مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

رحل الآغا وانطفأ النبـراس

لو أنك أخبرت تلك الصغيرة الحالمة والتي غرست بها حب الأدب، بأنك ما كنت إلّا تجهزها ليوم تكتب به لك عنك، لربما ما كانت ستفرح بتلك القروش التي تضعها بين كفّيها بعد إنهائها لكل نص!
لا أعلم إن كان هذا النص رثاءً عنك أيها الآغا، أم عن حالي التي يرثى لها من بعدك! ولكنّي أعلم بأنه سيكون النص الأول الذي لن تراه عيناك ولن تقرأه شفتاك، ولن تخبرني برأيك فيه.
لو تعلم كم أفكر بك وكم أنت حيً ترزق في ذاكرتي وقلبي، لما اخترت الرحيل وإن لم يكن خيارك.
لو تعلم كيف يقف قلمي عاجزاً ولأول مرة أمام نصٍ يأبى الخروج لحياة قد خرجت أنتَ منها!
نظراتك المتعبة والطويلة في وجهي، صوت أنفاسك الثقيلة المتقطعة، وكفك المرهقة المشيرة لي لأقترب منك، فأجلس بجوارك لتطيل النظر أكثر وتفكر بصمت أكبر.
وها أنت قد رحلت من جواري وتركتني لتلك النظرات الطويلة أقف وحيدة غارقة في عالمها.
كيف أنسى هذا المشهد؟
سؤال مضحك من شخص اعتاد نسيان كل شيء، ولكن وعلى ما يبدو أنه أمام الموت تصنع المعجزات!
فالذاكرة تولد من جديد وتكتسب تلك القوة التي تمكنها من محاصرتي طوال الوقت!
والحياة تصغر أمامي فجأة وتضيق حتى تحاصرني!
ورائحتك التي أخاف تلاشيها ببطء من على قطع ثيابك، تحاصرني أيضاً!
أنا محاصرة يا سيدي رغم كل الأبواب التي تركتها خلفك مفتوحة، فلا أستطيع المكوث مكاني ولا أستطيع الرحيل لك.
أخبرني كيف أغض البصر عمَّا حدث، وقد فُتحت بصيرتي وثقل كتفي وتغيرت ملامحي التي ينكر الجميع شبهها بك، بينما يصرّ عقلي على ذلك!
كيف أغلق الأبواب خلفك وكأنما أقر لنفسي بأنك لن تعود!
كيف أتوقف عن الحديث معك، مع خيالك، وأعترف بأنك لستَ أمامي ولن تكون!
أخبرني كيف لفلذة كبدك تلك أن تكمل العيش بخارجك!
أتعلم!! دعنا من هذا كله وأخبرني...
أمشتاق لي كما أشتاق لك؟!

ذو صلة