوله، ليرى أن أول خيط أسود بدأ يتسرّب من أعماق نفسه، فوضع يده على قلبه ليمنع هذا التسرّب.
اغتصب ابتسامة من شفتيه، وفي الحال سقط منهما بقايا هلال، وهنا أدرك أنه لن يرى النور إلا بقدر ما يراه أعمى في هذه الخليقة.
وكيف يرى النور وقد اقترف بشفتيه ذنباً لم تجرؤ يداه على اقترافه؟ فبينما كانت شفتاه تقولان: لا أريدك، كانت يداه تحاولان التمسك بها، بل وكيانه يأبى إلا التوحّد معها.
أنت لست ليلاي، وأنا لم أعد قيسك.
أحبك...
كانت هذه الكلمة الأخيرة التي ميزها من خلال النشيج الذي مزّقهما معاً، ومن يومها لم تعد هناك ليلى تلك الصبية التي أحبها كصلاة، وابتعد عنها حتى الثمل. ظنّ نفسه في البعد عنها سيصبح قديساً، لكن ها هو في البعد يسكر بذكراها يوماً بعد يوم.
لا تتركني أرجوك...
أريد أن أطهّر نفسي منك.
لطالما قذفها بهذه العبارة التي كانت جوابه الوحيد على توسلاتها. ورغم أنه كان ضمنياً يشعر بجبنه، لكنه لا يستطيع إلا أن يعتاده، لأنها كانت سيئة السمعة فيما مضى، أي قبل أن تعرفه، ووضعه الاجتماعي لا يسمح له بمجرد تصوّر اقتران اسميهما معاً. مما دفعه إلى أن يقترن بامرأة تكاد تكون علماً من أعلام المجتمع، تخيّم بمؤهلاتها الفائقة على قارة بأسرها، عدا بقعة واحدة هي قلبه الذي لم يستطع إلا أن يتفيأ بظل ليلى.
واليوم، وبعد مضي هذه الأعوام، ما الذي يستطيعه غير أن يسخّر حواسه لتسعفه ببقايا الذكريات؟
أنصت السمع جيداً، فهزّته كلمة (حبيبي) ترنمها ليلى بصوتها الحنون، وداعبت أنفه رائحتها الآتية من عالم النرجس.
حدّق ملياً، فرأى ملائكة طهرها الحب.
وعندما فتح ذراعيه ليحضنها وجد زوجته في أحضانه.
ومرة أخرى تفتح السواد حوله برعماً شرب من بئر الحسرات.

ذو صلة